أبا نوفير السائح

سير الآباء السواح “أبا نوفير السائح”1
- رحلة القديس ببنوده
قال القديس بفنوتيوس السائح: إنني فكرت في نفسي أن أدخل إلى البرية الداخلية لأنظر الأخوة الرهبان السواح عبيد المسيح إلهنا له المجد. فمشيت فيها أربعة أيام بلياليها لم آكل خبزاً ولم أشرب ماء فلم أر فيها أحداً. وكنت قد أخذت معي يسيراً من الخبز والماء مقدار ما يكفيني أياماً. فمشيت أربعة أيام أخر فلم أر أحداً. وفرغ الخبز والماء الذي كان معي فتضيقت نفسي وأيقنت الموت. ثم شجعت نفسي وقويتها، ومشيت أياماً لم آكل ولم أشرب، فأشتد بي تعب المشي والجوع والعطش الشديد، وسقطت قوتي، وكادت روحي تخرج من جسدي.
وبقيت ملقى على الأرض مثل الهالك لا أستطيع الحركة. ثم أنني بعد ذلك رأيت شخصاً دنا مني ولمس شفتي، فعادت إليَّ قوتي وعاشت روحي، وزال عني التعب والجوع والعطش. فلما رأيت هذه الأعجوبة العظيمة التي أنعم الله على بها. نهضت للوقت وقصدت داخل البرية. فمشيت أربعة أيام أخر فتعبت أيضاً وضعفت قوتي فرفعت يدي وصليت إلى الرب فرأيت ذلك الشخص الذي كنت قد رأيته أولاً. فدنا مني، ولمس شفتي وجسمي كله وقواني أكثر من المرة الأولى. فقويت ونهضت قائماً. ومشيت سبعة عشر يوماً أخرى في تلك البرية. فرأيت من بعيد إنساناً مخوفاً بشع المنظر جداً وهو عريان ولا لباس عليه، وشعره قد كسا جسمه كالثوب، وهو متأزر بليف.
فلما دنا مني، خفت منه وطلعت إلى قمة جبل عال، لأنني ظننت أنه من سباع الجبل. فألقى هو نفسه تحت الجبل الذي أستظل أنا عليه من التعب والجوع والعطش والحر. ثم رفع وجهه وقال لي “انزل يا أخي القديس ببنوده ولا تخف، فأنا إنسان مثلك متوحد في هذه البرية لأجل الله تعالى”.
فتعجبت من معرفته لإسمي، وعلمت أنه ممتلئ من الروح القدس الذي أطلعه على اسمي. فنزلت إليه، وسقطت بوجهي بين يديه، وخررت له ساجداً على الأرض. فقال لي:” قم يا ولدي لأنك عبد الله مثلنا”. فقمت وجلست بين يديه، وسألته عن اسمه فقال لي:” اسمي نفر” ولي اليوم في هذه البرية ستون سنة، منفرداً في هذا الجبل لأجل الله ليلاً ونهاراً كالوحوش ومع الوحوش وطعامي حشيش الأرض وثمار الأشجار. ولم أنظر منذ صرت إلى ههنا وجه إنسان إلا وجهك اليوم.
2 -أبا نفر يقص قصته: ثم سألته أن يخبرني بجميع سيرته من بدايته فقال لي: أول أمري أنني كنت مع جماعة الرهبان في دير بريدة. وكنا كلنا قلباً واحداً. وكان عددنا مائة وأربعة راهباً. نأكل في موضع واحد مرة واحدة في كل يوم. وسلام الرب بيننا ومعنا، ونحن ممجدون لله ربنا. وكنت أنا شاباً أتعلم خدمة الله وعبادته من قوم قديسين مثل ملائكة الله قد استمروا في عبادتهم.
ثم إنني سمعتهم ذات يوم يمدحون السواح السكان في البراري، ويقولون:”أنهم يخاطبون الله فماً بفم مثل إيليا ويوحنا المعمدان.
قلت لهم: “يا آبائي القديسين هل في البرية من يكون أفضل منكم عند الله، على الرغم من هذا التعب والفعل الذي تفعلونه وهذا الحرص العظيم؟!”. فقالوا لي نعم يا ولدي هناك قوم منتخبون أبرار عند الله أكثر منا بكثير. لأننا نحن ههنا مجتمعون نؤنس بعضنا بعضاً، ونتحدث كل يوم بعظائم الله، ونصلي بفرح. وإذا جعنا نأكل ما أعد لنا بسرعة. وإذا عطشنا وجدنا الماء نشربه للوقت. وإذا ضعفنا، وجدنا من يخدمنا، ومن يزورنا ويعزى خاطرنا. وإذا ورد على قلوبنا فكر رديء، وجدنا من يسلينا بكلام الله.
فأما السواح الذين في البرية فأنهم عديمو هذا كله: إذا ضجروا، فأنهم ما يجدون من يسليهم ولا من يكلمهم بكلام الله. وإذا جاعوا لا يجدون ما يأكلون. وإذا مرضوا لا يجدون من يخدمهم، ولا من يعالجهم، ولا من يخاطبهم بالجملة. وأول ما يدخلون إلى السياحة يقعون في تعب شديد من الجوع والعطش وقتال الشياطين خزاهم الله. لأن الشيطان عارف بعظمة الكرامة التي ينالونها من الرب بصبرهم وعظم جهادهم وفعلهم وما يصيرون إليه عند خروجهم من هذا العالم. وبقدر صبرهم تأتيهم رحمة الله الذي يأمر ملائكته فتخدمهم وتفجر لهم الماء من الصخر.
كما هو مكتوب في إشعياء النبي إن الذين يتعبدون للرب الإله لا تضعف نفوسهم، هو ينبت لهم أجنحة مثل النسور ويمشون ولا يتعبون ولا يجوعون. وإذا عطشوا أخرج لهم الماء من الصخر. ويجعل الحشائش تنبت في الجبال حلوة في أفواههم مثل الشهد الحلو. وإذا نالتهم بلية أو جربوا من العدو المجرب وبسطوا أيديهم وصلوا للرب تأتيهم رحمته سريعاً، ويبدد عنهم جميع الحروب التي تقوم عليهم.
كما كتب في مزامير داود: “ملاك الرب يحوط بخائفيه وينجيهم ومن جميع أحزانهم يخلصهم”.
فلما سمعت أنا يا أخي ببنوده هذا الكلام من الآباء القديسين المحبين لله، كان كلامهم هذا في قلبي مثل العسل… حتى أنني ظننت أن نفسي وجسدي قد انتقلا إلى جبل آخر. فقمت ليلاً وأخذت معي يسيراً من الخبز مقدار ما يكفيني ثلاثة أيام أو أربعة بقدر ما يوصلني الرب إلى الموضع الذي يختاره لي. فلما خرجت من عند الأخوة ليلاً وصرت مقابل الجبل، رأيت إنساناً منيراً قائماً قدامي وهو مضيء جداً. فخفت منه وهممت بالرجوع إلى حيث كنت لأقيم في مكاني كما كنت أولاً. فدنا مني ذلك الإنسان المنير وقال لي:”لا تخف أنا ملاك الرب المصاحب لك منذ صباك، رحمة الله تأتيك، وأنا معك إلى أن تتمها”. فمشيت ومشى معي في البرية مقدار ستة أو سبعة أميال. فرأيت مغارة صغيرة فملت إليها لأنظر إن كان فيها أحد، فلما دنوت منها قرعت بابها وقلت كقانون الإخوة الرهبان: “بارك عليَّ بارك عليَّ. فخرج إلى قديس عظيم حسن الصورة بوجه باش. فلما رأيته خررت على الأرض على قدميه فأقامني وقال لي: “أنت أبا نفر خليلي في العمل. الرب الإله يباركك ويكون معك، لتتم الأمر الذي عولت عليه وأنت مندوب له. أدخل يا صديقي السلام لك”. فدخلت وجلست عنده أيام قلائل أتعلم طريق الله هذا وعرفني العمل في البرية وقتال الشياطين وأفعالهم المخيفة. ولما رآني قد أضاء عقلي يسيراً وعرف قيامي ومقاتلة الحروب الخفية والظاهرة، قال لي:”يا ولدي هذا لك أن تقاتل وتجاهد حسناً قم أمض بك إلى البرية الداخلة مني حتى لتقيم فيها وتسبح وحدك وتتعب للرب الذي دعاك إلى هذه البرية وهذه السياحة”.
فقام ومشى معي إلى داخل البرية أربعة أيام حتى وصلنا إلى حصن ونخلة مزروعة عنده. فقال لي الشيخ القديس: “هذا الموضع هو الذي وفق الله لك أن تخدمه فيه”. وأقام فيه معي شهراً حيث أرشدني إلى العمل الجيد الذي ينبغي أن أفعله. ثم سلمنا على بعضنا البعض وودعته ومضى عني. وكنت أجتمع به بعد ذلك دفعة واحدة في السنة إلى أن تنيح. فدفنته في المكان الذي كان يعبد الله فيه. وعدت إلى هذا الموضع أمجد الله.
3 -حديثه الأخير مع القديس ببنوده
قلت له يا أبي القديس:” هل تعبت حين وصولك إلى هذه البرية؟”. فقال لي:” صدقني يا أخي الحبيب، أنني بلغت إلى الموت دفعات كثيرة من الجوع والعطش وحر الصيف وبرد الشتاء، حتى يبس جسمي وأنا أتجلد وأتقوى ولا أنثني عما عولت عليه. ودفعات كثيرة ظهر لي الشيطان المبغض لكل الخيرات وقاتلني مواجهة، وفي الخفاء. وأنا أصبر، والله – جل اسمه – يبدد جميع البلايا عني.
إن هذه النخلة تثمر اثني عشر سباطة في كل سنة، كل سباطة تغذيني شهراً مع حشيش الجبل الذي أبدل الله مرارته وجعله لي حلوًا كالشهد. والآن يا أخي ببنوده لنمض إلى حيث نسكن”.
فقمنا ومشينا معاً مقدار ميلين أو ثلاثة، وكنت متعجباً منه ومن صبره، حتى وصلنا إلى الحصن والنخلة. فوقف وصلى وصليت معه كالعادة. ولما كملنا الصلاة بارك وجلسنا وتفاوضنا في كلام الله. فلما انقضى النهار عند الغروب رأيت خبزًا وكوز ماء موضوعين فقال لي: “قم يا أخي كل هذا الخبز واشرب هذا الماء الذي أمامك فأني أراك هالك جوعاً وعطشاً وتعباً من الطريق”.
فظللت أتلطف إليه أن يمد يده فأكلنا معاً من ذلك الخبز حتى شبعنا وفضل منا وشربنا من كوز الماء حتى روينا وبقي فيه أيضاً. ووقفنا ليلتنا كلها نصلي إلى الغد، فرأيته بالغداة وقد صار مثل النار. فخفت خوفاً عظيماً. فقال لي: “لا تخف يا أخي ببنوده. الرب أرسلك إلى لتهتم بجسدي وتدفنه بسلام. وقد علمت بالروح القدس إنه في هذا اليوم يكون إتمام حياتي في هذه الدنيا”. فقلت له يا سيد الآب:” لعل الله يجعلني أهلاً أن أقيم في موضعك هذا إذا تنيحت أنت؟”.
فقال لي:” يا ولدي” ما أرسلك الرب لأجل ذلك بل أرسلك لتوريني وتطوف هذه البرية، وتعود إلى جبل مصر وتخبر القديسين بما رأيت ربحاً لنفوسهم. فيسبحون الله لأجل عجائبه وأفعاله. وتقيم أنت هناك تعمل أعمالاً حسنة كل حين”.
فخررت عند رجليه وقلت له: “بارك عليَّ يا أبي القديس لأجد رحمة من الله، وكما شاهدتك على الأرض، أستحق مشاهدتك في ملكوت السموات”. فبارك عليَّ ببركات كثيرة. وكنت أجاوبه في كل ما يقوله وأقول:” آمين”.
ثم وقف وصلى للرب ببكاء ودموع كثيرة، واضطجع على الأرض مستبشرًا، ومد يديه ورجليه وأسلم نفسه بيد الرب، وكان ذلك في يوم السادس عشر من شهر بؤونه بسلام الرب آمين”.
ثم بعد ذلك سمعت جماعة من الملائكة سبحوا أمام نفس القديس أبا نفر المغبوط وقالوا:”هذه نفس طاهرة بلا دنس. فلنرفعها ونقدمها قربانًا للرب المسيح ملك المجد، سألت يا قديس فوجدت، قرعت ففتح لك…”.
هذا سمعته من الملائكة. ثم انقطع عنى صوتهم. فنزعت بعد ذلك ثوبًا كان عليَّ وقطعته قطعتين، وكفنته بواحدة منهما واستترت بالأخرى. وجعلت جسد القديس أبا نوفير تحت سقيف حجارة، ووضعت عليه حجارة كثيرة ووقفت وصليت عليه.
وفي تلك الساعة سقطت النخلة والخص، فتعجبت من ذلك كثيراً، وعلمت صحة كلام القديس أبا نوفير وقوله لي:” بأن الله لا يريد مقامي هناك”. ثم أنني بعد ذلك أكلت بقية الخبز الذي فضل عنا وشربت الماء ووقفت أصلي. فبسطت يدي وصليت للرب، فأتاني ذلك الشخص الذي رأيته أولاً، فأنس خوفي وقواني وشجعني. فمضيت من ذلك المكان وأنا متوجع القلب جداً من أجل الطوباوي أبا نوفير الرجل البار.
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم -مجلة الكرازة – أبريل 1965 السنة الأولى –العدد الرابع.




