من يغلب

يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة عن عبارة الرب المتكررة في سفر الرؤيا: “من يغلب”. موضحًا أن الحياة الروحية هي معركة يومية، وصراع مستمر بين الخير والشر، بين النفس والشيطان، وبين الضعف البشري وقوة النعمة. المسيح نفسه هو الغالب الأول، الذي غلب العالم والموت والخطيئة، ويدعونا أن نسير في موكب نصرته لكي نغلب نحن أيضًا فيه وبقوته.
🔸 أولًا: الغلبة سمة أولاد الله
يؤكد البابا أن القديس يختلف عن غيره لأنه جاهد وغلب. فكنيسة القديسين تُسمى الكنيسة المنتصرة، بينما نحن ما زلنا في الكنيسة المجاهدة، نسعى أن نغلب كما غلبوا.
الغلبة ليست ترفًا روحيًا، بل هي سمة أبناء الله الذين خُلقوا على صورته، والله دائمًا غالب. فمن يُغلب لا يعكس صورة الله الحقيقية في حياته.
🔸 ثانيًا: المسيح مثال الغالب الحقيقي
المسيح هو الغالب في كل شيء:
-
غلب التجربة على الجبل.
-
غلب الشيطان على الصليب.
-
غلب الموت بقيامته.
-
غلب العالم بقوة قداسته.
وهو الذي يقودنا في موكب نصرته ليهبنا نفس روح الغلبة والانتصار، لأنه قال: “ثقوا، أنا قد غلبت العالم.”
🔸 ثالثًا: أنواع الغلبة في حياة الإنسان
الغلبة الحقيقية ليست أن تغلب الآخرين، بل أن تغلب نفسك:
-
تغلب الغضب والعصبية بالصبر والهدوء.
-
تغلب الضيقات بالإيمان والاتكال على الله.
-
تغلب التجارب والشهوات بالنقاوة والصلاة.
-
تغلب الشر بالخير كما قال الكتاب: “لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير.”
القوة الحقيقية أن تثبت أمام الإهانة والمشاكل دون أن تنكسر من الداخل.
🔸 رابعًا: أمثلة القديسين الغالبين
يستشهد البابا بأبطال الإيمان:
-
إبراهيم الذي غلب مشاعر الأبوة عندما قدّم ابنه إسحق.
-
يوسف الصديق الذي غلب تجربة الخطية بشجاعة وطهارة.
-
دانيال الذي غلب تهديد جب الأسود بإيمانه القوي.
-
الفتية الثلاثة الذين غلبوا أتون النار بثباتهم.
-
القديس أثناسيوس الرسولي الذي غلب الهرطقة والأريوسيين بقوة الحق والثبات.
هم الغالبون الذين انتصروا على العالم، وصاروا قدوة للأجيال.
🔸 خامسًا: كيف تغلب نفسك
الخاطئ هو إنسان مغلوب من ذاته. فالغلبة تبدأ من الداخل، عندما ينتصر الإنسان على أفكاره وأهوائه وضعفه.
الشيطان لا يستطيع أن يغلب إنسانًا قويًّا من الداخل، لأن الله ينظر إليه فيقول: “حبيبتي جنة مغلقة، ينبوع مختوم.”
الغالب هو من يضبط نفسه، ويبتعد عن مصادر العثرة، ويثبت في وسائط النعمة: الصلاة، قراءة الكتاب المقدس، التسبيح، ومحبة القديسين.
🔸 سادسًا: وسائل الغلبة الروحية
-
الصلاة القوية: اطلب من الله قائلًا: “يا رب، أعني لأغلب خطيتي وضعفي.”
-
الكلمة الإلهية: هي السيف الروحي الذي يقطع الفكر الخاطئ. كما غلب المسيح الشيطان بكلمة “مكتوب”.
-
محاسبة النفس: من لا يعرف أخطاءه لا يمكن أن يتغير.
-
الاتضاع: الحذر من البرّ الذاتي، لأن المتواضع فقط هو الذي يقوم بعد السقوط ويثبت في الغلبة.
🔸 سابعًا: الغلبة بالنعمة وليس بالقوة البشرية
النعمة لا تعمل في الإنسان الكسول أو السلبي، بل في المجاهد الأمين. يقول البابا:
“النعمة لا تشاء أن نكون مستلقين على ظهورنا وتعطينا الخلاص، بل نعمل معها.”
كما اشترك موسى ويشوع معًا — موسى بالصلاة، ويشوع بالحرب — هكذا يجب أن نجاهد نحن مع النعمة لنغلب.
🔸 ثامنًا: سرّ الغلبة في محبة الله
من أحب الله من كل قلبه لن تقدر عليه الخطية. المحبة تملأ القلب فتطرد منها كل ضعف وشهوة.
فحين يدخل الله إلى القلب، لا يجد الشيطان مكانًا فيه، ويصير الإنسان حصنًا روحيًا لا تُخترق أسواره.
🔸 خلاصة البابا الروحية
الغلبة هي ثمرة الاتحاد بالمسيح والعيش في شركته.
هي طريق التقديس والنصرة المستمرة.
من يغلب نفسه يغلب العالم، ومن يغلب العالم يجلس مع المسيح في عرشه، كما قال الرب:
“من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي كما غلبت أنا وجلست مع أبي في عرشه.”

