مشاركة الإنسان للطبيعة الإلهية

في هذه المحاضرة يوضح قداسة البابا شنوده الثالث المفهوم الصحيح لعبارة «شركاء الطبيعة الإلهية» الواردة في رسالة بطرس الرسول الثانية (1:4)، ويردّ على بعض المفاهيم الخاطئة والبدع الحديثة التي تفسّرها تفسيرًا لاهوتيًا مغلوطًا. ويؤكد أن المشاركة في الطبيعة الإلهية لا تعني أبدًا اشتراك الإنسان في لاهوت الله أو جوهره، بل تعني شركة في العمل والقداسة، أي الاشتراك في حياة البرّ والطهارة على قدر ما تسمح به الطبيعة البشرية.
أولًا: الفهم اللاهوتي الثابت
يشدد قداسة البابا أن الإنسان لا يمكن أن يشترك في جوهر اللاهوت أو صفاته الإلهية المطلقة، مثل عدم المحدودية، أو الوجود في كل مكان، أو القدرة على كل شيء، أو معرفة الغيب، لأن هذا خاص بالله وحده.
أي قول بأن الإنسان يشارك الله في طبيعته أو جوهره هو شرك بالله ويؤدي إلى تعدد الآلهة.
ثانيًا: معنى المشاركة في الطبيعة الإلهية
المقصود هو مشاركة الإنسان في عمل الله وفي صفاته الأدبية مثل القداسة والنقاوة، لا في لاهوته. فكما نصلي في الأوشية قائلين: «اشترك في العمل مع عبيدك في كل عمل صالح»، كذلك نحن شركاء لله في العمل الصالح وفي الجهاد الروحي.
كما قال بولس الرسول: «نحن عاملان مع الله»، أي شركاء في العمل لا في الجوهر.
ثالثًا: المشاركة من خلال القداسة
نكون شركاء في الطبيعة الإلهية بمعنى أننا نشارك الله في القداسة والنقاوة، لأننا خُلقنا على صورته ومثاله. فمعلمنا بطرس يربط بين الشركة في الطبيعة الإلهية وبين الهروب من الفساد الذي في العالم بالشهوة، أي السلوك في حياة الطهارة والانفصال عن الخطية.
وقال أيضًا: «كونوا قديسين كما أن أباكم الذي في السماوات هو قدوس»، وهذه القداسة هي الاشتراك النسبي الممكن للطبيعة البشرية.
رابعًا: التبني وعلاقته بالشركة
التبني هو عطية إلهية تجعلنا ندعى أولاد الله بالإيمان والمعمودية، لا أبناء بالجوهر أو الطبيعة.
فالمسيح هو الابن الوحيد لأنه وحده المولود من الآب قبل كل الدهور، المشارك في جوهر اللاهوت. أما نحن، فبنوتنا لله هي بنوة تشريفية بالتبني، وليست بنوة جوهرية.
كما جاء في يوحنا 1:12: «أما الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه».
خامسًا: ردّ على المفاهيم الخاطئة
يحذر البابا من سوء استخدام بعض التعبيرات الآبائية مثل «تأليه الإنسان» أو «الشركة في اللاهوت». هذه العبارات عند الآباء مثل القديس أثناسيوس تعني إرجاع الصورة الإلهية التي فُقدت بالخطيئة، أي تجديد الطبيعة البشرية بالنعمة، لا اتحادها باللاهوت في الجوهر.
فالمقصود بـ”التأليه” هو التقديس والاشتراك في النعمة الإلهية والحياة الأبدية، وليس أن يصبح الإنسان إلهًا.
سادسًا: الشركة كنعمة لا كاتحاد أقنومي
الروح القدس يسكن فينا بنعمته لا باتحاد أقنومي كما حدث في المسيح حين اتحد اللاهوت بالناسوت.
فحلول الروح القدس في المؤمنين هو حضور مقدس يمنح النعمة والقوة، ويمكن أن يُحزن أو يُطفأ أو يُفارق الإنسان إن أخطأ، ما يثبت أنه ليس اتحادًا جوهريًا أو أقنوميًا.
سابعًا: الإنسان يشابه، لا يتساوى
غاية النعمة أن نصير مشابهين لصورة ابن الله، كما قال بولس الرسول في رومية 8:29، لا أن نصبح مثله في الجوهر أو اللاهوت.
وفي القيامة، سيغيّر المسيح شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده، أي على شبهه في المجد لا في الطبيعة الإلهية.
ثامنًا: التواضع أمام الله
حتى في المجد الأبدي، نظل عبيدًا لله. ففي يوم الدينونة سيقول الرب: «هلم أيها العبد الصالح والأمين… ادخل إلى فرح سيدك».
إذًا، مهما ارتفع الإنسان بنعمته وقداسته، يظل ابنًا بالتبني وعبدًا بالإخلاص، وليس شريكًا في جوهر اللاهوت.
خلاصة روحية
-
المشاركة في الطبيعة الإلهية تعني المشاركة في القداسة والعمل الصالح، لا في الجوهر الإلهي.
-
بنوتنا لله بنوة بالتبني وليست بالجوهر، والمسيح وحده هو الابن الوحيد المشارك في طبيعة الآب.
-
حلول الروح القدس فينا هو حلول بالنعمة، لا اتحاد أقنومي.
-
هدف الحياة الروحية هو أن نصير مشابهين لصورة الابن في القداسة والمحبة والتواضع.
-
المؤمن الحقيقي يتواضع أمام الله كعبد أمين، عاملٍ مع الله في القداسة والخلاص، لا كإله أو شريك في لاهوته.



