الجدية في الحياة الروحية

الجدية في الحياة الروحية[1]
أهمية الجدية
الفرق بين القديسين والأشخاص العاديين، أنهم سلكوا في حياتهم الروحية بطريقة جدية، في كل شيء.
وفي الواقع أن الجدية لازمة في كل عمل يعمله الإنسان، حتى في أمور الحياة العادية والعلمانية، وكل أنواع المسئوليات.. في كل وظيفة ومهنة، حتى في فنون الرياضة المتعددة.
الجدية في العمل، تؤدي إلى إتقانه، وإلى النجاح فيه.
بل تؤدى إلى النمو والتقدم خطوة خطوة في هذا النجاح وفي هذا الإتقان، حتى يصل الإنسان إلى ما يمكنه من درجات الكمال. واضعًا أمامه قول السيد الرب:
“كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ” (مت5: 48). وعلى الأقل يصل إلى المثالية الممكنة، وإلى النموذج المثالي.
ما هى حدود الجدية المطلوبة؟ يقول الرب في ذلك:
“كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ” (رؤ2: 10).
أي أن يعمل الإنسان بكل قلبه، وكل إرادته، وكل إمكانياته، وكل ما يعطيه الرب من معونة ومن نعمة، ولا يتساهل مع أي تقصير مهما كان بسيطًا. ويتذكر باستمرار قول الوحي الإلهي:
“مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الرَّبِّ بِرِخَاءٍ” (أر48: 10).
هذه الآية بالذات تشعل فيه الحمية والنشاط، فيزداد عمقًا في جديته وفي مثابرته. ولا يقبل مطلقًا أنصاف الحلول، بل يسعى جاهدًا نحو الكمال. ولا يكتفي بمرحلة معينة، بل يتطلع إلى باقي المراحل، لكي يكمل بها جهاده.
وكمثال: القديس بولس الرسول:
هذا الذي تعب أكثر من جميع الرسل (1كو15: 10). وكان يتكلم بألسنة أكثر من الجميع (1كو14: 18). وكان في السجون أكثر، وفي الضربات أوفر، وفي الميتات مرارًا كثيرة.. بأخطار سيول، بأخطار لصوص، بأخطار في المدينة، بأخطار في البرية، بأخطار في البحر.. عدا الاهتمام بجميع الكنائس” (2كو11: 23- 28).. بولس الذي ظهر له الرب أكثر من مرة، ودعاه وقواه.. بولس هذا في كل عظمته الروحية يقول:
“أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلَكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ. أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ..” (في3: 13، 14).
إلى هذا الحد، وصلت الجدية عند هذا القديس العظيم.
ومن واقع خبراته يقول: “ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا” (1كو9: 24).
إن السير البطيء أو العادي لا يتفق مع الجدية، ولا يوصل إلى الملكوت. فالإنسان الجاد ينبغي أن يركض ركضًا لكي يصل إلى الدرجات العليا المطلوبة منه. وهكذا يقول القديس بولس عن نفسه: “إِذًا أَنَا أَرْكُضُ هَكَذَا..” (1كو9: 26).
بهذه الجدية، والركض في الطريق، وصل القديسون بسرعة.
في الرهبنة
- القديس تادرس تلميذ الأنبا باخوميوس، والقديس يوحنا القصير، استطاع كل منهما أن يصير مرشدًا روحيًا وهو في سن الشباب.
- والقديس الأنبا ميصائيل التحق بالرهبنة وهو صغير السن. ولكنه سلك بجدية، جعلته يصير من السواح وهو في حوالي السابعة عشر من عمره.
- والقديس الأنبا شنوده رئيس المتوحدين بدأ جهاده الروحي وهو في التاسعة من عمره. وكان يصلي وأصابعه كأنها شموع مضيئة.
- والقديسان الأميران مكسيموس ودوماديوس بدءا الرهبنة في سن الشباب، وأحدهما لم تكن لحيته قد نبتت بعد. ولكنهما سلكا بجدية، حتى أن صلاتهما كانت تخرج من فم كل منهما كأنها شعاع مضيء…
- نفس الجدية نقول عن القديس مرقس المتوحد، الذي كان يسلك في حياة النسك منذ طفولته، وعن القديس الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي الذي استحق أن يهبه الرب صنع المعجزات في سن مبكرة.
- لا شك أن الجدية هي التي تميز راهب عن آخر، سواء في السلوك الرهباني، أو في الوصول إلى المواهب الروحية… أو في النمو الروحي بوجه عام.
نترك الرهبنة، ونتناول الجدية من بداية الطريق، من التوبة.
في التوبة
كثيرون قالوا إنهم تابوا، أو ظنوا ذلك. ثم رجعوا إلى الخطية مرة أخرى. إذن فهم لم يتوبوا توبة حقيقية جادة.
التوبة الجادة هى عدم الرجوع إلى الخطية إطلاقًا. بل هى أكثر من ذلك عدم الاشتياق إلى الخطية بأية الصور.
التوبة الجادة هى التي لمح إليها بولس الرسول في توبيخه للعبرانيين قائلاً: “لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ” (عب12: 4).
والتوبة الجادة لا تكتفي بالجانب السلبي أي ترك الخطية عملًا واشتياقًا. إنما تتدرج إلى عمل إيجابي مثل محبة الله واقتناء الفضائل. مثل القديسين الذين تابوا بجدية، فتحولوا من تائبين إلى أبرار قديسين. نذكر من بين هؤلاء القديسين أوغسطينوس، والقديس موسى الأسود، والقديسة مريم القبطية، والقديسة بيلاجية.. وقد صار كل هؤلاء قادة في الروحيات وقدوة للتائبين في كل جيل.
لا نكسة
والإنسان الجاد في روحياته، وفي توبته، وفي جهاده الروحي، لا يتعرض إلى نكسة أو ردة، ترجعه إلى الوراء.
وفي ذلك ما أعمق قول أحد الآباء الجادين المجاهدين:
“لا أتذكر أن الشياطين أطغوني في خطية واحدة مرتين”.
ربما في المرة الأولى كان في حالة جهل، أو في غفلة وعدم احتراس. ولكنه ما أن سقط، وشعر بما أوصلته إليه الخطية، حتى التفت إلى نفسه، وحرص بكل قوته ألا يقع مرة أخرى في نفس الخطية. حسبما قال الرب “اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ” (رؤ2: 5).
لذلك فالإنسان الجاد لا يتعرض إلى نكسات في حياته الروحية.
ولا يبدأ بالروح ويكمل بالجسد كما فعل أهل غلاطية، حسبما وبخهم القديس بولس الرسول (غلا3: 3). ولا يحدث له ما حدث لديماس تلميذ القديس بولس، الذي ترك معلمه العظيم، وأحب العالم الحاضر (2تي4: 10). وقيل إنه ترك المسيحية جملة!
لهذا نقول عن الجاد في إيمانه وفي روحياته، إنه:
لا تضغطه الظروف
إنه لا يضعف أمام الظروف الخارجية الضاغطة.
أمامنا مثال لذلك دانيال النبي. كان أسير حرب في أرض السبي، خاضعًا لسلطان. ومع ذلك قال عنه الكتاب: “أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ” (دا1: 8). أي أنه رفض بجدية أن يأكل من اللحوم التي ربما تكون مما ذبُح للأوثان، وفضل عليها القطاني (دا1: 12) هو وأصحابه الثلاثة
كذلك لما صدر أمر الملك أن كل من يصلي لإله آخر، يُلقى في جب الأسود. لم يخف دانيال من أمر الملك، وكان جادًا وصريحًا جدًا في عبادته لإلهه. فذهب إلى بيته، وترك كوى حجرته مفتوحة في عليته نحو أورشليم، وسجد للرب إلهه.. وكانت النتيجة أنه أُلقيَ في جب الأسود. ولكن الله كان جادًا أيضًا معه. فأرسل إليه ملاكه وسد أفواه الأسود (دا6: 22).
ومثل دانيال النبي كان الثلاثة فتية القديسون.
هؤلاء الذين في إيمانهم الجاد، فضلوا أن يلقوا في أتون النار المحمي سبعة أضعاف عن أن يسجدوا لتمثال الملك (دا3: 19، 20).
ومن أجل جديتهم في إيمانهم، أنقذهم الرب من أتون النار.
الإنسان الجاد في إيمانه وروحياته، لا يخاف، ولا تضغط عليه الظروف الخارجية. بل هو مثل سفينة تشق طريقها في البحر، متجهة إلى هدفها، مهما هبت عليها العواصف والأمواج.
الإنسان الجاد يضع أمامه: مخافة الله، ومصيره في الأبدية.
والذي يضع أمامه هذين الأمرين، لا بد أن يسلك بجدية.
أما الذي ينسى الأبدية ومخافة الله، فإنه يسلك حسب هواه، ولا يهتم فيضيع نفسه..
نقطة أخرى نذكرها في صفات الإنسان الجاد:
في تنفيذ الوصايا
الإنسان الجاد تظهر جديته في تنفيذ الوصايا، بكل سرعة وبكل دقة.
كما فعل ذلك القديس أنطونيوس الكبير: لما سمع آية من الكتاب تقول “اذْهَبْ وَبِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي” (مت19: 21). فللوقت ذهب وأعطى كل ماله للفقراء، وتبع المسيح دون تردد.
ولما قالت له تلك المرأة “لو كنت راهبًا لسكنت البرية الجوانية. لأن هذا المكان لا يصلح لسكنى الرهبان”، واعتبر كلمتها إنها صوت الله إليه. وفعلًا ترك ذلك المكان وسكن في البرية الجوانية.
مثل آخر هو ابراهيم أبو الآباء والأنبياء: لما قال له الله: “اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ..” (تك12: 1، 2).. للوقت ترك بلده وأهله دون تردد. “خَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي” (عب11: 8). إنها الجدية في تنفيذ وصية الله بكل دقة وكل سرعة.
كذلك لما قال له الله: “خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ إِسْحَاقَ وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ” (تك22: 2).
فمع أن الأمر كان صعبًا، وبخاصة أن هذا الابن كان الذي انتظر ميلاده زمنًا طويلًا، وقبل المواعيد من جهته، الذي قيل له “بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ” (عب11: 18)، إلا أنه بكر صباحًا جدًا (قبل أن تستيقظ سارة) وأسرج دابته، وأخذ معه الحطب والسكين واسحق، ومضى حسب أمر الله له.
من جهة أمر الله كان عليه أن ينفذ، لا أن يناقش.
وهكذا الإنسان الجاد- في تنفيذ وصايا الله- لا يتردد، ولا يعاود التفكير. ولا يسلك بزئبقية ولا ميوعة من جهة تنفيذ الوصية. ولا يجعل رغباته الخاصة تعوقه.
ولا يدخل في مرحلة تفضيل أو تأخير: أي لا يفضل هذا الأمر على ذاك، ولا يؤجل حتى يجد حلاً. بل يلجأ إلى التصميم القاطع السريع في تنفيذ الوصية.
صفات أخرى
الإنسان الجاد لا يلجأ إلى التبريرات والأعذار ليفلت بها من طاعة الوصية، أو يجعلها حجة لتقصيره.
ولعل من أبرز الأمثلة لذلك: يوسف الصديق الذي كان عبدًا في بيت فوطيفار، وضغطت عليه الخطية من جهة طلب سيدته. فلم يلتمس لنفسه الأعذار من جهة أنه عبد، وأنه أمام سيدة لها سلطان عليه ويمكن أن تسبب له ضررًا. بل قاوم الخطية مقاومة جادة وقال: “كَيْفَ أَصْنَعُ هَذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟!” (تك39: 9). ووضع أمامه أن هذه الخطية هى عداوة لله (يع4: 4).
إنها الجدية في تنفيذ الوصية، ولو أدى به التنفيذ إلى السجن وإلى العار. فكل ذلك لم يكن عذرًا أمامه ولا تبريرًا.
أيضًا الإنسان الجاد يكون حازمًا لا يعرج بين الفرقتين.
حسب تعبير إيليا النبي (1مل18: 21). فهو لا يحيا في وضع روحي: ينزل ويعلو، ويغطس ويطفو، ويتأرجح تارة يقوم وأخرى يسقط. وحينًا حار وحينًا بارد وحينًا فاتر!!
إنما له خط واضح لا ينحرف عنه. وكما يقول الكتاب: “لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ” (لو9: 62). ولا يفعل مثلما فعلت امرأة لوط، ونظرت إلى الوراء. وكانت تعرج بين الفرقتين: محبتها لسادوم، وقيادة الملاك لها.
ولا يفعل مثلما فعل شمشون: حينًا في غزة، وحينًا في أورشليم، ويتحير بين إرضاء دليلة، وإرضاء الله بحفظه لنذره.
الإنسان الجاد لا تكون حياته دائمة التغير أو عرضة دائمة للتغير.
أقصد التغير إلى أسوأ، أو إلى مستوى أقل.
ولا يندم على أنه اختار الحياة مع الله وفضل الطريق الضيق. ولا يعود فيشكو من ثقل الصليب ومن صعوبة الوصايا.
ولا يضعف أمام التجارب والضيقات وأمام حروب الشياطين.
والإنسان الجاد لا يدلل نفسه ولا يجاملها، ولا يسلك حسب هواه.
بل هو دائمًا يتميز بضبط النفس، وبالجهاد المستمر في الطريق الروحي، وبالتعب من أجل الرب، كما قال الرسول إن “كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ” (1كو3: 8).
مثال ذلك القديس بولا الطموهي، الذي كان يتعب كثيرًا في جهاداته، حتى قال له الرب: كفاك تعبًا يا حبيبي بولا.
الإنسان الجاد يجاهد في محاربة الأفكار والشهوات، وفي محاربة النيات الخاطئة، ويجاهد في ممارسة كل فضيلة، أو في حياة النمو، شاعرًا ببركة التعب من أجل الرب.
الجادون هم الذين قال لهم القديس بولس الرسول: “كُونُوا رَاسِخِينَ غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرَّبِّ” (1كو15: 58).
صفة أخرى للإنسان الجاد: أنه لا يؤجل العمل الروحي.
لا يؤجل:
الإنسان الجاد، إذا زارته النعمة تدعوه إلى التوبة، لا يؤجل.
- مثال ذلك الابن الضال: لما شعر بسوء حالته وقال في نفسه:
كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً! أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ.” حينئذ لم يؤجل بل إنه للوقت “قَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ..” (لو15: 17- 20).
إن التأجيل يدل على عدم الجدية، وربما عدم الرغبة أيضًا.
- مثال آخر هو فيلكس الوالي:
أتته الفرصة وزارته النعمة، حينما كان القديس بولس الرسول يتكلم عن البر والتعفف والدينونة العتيدة أن تكون فأرتعد فيلكس، ولأنه لم يكن جادًا في التوبة، لذلك قال للقديس بولس “أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ” (أع24: 25). وضاعت الفرصة نتيجة للتأجيل الذي سببه عدم الرغبة في التوبة.
- مثال ثالث هو أغريباس الملك:
أتته الفرصة أيضًا وزيارة النعمة حينما كان القديس بولس الرسول يتحدث عن الرؤى والأنبياء. وقال الملك أغريباس لبولس “بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا” (أع26: 28). ولم يقل الكتاب المقدس ولا كتب التاريخ أن الملك أغريباس صار مسيحيًا.
نتيجة لعدم الجدية في قبول الإيمان، أجل الموضوع. وبالتأجيل زال التأثر وضاعت الفرصة، ولم يستجب لعمل النعمة فيه.
ننتقل إلى نقطة أخرى وهي الجدية في الخدمة:
في الخدمة
فرق كبير بين الخادم الجاد في خدمته، وغير الجاد.
مثل للخادم الجاد هو القديس يوحنا المعمدان:
في مدة قصيرة هي حوالي العام، استطاع هذا القديس أن يقود الناس إلى التوبة والمعمودية “مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ” (مت3: 6، 5). فأتوا إليه من “أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنّ”.
كان مجرد “صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً” (مر1: 3). ولكنه كان صوتًا قويًا جادًا مؤثرًا، له “رُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ”، استطاع أن “يَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا” (لو1: 17). فاستحق أن يدعى ملاكًا.
وفي جديته للخدمة وعمله فيها ونجاحه وتواضعه، قال عنه السيد الرب “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ” وقال إنه “أَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ” (مت11: 11، 9).
في العبادة
الإنسان الجاد يهتم بالعمق، لا بالشكليات والمظهرية الدينية.
إذا صلى، يصلي بعمق، وحرارة، وإيمان، وفهم، وخشوع. صلاته ترتفع إلى فوق، وتنفتح لها أبواب السماء. كما صلى بعض المؤمنين في أيام الآباء الرسل “تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع4: 31).
الإنسان الجاد أيضًا يكون جادًا في تعهداته، ونذوره، وبكوره، وعشوره. كما يقول المرتل في المزمور: “تَعهّدات فَمي باركْها يا رَبّ” (مز119: 108).
فهو لا ينذر نذرًا ثم يبدأ في مناقشته بعد ذلك: هل يمكن أن يغيره أو يستبدله بآخر؟ أو يؤجله، أو يقسطه؟ أو يتحلل منه بطريقة ما، أو ينساه؟! ناسيًا قول الكتاب في سفر الجامعة “أَنْ لاَ تَنْذُرُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَنْذُرَ وَلاَ تَفِيَ” (جا5: 5).
أما الإنسان الجاد، فيدرك تمامًا أن النذر هو اتفاق بينه وبين الله، يجب أن يحترمه ويلتزم به.
والإنسان الجاد في روحياته، يتذكر تعهداته أمام الله في كل مرة يتناول فيها، أو يعترف ويتوب. ويحرص ألا يرجع في تعهده. بل إنه يتذكر جحد الشيطان الذي جحدته أمه نيابة عنه في يوم معموديته.
وهكذا باستمرار يجحد الشيطان وكل أعماله النجسة وكل جنوده الرديئة والمضلة وكل بقية سلطانه.
الإنسان الجاد لا يتساهل في أي حق من حقوق الله.
ويحرص أن يأخذ حق الله من نفسه، قبل أن يطالب بحقوق الله من الآخرين. يحاول أن يكون أمثولة وقدوة صالحة قبل أن يطالب الآخرين بالمثالية.
وهو في حقوق الله عليه، يضع أمامه قول الرب لكل راع من رعاة الكنائس السبع: “أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ” (رؤ2: 2).
لذلك يهمه باستمرار أن تكون أعماله كلها مقبولة من الله، ومرضية جميعها لله الذي يراها.
الإنسان الجاد يحترم مبادئه وكلمته ووعوده ومنهج حياته.
محاربات الشيطان
لما كانت الجدية دليل الرجولة وقوة الشخصية، ولما كانت الطريق السليم إلى الحياة البارة والنمو فيها، لذلك يحاربها الشيطان بأنواع وحيل شتى.
فالشيطان في محاربة الجدية، يدعو الإنسان إلى المرونة، وعدم التشدد في تنفيذ الوصية خوفًا من الحرية والفريسية!!
ويعتبر جديته نوعًا من التطرف، داعيًا إلى تلك العبارة المشهورة إن “الطريق الوسطى خلصت كثيرين”. بينما لم تكن “الطريق الوسطى” في يوم من الأيام عائقًا لطريق القداسة والكمال… وليست المرونة اسمًا آخر للتساهل أو التهاون!
أو أن الشيطان يدعو إلى التحلل من التدقيق ومن الإلتزام، ومن وصايا الناموس. وتكفي النعمة!!
وينسى قول الرب: “اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي” “إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي” (يو14: 21) (يو15: 10).
وقد يحاربه الفكر قائلًا: لماذا تتقيد بالوصايا؟!
أدخل إلى “حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ” (رو8: 21)!!
أما الحرية الحقيقية، فهي التي قال عنها الرب نفسه: “إِنْ حَرَّرَكُمْ الاِبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَاراً” (يو8: 36).
ليست الحرية هى التحرر من الوصية، بل التحرر من الخطية.
“وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ” (2كو3: 17)، ويقول الرسول: “لاَ تُصَيِّرُوا الْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ” (غلا5: 13).
يا أخوتي: إن حاربكم العدو بأفكار كهذه ضد الجدية، قولوا مع الرسول: “أَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ” (2كو2: 11).
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: الجدية في الحياة الروحية، بمجلة الكرازة 7 يونية 2002



