القديس ايلاريون

من سير القديسين
القديس إيلاريون1
تلميذ الأنبا أنطونيوس ومؤسس الرهبنة في فلسطين
القديس الذي هرب من الناس ومن اكرامهم متنقلاً من قطر الي آخر
ولكن موهبة صنع المعجزات كانت عقبة دائمة في طريق محبته للوحدة
نشأته ورهبنته
القديس إيلاريون هو رجل اهتزت له السماء، كما اهتزت له الأرض من قبل. هو أحد مشاهير الآباء في القرن الرابع. تتلمذ علي يد القديس أنطونيوس الكبير، وأسس الرهبنة في فلسطين.
رجل عرف الله منذ صباه، وعرفه الله. ولد بالقرب من غزة سنة 292م، وانتقل منذ طفولته إلى الإسكندرية حيث تعلم فيها.
في سن الخامسة عشر ذهب إلى البراري والقفار. أجذبته رائحة المسيح الذكية التي تفوح من المغاير والقلالي هناك.
وتعرف بالقديس أنطونيوس، وتتلمذ على يديه. وود لو عاش في كنفه باقي العمر، ولكن اشكالاً كبيراً عاقه، ففارق معلمه أنطونيوس وإن لم فارق مبدأه وروحه.. ذلك أنه من فرط قداسة الأنبا أنطونيوس العظيم، كان الناس يقصدونه من كل مكان: إما يتتلمذون عليه، وإما يطلبون منه شفاء مرضاهم..
ولم يستطيع إيلاريون أن يعيش في ضجيج هذا الزحام. وقال في نفسه “إن القديس الأنبا أنطونيوس رجل شيخ كبير، يحصد الآن ثمار حياته القديمة، وقد تدرب في كل عمل صالح، ووصل إلى الكمال بعد اماتات وتقشفات عديدة. أما أنا فما أزال حدثاً صغير السن لا أحتمل كل هذا”..
توحده في فلسطين:
فذهب إلي القديس أنطونيوس، وأخذ بركته وحله، ورجع إلى بلده فلسطين. فوجد أن والديه قد توفيا وتركا له ثروة كبيرة. فوزع غالبيتها على الفقراء، والباقي على أقاربه المعوزين، ولم يأخذ لنفسه شيئاً.
ثم ذهب إلى قفر موحش لا يؤمه إلا قطاع الطرق ولصوص الجبال، وعاش هناك في زهد شديد، يلبس المسوح على العري، ويقتات بالقليل من الطعام. وتدرج في هذا الصوم تدريجاً شديداً وكان يقضي في كل تدريب حوالي ثلاث سنوات، ثم يرتفع إلى غيره. فانتقل من أكل الثمار، إلى البقول المنقوعة في الماء البارد، إلى الخبز والملح، إلى الحشائش البرية.. وضعفت صحته جداً.. حتى وصل إلى سن الثالثة والستين، فشعر أن صحته في انهيار، وأن موته قد اقترب. فأزداد جهاده بالأكثر. وعاش بعد ذلك 17 عاماً.
ثم رقد في الرب وهو في الثمانين من عمره. ولم يمنعه عن النسك ضعف ولا مرض وكان لا يأكل إلا بعد الغروب.
حروبه
حورب أولاً: باللصوص. قيل له “ألا تخاف اللصوص؟” فأجابهم “إن الذي لا يملك شيئاً لا يخاف اللصوص، فسألوه “ألا تخاف أن يقتلوك؟”. فأجاب إني أستعد للموت كل يوم”.. فتخشع اللصوص، ووعدوه أن يغيروا حياتهم.
ثم حاربه شيطان الزني بمناظر لم يكن يعرفها، وليست له بها سابق خبرة. فاضطرب لتلك المناظر، وعذب جسده بالأكثر، ومنعه عن الثمار وعن خبز الشعير. وقال لجسده ” إني أتعبك بالجوع لكي تضعف فلا ترفس واضنيك بالتعب وبالحر والبرد وبالعمل الثقيل، لكي تفكر في التعب، ولا تفكر في الشهوة. وأخيراً هزم الشيطان، فلجأ ذاك إلي حرب أخري.
فحاربه بالمناظر المخيفة من الوحوش المفترسة والجنود المسلحة ولما انتصر في تلك الحروب جميعها، أعطاه الله قوة صنع العجائب والمعجزات، شفاء المرضي، واخراج الشياطين.
معجزاته
أجري الله علي يديه معجزات كثيرة على الرغم من هروبه من الناس. ومن أمثلة ذلك امرأة البيديوس حاكم غزة التي أصيب أولادها الثلاثة بحمى شديدة، فلجأت إليه فهرب منها. فألحت عليه وقالت له “صلوات الأنبا أنطونيوس كانت تحفظ أولادي في مصر، فيجب أن تحفظهم أنت في فلسطين”. وأمام دموعها أشفق عليها، وشفوا، فازدحم الناس عليه. وشفي مرضي كثيرين وأخرج شياطين. وكانت لذلك نتيجتان: الأولي تتلمذ كثيرون على يديه، والثانية: ايمان كثيرين من عبدة الأصنام.
وكثيرون كانوا يذهبون من فلسطين إلى الأنبا أنطونيوس يطلبون بركته ومعجزاته، فيقول لهم عندكم ابني إيلاريون، يستطيع أن يعطيكم ما تطلبونه منه. فلماذا تجشمون أنفسكم مشقة السفر.
هروبه المتكرر:
وتأسست أديرة كثيرة كان يفتقدها القديس إيلاريون. وكان يرفض العطايا والهدايا قائلاً للناس “إنني قد تركت مالي الخاص، فكيف آخذ مال غيري؟!”. ولما كثر الناس حوله، عزم على الهروب. وقال لتلميذه “أنني رجعت للاشتباك بأمور العالم”.
ولما عرف الناس بعزمه على الهروب، حاولوا إقناعه، حرصاً علي سلامة بلادهم التي تعيش ببركته. ولكنه أصر على موقفه. فأزدحم الناس حوله، حوالي 10 آلاف. فلم يستطع أن يهرب منهم. فامتنع عن الطعام والشراب. فخافوا عليه وأطلقوه.
وارتحل إلى قرب جبل أنطونيوس الذي كان قد انتقل من العالم، وعاش ثلاث سنوات في هدوء. ولكن حدث ما أرغمه على العكس: امتنع نزول المطر على الأرض، وألح الناس عليه ببكاء شديد، وأشفق القديس عليهم، فصلي من أجلهم، واستجابت السماء ونزل المطر، ورجع الاكرام، ورجع الزحام، واضطر إيلاريون أن يهرب مرة أخري. فترك البلاد، وذهب إلى قفر آخر.
أراد أن يعيش مجهولاً من كل أحد، ومعروفاً من الله وحده. ولكن موهبه المعجزات كانت تتعبه، وتضطره إلى الهروب.
اتجه إلى ليبيا، إلى الغرب، قرب البحر. ثم ركب سفينة ليذهب إلى سيسيليا وكان عمره 70 عاماً.
وطاردته المعجزات مرة أخري..
ابن صاحب المركب كان عليه شيطان. فلما رأي إيلاريون الجالس في صمت وهدوء صرخ فيه “مالك ولي يا إيلاريون! أتريد أن تضطهدني حتى في البحر أيضاً؟! انتظر حتى أصل إلى البر”. فأجابه إيلاريون “إن كان الله قد أعطاك إذناً بالبقاء فيه، فأنا لا ألزمك بالخروج”. وطبعاً لم يلزمه بالخروج. خوفاً من المجد الباطل ورجوع الاكرام. ولكن أهل السفينة أشفقوا على الشاب، وألحوا علي القديس إيلاريون أن يشفيه، واعدين اياه بالكتمان. فأخرج الشيطان منه.
ولما وصل إلى الشاطئ ذهب إلى أحد الأحراش وعاش هناك. وكان يجمع الحطب ويعطيه لتلاميذه، يبيعه ويقتات من ثمنه. وما لبث أمره أن عرف، وما لبثت معجزات الشفاء أن رجعت. فهرب من ذلك المكان إلى دلماسيا. وهناك حورب بنفس الوضع أيضاً. ظهر تنين كان يفترس الناس والبهائم، فأشفق عليهم إيلاريون، وجهز حطباً، وأمر التنين باسم الرب يسوع المسيح أن يدخل فيه واحترق التنين.
ثم حدث زلزال في عهد يوليانوس الجاحد. وكادت مياه البحر أن تغمر البلاد. فاضطر الشعب أن يأخذوا القديس إيلاريون ويضعوه عند البحر، حتى تخف المياه ولا تغمر الأرض.
وفعلاً رجعت المياه إلى الوراء، حين رشمها القديس بعلامة الصليب. ولما وجد أن الناس قد تعلقوا به أخذ مركباً وهرب سراً إلى قبرص وفي الطريق أتي قراصنة البحر ليسرقوا المركب، وينهبوها ويأسروا ركابها. فصرخ هؤلاء إلي القديس إيلاريون لينقذهم.
فوقف في مقدمة السفينة وقد اقترب اللصوص على رمية حجر، وقال لهم “يكفيكم ما وصلتم اليه. لا تتقدموا ثانية. لا تتجاوزوا هذا الحد” ولم يستطيع اللصوص أن يتقدموا شيئاً، وجازت السفينة وعبرت.
ولما وصل إلى قبرص، صار إلى بافوس، وعاش فيها عشرين يوماً. وكان كل من عليهم شياطين يصرخون قائلين “قد حضر إيلاريون عبد المسيح إلى الجزيرة” فأتي إليه الناس، ومرة أخري هرب من ازدحام الناس. وفي هذه المرة أقنعه تلميذه بأنه وجد له مغارة على صخرة مرتفعة في الجبل لا يمكن الوصول إليها. فسكن في تلك المغارة خمس سنوات في هدوء. والزيارات التي وفدت عليه كانت قليلة.
نياحته
وفي الثمانين من عمره اعيته حمي. وعرف أن ساعته قد أتت. فكتب وصيته إلى تلاميذه إذ كان غائباً، وبها ترك له جميع أملاكه: الثوب والإنجيل والإسكيم. وسمع الناس بمرضه فحضروا اليه فأوصاهم أن يدفنوه في نفس المكان. ولما اقترب إليه الموت خاف من الحساب الأبدي. ولكنه عزي نفسه قائلاً “أخرجي أيتها النفس”. ولفظ روحه الطاهرة. وأتي تلمذه فسكن في مغارته. ونقل جسده سراً بعد عشرة شهور إلى ديره القديم. نفعنا الله ببركاته، آمين.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد التاسع) 28-2-1975م



