الافتقاد

الافتقاد[1]
نود أن نتحدث في هذا الموضوع عن معنى الافتقاد، وأهميته، والافتقاد العام، والافتقاد الخاص، وطريقة الافتقاد وفوائده…
افتقاد وليس مجرد زيارة
هناك فرق كبير بين الافتقاد ومجرد الزيارة. فالزيارة قد تعني أن الأب الكاهن يزور أسرة ويتحدث مع أفرادها في شيء، وكأنها عمل اجتماعي بحت.
أما الافتقاد فهو زيارة رعوية روحية، يدخل فيها الكاهن البيت، ويدخل الله معه في البيت ويتركه هناك.
إنها زيارة لها طابعها الديني التعليمي. وتحمل معنى الاهتمام بالأسرة من كل ناحية ومعرفة هل البيت له طابع روحي أم عالمي؟ هل يوجد فيه كتاب مقدس، وكتب تراتيل وتسبحة، وكتب أجبية وصلوات أم لا؟ هل كل أفراد الأسرة مواظبون على حضور القداس الإلهي، وعلى الاعتراف والتناول أم لا؟ هل هم مواظبون على اجتماعات الكنيسة؟ هل الصغار والفتيان مواظبون على مدارس الأحد؟ هل الشبان والشابات يواظبون على اجتماعات الشباب. هل الأطفال معمدون؟ هل البيت يحفظ آيات من الكتاب؟ هل على جدرانه توجد صور دينية أم صور عالمية؟ هل من في البيت من تلاميذ وطلبة ناجحون في حياتهم الدراسية أم لا؟
وتكون في الافتقاد قيادة روحية لأهل البيت..
يمكن أن تكون بموضوع روحي عام يناسبهم، أو بكلمة روحية تناسب كل فرد موجهة إليه، مع استيفاء ما ينقصهم روحيًا، بحيث يربطهم بالله وبالكنيسة وبأنشطتها، ويتابع ذلك ويتأكد منه. ويمكن أن يحفظهم آيات تناسبهم.
وفي افتقاده لأسرة فقيرة، يراعي احتياجاتها ويعمل على مساعدتها.
كذلك يعجبني الكاهن الذي تكون جيوبه أو حقيبته مملوءة بالهدايا.
فيعطي للأطفال أو الفتيان صلبانًا أو أيقونات أو صورًا. ويعطي الشبان كتبًا روحية أو كتب صلوات. ويترك في البيت إنجيلًا أو صوره دينية. أو كتابًا مقدسًا إن كان ينقصهم…
ويمكن أن يتأكد من وجود كتاب مقدس في البيت، بأنه يطلبه منهم لقراءة فصل لهم.
المهم أن الأسرة تشعر في زيارة الأب الكاهن لها، أنها بدأت علاقة طيبة مع الله.
أو أن علاقتهم قد تعمقت، أو أنهم نالوا بركة خاصة بزيارة لهم. أو أن هذا الافتقاد منه لبيتهم، كان حدثًا تاريخيًا في حياتهم، أو كان يومًا لا يمكن أن ينسوه. أو لو تكرر هذا الافتقاد يشعرون بسعادة خاصة وبمتعة روحية. وبأن الله قد منحهم نعمة خاصة عن طريق افتقاد الأب الكاهن لهم.
هناك بعض رجال الله كانوا بركة للبيوت التي دخلوها.
مثال ذلك إيليا النبي في بيت أرملة صرفة صيدا (1مل17).
وأليشع النبي في بيت المرأة الشونمية (2مل4).
كذلك كان يوسف الصديق بركة في بيت فوطيفار وكان الرب معه. وكل ما يصنعه كان الرب ينجحه “وَرَأَى سَيِّدُهُ أَنَّ الرَّبَّ مَعَهُ… فَوَكَّلَهُ عَلَى بَيْتِهِ… وَكَانَ مِنْ حِينَ وَكَّلَهُ عَلَى بَيْتِهِ… أَنَّ الرَّبَّ بَارَكَ بَيْتَ الْمِصْرِيِّ بِسَبَبِ يُوسُفَ” (تك39: 2- 5).
يا ليت كل أب كاهن يكون بركة للبيت الذي يدخله.
ويمكنه أيضًا أن يجمع بعض العائلات معًا، إن كان المنزل يضم كثيرًا من الأسرات القبطية، ويكلمهم جميعًا كلمة روحية… وطبعًا لا يفعل ذلك إن كان الافتقاد لأسرة تحتاج إلى وضع خاص من الافتقاد يلزمه لون من السرية يختص بأحوالها الروحية والاجتماعية. لأنه من الجائز أن تكون للأسرة خصوصيات لا يصلح لها اجتماع يضم أسرات متعددة. ولكن من هم الذين يفتقدهم الأب الكاهن؟ نذكر أولًا:
الافتقاد العام
لا بد أن يكون عند الكاهن خريطة لمنطقة الكنيسة.
يمكن أن يكلف بعض الخدام بإعدادها، بحيث تشمل كل الشوارع وتفرعاتها. وتحدد عليها العائلات المسيحية كلها، بحيث يزورها الكاهن جميعًا بلا استثناء. ويتابع زيارتها. وهذا هو الافتقاد العام أو الدوري.
بهذا يعرف شعبه، وشعبه يعرفه.
ويمكن أن يعرف عناوين كل أفراد الشعب، بأن يطلب منهم أن يتركوها له لكي يزورهم. وسهل عليه أن يعرف ذلك عن طريق أوراق يوزعها عليهم مطبوع عليها بيانات لاستيفائها. فيها إسم رب الأسرة وزوجته وأسماء أولاده. وعنوانه وتليفونه ووظيفته، وسن الأولاد ودراستهم، والأقارب الذين يعيشون مع الأسرة إن وجدوا. وأصلح المواعيد للزيارة.
وما أسهل توزيع مثل هذه الأوراق في أيام الأعياد، والمواسم التي يجتمع فيها كل الشعب، مع متابعة البيانات إن تغيرت.
كما يمكن معرفة العائلات عن طريق أطفال مدارس الأحد وعناوينهم، وعن طريق اجتماعات الشباب أيضًا، وكذلك باقي أنشطة الكنيسة…
وفي الافتقاد العام لا تكون للكاهن مجموعة خاصة.
بحيث لا يفتقد أسرات معينة يعتبرها من خواصه، وقد تتكرر زياراته لهذه الأسرات، بينما يهمل الباقين فلا يزورهم. ويشعرون بهذا ويتألمون بسببه. ونحن في رسامة كل كاهن جديد، نجعله يقول في تعهده أمام المذبح وأمام كل الشعب إنه “لا تكون له جماعة خاصة، بل يهتم بالكل”. والدسقولية توجب على الراعي أنه “يهتم بكل أحد ليخلصه”.
إننا نحزن كثيرًا حينما تشكو إلينا بعض العائلات أنه قد مرت عليها سنوات طويلة جدًا، لم يدخل فيها إلى بيتهم كاهن واحد!!
ليت كل أب كاهن يراجع سجل العائلات الذي عنده في الكنيسة، ويرى من منهم لم يقم بافتقـاده حتى الآن.
وطبعًا قبل هذا علينا أن نسأل: هل كل كنيسة عندها سجل العائلات هذا أم لا؟
أشكر الله أن غالبية كنائسنا في المهجر عندها أمثال هذه السجلات فيها أسماء أفراد كل أسرة مع عنوان البيت والتليفون والعمل أيضًا، بما في ذلك ما في كل أسرة من أطفال وشبان. وهذا الأمر ينقلنا إلى نقطة أخرى وهي:
العضوية الكنيسة
لا شك أن العضوية الكنيسة في أحيان كثيرة تسبق الافتقاد.
لأنه كيف يفتقد عائلات لا يعرفها وغير مسجلة عنده؟!
ولكن ليس معنى هذا أن ينتظر فلا يفتقد إلى أن يتم تسجيل العضوية الكنيسة في منطقة كنيسته!! إنما يبدأ بما عنده. وشيئًا فشيئًا سوف يتعرف على كل شعبه. وهكذا نحصل على نتيجة أخرى وهي:
إنه بالافتقاد أيضًا يتم تسجيل العضوية الكنسية.
بحيث يكون عند الأب الكاهن بطاقات للعضوية الكنيسة يستوفيها في الافتقاد. ولكن ليس كمن يجري تعداد. وإنما بعمل روحي رعوي. فالعضوية الكنسية والافتقاد معًا هما وسيلة للعمل الرعوي والروحي، وليسا مجرد تنظيم إداري!!
ولا مانع في زيارتكم لكل أسرة أن تسألوها عن الأسرات الأخرى التي يعرفونها من بين جيرانهم أو معارفهم أو أصدقائهم، لكي يتمكن الكاهن من زيارتهم، ويضيفهم إلى قائمة العضوية الكنيسة وتضاف في سجلاته إن لم تكن مكتوبة من قبل. هنا ونسأل؟
ما هى الفئات التي يفتقدها الكاهن في الافتقاد الخاص؟
منها افتقاد المرضى، وافتقاد الغائبين، وافتقاد الذين في ضيقة أو مشكلة، وافتقاد العائلات في وجود حالة وفاة، وافتقاد بمناسبة عمل طقسي: مثل تبريك المنازل، أو طقس القنديل، أو في مناسبة خاصة بالأسرة كعيد ميلاد أو زواج، أو مجئ من سفر.. وغير ذلك.
نرجو أن نتكلم عن هذه الأمور في العدد المقبل، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: صفحة الرعاية – الافتقاد، بمجلة الكرازة 31 مارس 1995



