وسائط روحية ولكنها لا تكفي

يُوضّح قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة أن الإنسان الروحي لا يخلُص بمجرد ممارسته للوسائط الروحية — كالصوم، والصلاة، والاعتراف، وقراءة الكتاب المقدس، والصدقة — إن لم تكن هذه الوسائط مصحوبة بروحها الحقيقية، أي بالحب، والإيمان، والتوبة، والنقاوة. فالفضائل في ذاتها لا تُخلِّص، إنما الروح التي تُمارَس بها هي التي تُقدّس الإنسان وتقرّبه إلى الله.
🔸 أولًا: الصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام
يقول البابا: إن صوم الجسد وحده لا يكفي، لأن الصوم الحقيقي هو صوم النفس عن الشهوة والخطية.
من يصوم عن الأكل فقط، بينما قلبه يشتهي الطعام أو يفرط في الترف وقت الإفطار، لم يصم روحيًا. فالصوم هو ارتفاع عن الرغبات، وإعطاء فرصة للروح لتتغذى بالله. لذلك يقول الكتاب: “هذا هو الصوم الذي اختاره الرب: حل قيود الشر، فك عقد النير، إطلاق المساكين أحرارًا.”
🔸 ثانيًا: الصلاة ليست مجرد كلمات
الصلاة التي تُقال بالشفاه دون حب أو خشوع لا تُقبل.
يقول البابا: “الصلاة لا تكفي إن لم تكن مصحوبة بالمشاعر والإيمان.”
الصلاة الحقيقية هي التي تُرفع من قلبٍ محب، خاشع، فاهم لما يقول.
كما قال المرتّل: “باسمك أرفع يديّ فتشبع نفسي.” فالصلاة بلا فهم ولا حرارة هي مجرد ترديد كلام، وليست لقاءً حيًا مع الله.
🔸 ثالثًا: الإيمان وحده لا يخلّص
الإيمان العقلي لا يكفي، لأن الكتاب يقول: “الإيمان بدون أعمال ميت.”
الإيمان الحقيقي هو أن يحيا المسيح في الإنسان: “أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ.”
ليس المهم أن تقول “أنا مؤمن”، بل أن تُظهر إيمانك بأعمالك، وأن تسلك كما سلك المسيح.
🔸 رابعًا: الاعتراف يحتاج إلى توبة حقيقية
الاعتراف بحد ذاته لا يكفي، لأنه قد يكون اعترافًا بلا ندم أو خجل أو رغبة في التغيير.
الاعتراف الصادق مثل العشار الذي “لم يرفع عينيه إلى فوق، بل قرع صدره وقال: ارحمني يا رب لأني خاطئ.”
أما من يكرر اعترافاته دون أن يغيّر حياته، فاعترافه بلا ثمر.
🔸 خامسًا: قراءة الكتاب ليست غاية في ذاتها
القراءة الروحية لا تنفع إن كانت مجرد عادة أو واجب يومي.
يجب أن تتحول الكلمة إلى حياة.
قال المسيح: “الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة.”
من يقرأ بلا فهم أو تطبيق أو تأمل، تبقى قراءته معرفة عقلية وليست نموًا روحيًا.
🔸 سادسًا: الصدقة لا تكفي إن لم تكن نابعة من القلب
العطاء المقبول هو الذي يتم بحب وسخاء وسرور.
الكتاب يقول: “المعطي بسرور يحبه الرب.”
أما من يعطي بتذمر أو رياء أو من فضلاته، فهو لا ينتفع.
العطاء الحقيقي هو عطاء من القلب، يشعر فيه الإنسان أنه يعطي المسيح نفسه: “كنت جوعانًا فأطعمتموني.”
🔸 سابعًا: العبادة لا تنفع دون نقاوة القلب
قد يعبد الإنسان الله شكليًا، بينما قلبه بعيد عنه.
قال الرب في إشعياء: “هذا الشعب يكرمني بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عني بعيدًا.”
فالله يرفض العبادة التي تصدر من قلبٍ ملوث أو مملوء كبرياءً. العبادة المقبولة هي الخارجة من قلبٍ نقي متواضع.
🔸 ثامنًا: الفضائل لا تُقبل إن كانت بلا حكمة أو حب
الفضيلة تفقد قيمتها إن لم يكن هدفها هو الله.
كثيرون يمارسون أعمالًا صالحة لأسباب اجتماعية أو نفسية، لا لأجل الله، فتفقد هذه الأعمال ثمرها الروحي.
العمل الروحي هو الذي ينبع من القلب المتحد بالله، لا من الذات أو المظهر.
🔸 خلاصة البابا الروحية
الوسائط الروحية ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها.
الصوم، والصلاة، والاعتراف، والعطاء، والقراءة، كلها يجب أن تُمارس بروحها الإلهية لا بشكليتها.
الهدف منها هو الاتحاد بالله وتقديس القلب، لا مجرد أداء واجبات.
“الله لا يطلب الأعمال في ذاتها، بل القلب الذي يعمل بها.”



