القداسة والكمال

القداسة والكمال1
القداسة هي الحالة التي خلق الله عليها الإنسان منذ البدء، فكانت القداسة من صفات آدم وحواء، وكانت أيضًا من صفات الملائكة… وكان الله القدوس يحيا في كَوِنه مجموعة من القديسين قبل أن تدخل الخطية إلى العالم.
والقداسة أيضًا ستكون الوضع السائد في الأبدية السعيدة بعد القيامة، حينما يتكلل المختارون الغالبون بإكليل البر، ولا تكون خطية في أورشليم السمائية، مسكن الله مع الناس.
والله يريد أن تكون القداسة صفة تميز أولاده على الأرض. فهذا الأمر يليق بأشخاص اعتبرهم الكتاب هياكل لله، وروح الله ساكن فيهم (1كو6).
وقديمًا، في العصر الرسولي، كان كل مؤمن يُسمى قديسًا. وهكذا قال بولس الرسول لأهل فيلبي: “سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الإِخْوَةُ الَّذِينَ مَعِي”(في21:4).. وقال في رسالته إلى العبرانيين: “مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ”(عب1:3).
التوبة إذًا هي نقط البدء في العلاقة مع الله، ينبغي التدرُّج منها إلى حياة القداسة.
الإنسان الخاطئ هو إنسان بعيد عن الله، منفصل عنه، في خصام أو عداوة مع الله. وبالتوبة يصطلح مع الله ويبدأ معه علاقة طيبة. مجرد بدء. فلا يظن أحد إذا ترك الخطية وتاب، أنه قد وصل، كلا.. إنه يكون بذلك قد وضع قدميه على أول درجة في السلم الواصل بين الأرض والسماء. وعليه أن يصعد درجة فدرجة.
التوبة هي ترك للسلبيات. أما القداسة فهي عمل إيجابي
حينما يتوب الإنسان، يتنقَّى بأعمال التوبة، وبالاعتراف والتناول من خطاياه القديمة، فتكون التوبة هي الستار الذي أسدله على الماضي، فلا يعود يعيش فيه. ولا يذكره الله له.
أما القداسة فهي عمل الحاضر والمستقبل، بل عمل الأبدية.
إنها عمل يبدأ ولا ينتهي بل يستمر. القداسة تصير سمة حياة. ومنهجًا للسلوك في علاقة الإنسان مع الله، ومع الناس. القداسة ليست صراعًا مع الخطية. فالصراع هو أول خطوة في التوبة، يحاول الإنسان أن ينتصر عليها.
وحينما تكمل التوبة، ينتهي الصراع.
والتوبة ليست تركاً للخطية فقط، فقد يترك الإنسان الخطية بالعمل، ولكنه يشتهيها بالفكر أو بالقلب. أو قد يتركها فترة من الزمن، ثم يعود إليها. ولكن التوبة الحقيقية تبدأ بترك الخطية، وبصفة دائمة. وهكذا تصبح نقطة تحول في حياة الإنسان من طريق إلى طريق آخر. من طريق العالم والمادة والجسد إلى طريق الله والروح.
ترك الخطية هو بداية التوبة. أما كمال التوبة فهو كراهية الخطية.
وبكراهية الخطية تُنزَع كل محبتها وكل شهوتها من القلب ومن الفكر. إن حورب بها الإنسان فيما بعد، تكون حربًا من الخارج، وليس من الداخل، لأنه لا محبة للخطية في الداخل. وبكراهية الخطية يوجد فاصل دائم بين الإنسان البار والخطية. وكما قال القديس يوحنا الحبيب عن هذا الإنسان البار إنه: “لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ”(1يو9:3)، “وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ”(1يو18:5).
هذه هي الصفة المميزة للقديس: أنه لا يستطيع أن يخطئ.
الإنسان التائب يترك الخطية التي كانت محبوبة لديه في الماضي، والتي كانت تمثل نقطة الضعف فيه. ولكنه ربما يكشف نقاط ضعف أخرى ما كان يشعر بها من قبل، أو كانت الخطية البارزة تغطي عليها، فيجاهد ليترك هذه الضعفات أيضًا، إلى أن يترك الكل، ويغسله الرب منها حتى يبيَّض أكثر من الثلج. وهكذا يدخل في حياة النقاوة، ويتدرَّج إلى هذا الوضع الذي لا يستطيع فيه أن يخطئ، والشرير لا يمسه.
على أن عبارة – لا يستطيع أن يخطئ – هي أيضًا عبارة سلبية. أما الإيجابيات فهي الفضائل.
والإنسان القديس ليس فقط إنسانًا لا يخطئ، وإنما هو أيضًا إيجابي في العلاقة مع الله والناس. إنه يدخل في محبة الله، ومحبة الله تجعله لا يخطئ. وهكذا يمنعه من الخطية دافعان: محبة الله، وكراهية الخطية..
محبته لله تحرق في قلبه كل محبة للخطية، وتجعله يكره الخطية، بل ويشمئز منها، وبالتالي يستحيل عليه أن يمارسها. وكراهية الخطية تدفعه أيضًا إلى التمسك بمحبة الله بالأكثر. العاملان متجاوبان، كل منهما يقوي الآخر ويكون سببًا له.
وفي محبة الله تمارس الفضيلة تلقائيًّا.. ومحبة الله تدعو إلى الصلاة والتسبيح والتأمل وقراءة الكتاب..
وكل هذه إيجابيات وهي في نفس الوقت تقوي قلب الإنسان وتطهره، وتزيده نفورًا من الخطية، وتحصن قلبه ضدها. وهي أيضًا تشعل محبة الله في القلب بالأكثر. وتكون سببًا ونتيجة.. محبة الله تدعو الإنسان إلى الصلاة. والصلاة تسبب محبة الله.
ونفس الوضع بالنسبة إلى التراتيل والتسبيح والألحان والهذيذ والتأمل، وكل ألوان القراءات الروحية، وكل وسائط النعمة المتعددة.
وفي حياة القداسة لا يُجبِر الإنسان نفسه على الروحيات؛ إنما يمارسها بحب وشوق ولذة.
الإنسان المبتدئ في الحياة مع الله الذي لم يتسع قلبه بعد في ممارسة العشرة الإلهية، قد يمارس هذه الروحيات في حدود معينة لا يتخطَّاها، وقد يدركه الملل إذا طالت صلاته إلى حد فوق قامته الروحية، وفوق مستوى حبه لله، وفوق ما منحه الله من نعمة..
ومن هنا تتصف حياة القداسة بدوام النمو..
الله يتعهَّد الإنسان، ويوسع قلبه. وكما عملت النعمة فيه، اشتاق إلى الله بالأكثر. وهكذا تأخذ روحياته حرارة أكثر. وفي محبته لله يود أن يلتصق به على الدوام. وكلما سار خطوة إلى الأمام، يشعر أن الطريق ما زال ممتدًّا أمامه، فيظل يتقدم ويتقدم إلى غير حدود.
إن بولس الرسول الذي وصل إلى درجات روحية عالية، وتعب في الخدمة أكثر من جميع الرسل، ومنحه الله مواهب عديدة واستعلانات، يقول عن هذا النمو: “أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ… أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ” (في3: 12، 13).
في القداسة إذًا يسعى الإنسان نحو الكمال..
لقد خلق الإنسان على صورة الله ومثاله. والله غير محدود. ولا يمكن للإنسان أن يصير غير محدود، لأن هذه صفة خاصة بالله وحده.. إنما في الإنسان اشتياق إلى غير المحدود. ومنه ينتج طموح الإنسان. وكما أن الإنسان الدنيوي طموحه في أمور دنيوية، مهما أخذ منها لا يكتفي، كذلك فإن الإنسان الروحي، طموحه في أمور روحية مهما أخذ منها لا يكفي. والله يدعونا إلى هذا الكمال فقد قال السيد المسيح: “فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ”(مت48:5).
الكمال المطلق هو لله وحده..
أما نحن البشر، فالمطلوب منا هو الكمال النسبي، أي ما يناسب قامتنا الروحية، ويناسب مقدار النعمة الممنوحة لنا من الله. وكلَّما وصلنا إلى درجة من درجات الكمال، تشتاق قلوبنا إلى درجة أعلى، وهكذا تقتادنا النعمة من سمو إلى سمو. ومن حب الله والناس إلى حب أعمق وأعمق.. إلى غير حد..
والله لا يكشف لنا كل هذه الكمالات مرة واحدة..
وذلك حتى لا نقع في اليأس، أو في صغر النفس، وحتى لا نستصعب الطريق الروحي فنبتعد عنه، ونرى أنه فوق طاقة بشريتنا.. الله إذًا يكشف لنا خطوة روحية نمتد إليها. فإن وصلنا يكشف لنا غيرها. وهكذا يقودنا في موكب نصرته خطوة خطوة.
وما أصدق قول الرسول الذي قال لتلاميذه في طفولتهم الروحية: “سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ”(1كو2:3).
إن كان الطريق هكذا، فأي مرحلة منه تُراك قد قطعتها؟
هل أنت في مرحلة التوبة؟ أم تدرَّجت من التوبة إلى النقاوة؟ أم بدأت حياة القداسة؟ أم أنت تنمو في القداسة يومًا بعد يوم، ساعيًا نحو الكمال؟ أم أنت تتخطى مراحل من الكمال النسبي، إلى مراحل أبعد، مقتربًا من الصورة الإلهية التي خُلِقت بها، والتي حينما فقدتها أعادها الرب لك؟
أم أنت يا أخي ما زلت في الخطية لم تتب بعد ولم تصطلح بعد مع الله؟!
إن كنت هكذا، فليتك تبدأ. ليتك تتصالح مع الله، وتطلب منه قوة تسير بها في الطريق. وإن كان المنهج الروحي هكذا طويلًا، فلا تضيِّع الوقت إذًا… استمع إلى قول الرسول: “مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ”(أف16:5). وثق أن الله عمل مع قديسين كثيرين، واجتذبهم إليه بسرعة…
إن مراحل القداسة والنمو ليست هي مراحل زمن إنما هي مراحل حالات..
والله قادر أن يفعل الكثير من أجلك، إن سلَّمتَه حياتك.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 1-2-1981م




