علاقتنا بالروح القدس وعلاقة الروح القدس بنا

في هذه المحاضرة العميقة، يشرح قداسة البابا شنوده الثالث كيف تبدأ علاقة الإنسان بالروح القدس منذ ميلاده الروحي في المعمودية، وكيف يستمر عمل الروح فيه طوال حياته، حتى يصير الإنسان شريكًا للروح القدس في العمل والحياة والخدمة.
أولًا: بداية العلاقة مع الروح القدس
تبدأ علاقتنا بالروح القدس في المعمودية، حيث نولد من الماء والروح كما قال السيد المسيح: “المولود من الروح هو روح”. ففي المعمودية، يغتسل الإنسان من الخطية الأصلية ويُجدد بالروح القدس، كما أوضح القديس بولس: “بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (تيطس 3:5).
ثانيًا: حلول الروح القدس وسكناه فينا
بعد المعمودية، يحل الروح القدس فينا في سرّ الميرون، عندما يُمسح الإنسان بالمسحة المقدسة فيصير هيكلاً للروح القدس، يسكن فيه منذ طفولته. هذا السكن هو حضور دائم يمنح الإنسان قوة ونورًا روحيًا ليعيش في القداسة.
ثالثًا: النمو والسلوك بالروح
يدعو قداسة البابا المؤمن أن ينمو ويتقوى بالروح، كما كُتب عن السيد المسيح: “وكان الصبي ينمو ويتقوى بالروح”. الحياة الروحية هي أن يخضع الجسد للروح، والروح للروح القدس، فتكون حياة الإنسان موجهة بالنعمة لا بالجسد.
رابعًا: شركة الروح القدس
في ختام كل صلاة نقول: “نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله الآب وشركة وموهبة الروح القدس تكون مع جميعكم”.
الشركة تعني أن نشارك الروح القدس في العمل لا في الجوهر أو الطبيعة، أي أن يكون هو العامل فينا ونحن المتجاوبون معه. من خلال هذه الشركة تظهر ثمار الروح القدس في حياتنا: محبة، فرح، سلام، طول أناة، وداعة، إيمان، عفة وصلاح (غلاطية 5:22).
خامسًا: درجات العمل في الروح
هناك من يمتلئون بالروح فيختبرون حرارة خاصة وقوة غير عادية من النعمة، كما قيل: “حينئذ امتلأ بطرس من الروح القدس”. والامتلاء هو درجة روحية عليا تتجاوز القبول العادي للروح في الأسرار.
سادسًا: أعمال الروح القدس في الكنيسة
الروح القدس يعمل في الإيمان والتوبة والكهنوت والخدمة.
هو الذي يهدي غير المؤمنين إلى الإيمان، ويُبكّت على خطية، ويعطي التوبة، ويعمل في الكهنة والخدام والوعّاظ. الخدمة بدون الروح القدس خدمة بلا حياة. الروح هو المتكلم على ألسنة الأنبياء، وهو الذي يرشد المجامع، كما قيل: “رأى الروح القدس ونحن”.
سابعًا: التحذير من مقاومة الروح
يحذر البابا من إحزان الروح أو إطفائه أو مقاومته. فالروح يعمل بحرية في الإنسان ولا يُرغم أحدًا على فعل الخير. من يرفض عمله يُحزن الروح أو يطفئه أو يفارقه مؤقتًا أو دائمًا، كما حدث مع شاول الملك. لذلك نصلي قائلين:
“روحك القدوس لا تنزعه مني يا رب”، لأن بدون الروح لا توجد قوة ولا توبة ولا حياة روحية.
ثامنًا: دور الروح في الأسرار والحياة اليومية
الروح القدس يعمل في كل سرّ كنسي:
-
في المعمودية والميرون يعطي الميلاد الجديد والسكنى.
-
في التوبة والاعتراف يمنح الغفران.
-
في الإفخارستيا يُحوّل القرابين إلى جسد الرب ودمه.
-
في الكهنوت يمنح السلطان والخدمة.
الكنيسة كلها هي كنيسة الروح القدس، الذي يسكن في المؤمنين إلى الأبد ويقودهم في حياتهم اليومية نحو القداسة والقوة والنار الروحية.
خلاصة روحية
الروح القدس هو المعزي، المعلم، المرشد، والمقدس.
من يسلك في شركة معه يحيا حياة القداسة والقوة والحرارة الروحية، ويثمر ثمار الروح في فكره وقلبه وخدمته.
أما من يحزن الروح أو يطفئه فيفقد حرارته وفاعليته الروحية.
فلنصلِ دائمًا مع داود النبي:
“روحك القدوس لا تنزعه مني”،
حتى يثبت الروح فينا ويجدد طبيعتنا ويقودنا إلى حياة القداسة الدائمة.


