مكافأة من يغلب

يتأمل قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة في قول الرب يسوع المتكرر في سفر الرؤيا: “من يغلب فسأعطيه…”، موضحًا أن الحياة المسيحية هي حياة جهاد روحي وغلبة مستمرة على الخطية والعالم والشيطان. والمكافأة الإلهية لا تُعطى لمن يؤمن فقط، بل لمن يغلب في الجهاد، إذ قال الرب: “ثقوا، أنا قد غلبت العالم.”
🔸 أولًا: الغلبة شرط الدخول إلى الملكوت
يشرح البابا أن الرب لم يقل “من يؤمن فقط”، بل قال “من يغلب”. فالغلبة تعني الصمود في المعركة الروحية ضد التجارب والأهواء والأفكار الشريرة. فالمسيحي مدعو للجهاد مثل بولس الرسول الذي قال: “جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان.”
🔸 ثانيًا: المسيح مثالنا في الغلبة
الرب يسوع هو الغالب الأول:
-
غلب العالم بقوة قداسة حياته.
-
غلب الشيطان في التجربة على الجبل.
-
غلب الموت بقيامته المجيدة.
ومن يسير في طريقه يستطيع أن يغلب بقوته، لأن الرب وعد: “بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا.”
🔸 ثالثًا: الغلبة عطية من النعمة
الغلبة ليست من الإنسان وحده، بل من نعمة الله. فالمسيح يمنحنا قوة من روحه القدوس، وصلوات القديسين، وشفاعتهم، لنقاوم حتى الدم مجاهدين ضد الخطيئة. لذلك فكل من يغلب ينال إكليلًا من يد الديان العادل.
🔸 رابعًا: دعوة الرب للكل للغلبة
حتى الذي سقط أو فتر في محبته الأولى، الرب يقول له: “من يغلب فسأعطيه…”، أي أن باب الرجاء مفتوح دائمًا. حتى لكنيسة لاودكية الفاترة قال: “من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي.” وهذا يدل على أن التوبة تقود إلى الغلبة من جديد.
🔸 خامسًا: وعود الرب للغالبين في سفر الرؤيا
قدّم الرب سبع مكافآت عظيمة في رسائله إلى الكنائس:
-
الأكل من شجرة الحياة التي في وسط الفردوس.
-
عدم الأذية من الموت الثاني.
-
المنّ المخفي والحصاة البيضاء باسم جديد.
-
السلطان على الأمم.
-
الثياب البيضاء والاسم غير الممحى من سفر الحياة.
-
أن يكون عمودًا في هيكل الله.
-
الجلوس مع المسيح في عرشه.
كل وعد منها يحمل رمزًا للاتحاد بالمسيح والاشتراك في مجده الأبدي.
🔸 سادسًا: المعنى الروحي لشجرة الحياة
يشرح البابا أن شجرة الحياة ترمز إلى المسيح نفسه، لأنه قال: “أنا هو القيامة والحياة.” فالأكل من شجرة الحياة يعني التمتع بالاتحاد مع المسيح في الأبدية، حيث نحيا حياة لا تنتهي في المجد والفردوس السماوي.
🔸 سابعًا: المعنى الروحي للمنّ المخفي
المنّ المخفي يرمز إلى الإفخارستيا وإلى عمل النعمة الخفي داخل النفس. فكما أن المن كان محفوظًا في قدس الأقداس، كذلك عمل المسيح في النفس هو سر خفي يغذي الروح ويقوّيها على الجهاد حتى تغلب.
🔸 ثامنًا: الغلبة تشمل كل إنسان
لكل واحد معركته الخاصة، لكن الله يمنح القوة للجميع. من يجاهد يصمد، ومن يصمد يُكلل. الغلبة ليست لطبقة معينة من القديسين، بل لكل مؤمن أمين يجاهد بثبات وإيمان.
🔸 خلاصة البابا الروحية
من يغلب هو من يجاهد بنعمة الله ويعيش أمينًا حتى الموت.
الغلبة ليست فقط انتصارًا على خطية معينة، بل هي ثبات في الإيمان والنقاوة حتى النهاية.
ومن يغلب ينال الحياة الأبدية، ويرث المجد مع المسيح الذي قال:
“من يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي كما غلبت أنا وجلست مع أبي في عرشه.”


