اقتصاديات الأسرة

اقتصاديات الأسرة[1]
إنني مسرور أن أحضر في وسطكم. وكنت أود أن أجلس واستمع واستفيد، لأنكم خبراء في هذا المجال.
*إذا تحدثنا عن اقتصاديات الأسرة، لا بد أن نفرق بين الأسرة الغنية والأسرة الفقيرة. فاقتصاديات هذه غير اقتصاديات تلك.
*وينبغي أن نفرق بين الاقتصاد والبخل. وبين الحياة الكريمة والترف والإسراف. وأيضًا نفرق بين الاقتصاد وكنز المال، الذي ينبغي أن نساعد به المحتاجين.
النقطة الأولى التي أحدثكم عنها في اقتصاديات الأسرة هي تعاون الكل.
تعاون الكل
وأعني بذلك عدم إلقاء العبء كله على رب الأسرة.
فالمفروض أن يتعاون الكل في اقتصاديات الأسرة. ولا مانع من وجود المرأة العاملة ومساعدتها لزوجها.
وسفر الأمثال يعطينا مثالًا عن المرأة العاملة فيقول:
“اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ مَنْ يَجِدُهَا؟ لأَنَّ ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآَلِئَ… تَطْلُبُ صُوفًا وَكَتَّانًا وَتَشْتَغِلُ بِيَدَيْنِ رَاضِيَتَيْنِ. هِيَ كَسُفُنِ التَّاجِرِ. تَجْلِبُ طَعَامَهَا مِنْ بَعِيدٍ… تَمُدُّ يَدَيْهَا إِلَى الْمِغْزَلِ… تَبْسُطُ كَفَّيْهَا لِلْفَقِيرِ… وَلاَ تَأْكُلُ خُبْزَ الْكَسَلِ” (أم31: 10- 27). وقد تحدث عن أعمال كثيرة تعملها..
وعندنا في كثير من الكنائس توجد مشاغل، ويمكن أن تعرض ما تقدمه الأسر المنتجة.
هذا لو كانت مواهب المرأة في الخياطة والتطرير. فقد تكون لها مواهب أخرى..
على الأقل يمكن أن تصنع المرأة ملابسها وملابس أولادها.
ولا تكلف زوجها مبالغ طائلة في شراء هذه الملابس من الأسواق. وإن لم تكن تعرف، يمكنها أن تتعلم.. ونفس الوضع نقوله بالنسبة إلى ستائر البيت ومفارشه وبياضاته..
لماذا لا تتدرب أيضًا على توضيب شعرها وشعر بناتها، بدلًا من أن تصرف مبالغ عند الكوافير، وتضيع هناك وقتًا يمكن أن تستفيد به..؟ كما أنه يمكنها أن تصنع المربات والأغذية التي تشتريها من الأسواق. وبالتدريج تستغني عن شراء كل ما يمكنها صنعه بنفسها، وتعلم ذلك لأولادها.
التدبير المنزلي
إن تعليم بناتنا وتدريبهن على التدبير المنزلي، يضيف على البيت لونًا من البهجة، ويساعد على اقتصاديات الأسرة. ويوفر ما ننفقه على الطباخين، وما ننفقه في حفلاتنا بشراء أطعمة أو ألوان من الحلوى يمكن صنعها في منازلنا.
لماذا لا نعود أولادنا أن ينظموا حجراتهم، ويرتبوا فراشهم ومكاتبهم، وينظفوا المائدة بعد تناولهم الطعام. فهكذا يفعل الجنود في الجيش أيًا كانت ثقافتهم أو مراكزهم الاجتماعية في أسراتهم.. وهكذا يفعل الضباط والبحارة في السفن، إذ يخدمون أنفسهم.
إن هذا يعود أولادنا النظام والاعتماد على النفس، ويوفر على الأسرة ما تصرفه على الشغالات.
ولماذا لا نعود أولادنا كي ملابسهم في البيت، ونوفر أجر ذلك.. إلا للضرورة..
ويمكن أن يقوم أفراد الأسرة بصنع أو تدبير كل ما يلزم البيت من أدوات الزينة، بل وصنع كثير من الهدايا بدلًا من شرائها. ومثل هذه الهدايا تترك أثرًا فيمن يأخذونها أكثر من المشتراه.
لقد كتب الأستاذ توفيق الحكيم كلامًا لطيفًا يشبه هذا في كتابه (الأيدي الناعمة) وكذلك في كتاب (شمس النهار).
نقطة أخرى أنا مقتنع بها وهي:
التدريب المهني
كما تعمل المرأة، يمكن للأولاد أيضًا أن يعملوا، في إمكانات يتدربون عليها..
يمكنهم أن يتدربوا على تصليح وصيانة كل الأجهزة الكهربائية والإلكترونية الموجودة في المنزل. فلا يتكلف الأب شيئًا إذا تلف شيء. منها.. مثال ذلك كل التوصيلات الكهربائية، وإصلاح التليفون، والبوتاجاز، والغسالة، والراديو، والتليفزيون (إذا وجد في البيت). وإصلاح حنفيات الماء وكل أعمال السباكة. وكذلك التدرب على إصلاح السيارة، حتى إذا تلفت في الطريق يمكنهم إصلاحها.. ويعوزني الوقت إن تحدثت عن الأشياء التي يمكن أن يتعلمها الأبناء لمساعدة والديهم..
إنني أحب أن ينمي أولادنا مواهبهم، وأن يزيدوا مقدراتهم. ولا يظنوا أن الرزق سيهبط عليهم من فوق، بدون جهد منهم. فالله لا يشجع الكسل إطلاقًا.
بهذه التداريب، يكتسبون خبرة ومهارة، ويقضون وقتهم في تسلية مفيدة، تبعدهم عن اللهو الضار. ويساعدون في اقتصاد الأسرة. وينتفعون بكل هذا في حياتهم الخاصة حينما يكبرون. ويشعرون بشخصيتهم وفائدتهم..
بل هذا التدريب المهني يفيدهم روحيًا. فعقلهم إذ ينشغل في العمل، لا يسرح في أفكار خاطئة. ويفيدهم مهنيًا في المستقبل..
إننا نستطيع أن ندرب أولادنا أيضًا على صنع الجوائز التي توزع على مدارس الأحد في الكنيسة.
تشتريها منهم الكنيسة بثمن رمزي، أو ثمن معقول. أو تقبلها تبرعًا من أفراد الأسرات الفنية التي يصنعونها لمجرد التسلية.. وهكذا يأخذون خيرًا ويوفرون مالًا.
نقطة ثالثة في اقتصاديات الأسرة، وهي ترشيد الانفاق.
ترشيد الانفاق
المفروض أننا لا نضيق على أولادنا، وأيضًا نعلمهم عدم الإسراف، وعدم الصرف على ما لا ينفع. وبالتالي عدم صرف المال فيما يضر (كالتدخين مثلًا)..
إنني دائمًا أقول لكل مدخن أصادفه: أنت بالتدخين تضيع صحتك، وتضيع إرادتك، وتضيع مالك الذي يمكنك أن تنفقه على بيتك أو على الفقراء، أو فيما يفيد..
وإن كانت الأسرة تحتاج إلى الضروريات، فلا داعي إذن للكماليات.
ولا داعي إلى رفع مستوى الترف باستمرار، وانفاق كل إيراد الزوج الذي يصله في سني شبابه وقوته، على أمور يبدو فيها عنصر المبالغة في الانفاق..
ومن ضمن ترشيد الانفاق، تقليل الخسائر والتلفيات.
فالابن الذي في غير حرص يكسر أواني البيت، أو يتلف ما يكون عنده من أدوات وآلات. أو يسرف في استخدام الكهرباء بغير حاجة إليها، أو يتسبب في خسائر مالية للأسرة، سواء في الأثاث أو الملابس أو الأجهزة.. أو الذي يضيع ما اشتراه له والده بلا مبالاة.. هذا الابن إنما يثقل على والده ويحمله أعباء اقتصادية، كان يمكنه أن يريحه منها.. وما ينطبق على الابن، ينطبق على كل فرد آخر في الأسرة.
نقطة أخرى في اقتصاديات الأسرة وهي النجاح.
النجاح
النجاح لازم اجتماعيًا وروحيًا، واقتصاديًا أيضًا. فمن الناحية الاجتماعية يعطي صاحبه مركزًا مرموقًا في المجتمع. ومن الناحية الروحية قيل عن الإنسان البار في المزمور الأول: “وَكُلُّ مَا يَصْنَعُ يَنْجَحُ فِيهْ”. وقال القديس يوحنا: “أَرُومُ أَنْ تَكُونَ نَاجِحًا وَصَحِيحًا، كَمَا أَنَّ نَفْسَكَ نَاجِحَةٌ” (3يو 2).
ونجاح الابن يساعد أباه اقتصاديًا، فلا يتحمل أعباء رسوبه أو ضعفه، أو المشاكل التي تنتج عن فشله في الحياة.
فالابن الذي يرسب في امتحاناته، ويكلف أباه إعادة مصروفات السنة. أو الذي يضعف في مواد معينة تحوجه إلى دروس خصوصية.. إنما يضع على أبيه أعباء في المصروفات، كان يمكنه أن يريحه منها.
بعكس الابن الناجح، فهو سبب فرح لأبيه، ومعين له في اقتصادياته.. بل هناك أبناء متفوقون تمنحهم الدولة مكافآت..
والأبناء الناجحون يمكن أن يضيفوا إلى أنفسهم مقدرات يحصلون بها على إيراد. سواء بعمل إضافي بعد تخرجهم، أو حتى بعمل أثناء عطلاتهم في دراستهم.
كابنة تتعلم آلة كاتبة، أو اختزال، أو Telex، أو كومبيوتر.. ويمكن أن يكون هذا مصدر إيراد، كما أنه مجال للتسلية ولقضاء الوقت فيما يفيد. وفي رفع عبء المصروفات الخاصة عن الأسرة أو زيادة إيرادها.
أنا أيضًا جربت العمل أثناء حياتي الدراسية، ولم أحب أن أثقل على أسرتي في مصروفاتي. بل كنت أساعدها في إيرادها أيضًا. وفي هذا لا أكلمكم من فراغ، وإنما من خبرة عملية. وفي خلال دراستي بالجامعة كنت حاصلًا على مجانية تفوق، لأن الجامعة في أيامنا كانت بمصروفات (فى بداية الأربعينيات).
الابن الناجح في حياته يمكنه أن يتابع دراساته العليا ويحصل على درجات علمية وعملية..
يمكنه أيضًا أن يدرس لغات أجنبية ويتقنها. وهذه تفتح أمامه مجالات أوسع
تنظيم النسل
الأسرات الغنية قد لا تتأثر بكثرة النسل. إلا في مدى القدرة على تربية الأولاد.. أما الأسرات الفقيرة أو المحدودة الدخل، فإن تنظيم النسل يبدو ضرورة اقتصادية لها.
اقتصاديات الأسرة أيضًا ينبغي أن تشمل نقطتين هامتين:
1-تنظيم الانفاق على كل أوجه الصرف، باعتدال، بحيث لا تهمل ناحية، بينما يبالغ في ناحية أخرى.
2-يدخل في تنظيم الأسرة حق الله في ما يصل إليها من إيراد.
بحيث لا تهمل العشور والبكور، وحق الفقراء الذين هم أعضاء في الأسرة البشرية الكبيرة.
[1]محاضرة ألقاها قداسة البابا شنوده الثالث في حلقة دراسية عن اقتصاديات الأسرة أقامتها أسقفية الخدمات. نُشرت بمجلة الكرازة 12/ 10/ 1990





