تأملات في عيد الغطاس
تتناول هذه المحاضرة تأملات روحية عميقة في عيد الغطاس (العماد)، وتشرح سرّ المعمودية كولادة جديدة من الماء والروح، ومعناها كاتحاد بالمسيح في موته وقيامته. كما توضح بركات المعمودية، ودورها في التبرير والتقديس والبنوة لله، ثم تنتقل إلى الحديث عن شخصية القديس يوحنا المعمدان، باعتباره مثالًا فريدًا في التوبة، الخدمة، التواضع، والقداسة.
أولًا: معنى الغطاس والمعمودية
-
كلمة الغطاس تعني التغطيس الكامل في الماء، رمزًا للدفن مع المسيح والقيامة معه.
-
فالمعمودية ليست رشًّا بالماء، بل غوصًا حقيقيًا يرمز للموت عن الإنسان العتيق وولادة إنسان جديد.
-
لذلك قال بولس الرسول: مدفونين معه بالمعمودية، فالخروج من الماء هو قيامة إلى حياة جديدة.
ثانيًا: فاعلية المعمودية وبركاتها
-
في المعمودية تُغفر الخطايا السابقة كلها، سواء الأصلية أو الفعلية.
-
ينال الإنسان تجديد الروح القدس وغسل الميلاد الثاني، كما قال بولس لتيطس.
-
يلبس المعتمد المسيح نفسه، أي البرّ والقداسة والحياة الجديدة، ولهذا تُلبس الثياب البيضاء رمزًا للنقاوة.
-
يُرشم بالميرون المقدّس لينال ختم الروح القدس، ويصير هيكلًا مقدسًا لله.
ثالثًا: الجحد والبنوة لله
-
أثناء المعمودية، يُجحد الشيطان إعلانًا لرفض الظلمة والانتماء للمسيح.
-
الأم تُعلن هذا الجحد نيابة عن الطفل، وهو عهد يجب أن يتذكره الإنسان طوال حياته.
-
في المعمودية نصير أبناء لله وأبناء للكنيسة، فلا يمكن أن نكون أولادًا لله دون أن نولد من رحم الكنيسة.
-
لذلك يلزمنا أن نعيش بصورة آبائنا الروحية، في القداسة والبر، كمن وُلد من الله.
رابعًا: قداسة يوحنا المعمدان
-
يوحنا هو أعظم من وُلد من النساء، كما قال المسيح نفسه.
-
امتلأ من الروح القدس وهو في بطن أمه، وعاش ناسكًا في البرية ثلاثين عامًا.
-
بشّر بالتوبة وأعدّ الطريق أمام المسيح في خدمة قصيرة لكنها نارية وفعّالة.
-
كان مثالًا للشجاعة والحق، وبّخ الملوك والخطاة دون خوف، ومات شهيدًا من أجل النقاوة والشريعة.
خامسًا: تواضع الخادم الحقيقي
-
رغم عظمته، قال يوحنا: ينبغي أن ذاك يزيد وأني أنا أنقص، معلنًا روح الخدمة لا الذات.
-
لم يسعَ للمجد البشري، بل أن يُرى المسيح من خلاله.
-
مثاله يذكّر كل خادم أن الهدف من الخدمة هو مجد الله وحده.
سادسًا: الدعوة الروحية في العيد
-
الغطاس ليس مجرد ذكرى، بل تذكير دائم بولادتنا الجديدة من الله.
-
علينا أن نحافظ على نقاوة المعمودية، وعلى ثوبنا الأبيض الذي يرمز للحياة الطاهرة.
-
وأن نحيا كما عاش يوحنا: بالروح القدس، في تواضع وغيرة مقدسة لخلاص النفوس.
الخلاصة الروحية
عيد الغطاس هو عيد التوبة والتجديد والولادة الثانية. هو دعوة لأن نحيا أولادًا لله في النور، حاملين صورة المسيح في داخلنا، متذكرين أن المعمودية ليست حدثًا ماضيًا، بل عهد حياة مقدسة مستمرة. مثال يوحنا المعمدان يدعونا أن نُظهر المسيح في حياتنا بالتوبة، الاتضاع، والقداسة.



