القديس الأنبا بيجيمى السائح

سير الآباء السواح
القديس الأنبا بيجيمى السائح1
خروجه إلى الرهبنة:
في أيام ثيئودسيوس الصغير في زمن أنبا كيرلس رئيس أساقفة الإسكندرية، كان شاب ابن عشر سنين يقال له “بيجيمى” يرعى البهائم في الحقل. فظهر له ملاك الرب في شبه صبي من أقرانه، وكان من جيرانه الذين يرعون الغنم في الحقل معه. حينئذ أتى اليه وتكلم معه قائلا: “أتجئ معي نصير رهباناً ولا نرجع نرعى البهائم ونستريح من عبودية الحقل؟ … ومن بعد أيام يأتي خلفنا ثلاثة رهبان ويأخذوننا معهم. فإن كنت تريد أن تجيء معنا فتعال. فإني أمضي معهم.
أما أنبا بيجيمى فطاب قلبه، ومال ذهنه وقويت عزيمته فى الرهبنة. وقال للملاك – وهو لا يعلم أنه ملاك – خذني أنا أيضاً معك”.
فلما كان بعد ثلاثة أيام، إذا بثلاثة رهبان قد أتوا ماشين في الطريق. وجاء الملاك المتشبه بالصبي إلى أنبا بيجيمي وهو في الحقل، والرهبان الثلاثة كانوا أيضًا آتين في طريقهم. فقال لهم الملاك: “حسن وجيد أيها المبشرون الصالحون أن تأخذوا معكم هذا العمود المنير الذي سيضيئ على كل العالم، ويصير عظيمًا في الله، ويكون مختارًا أفضل من الشهداء. ويأتي إلى هذا الموضع في آخر زمانه، ويصنع الرب قوات وعجائب من أجله، ويكمل شيخوخة حسنة”.
وبعد أن قال الملاك هذا اختفى عنهم. حينئذ تحقق الرهبان أن ملاك الرب كان معهم يخاطبهم وأعلمهم الرب بالروح كل شيء عن الصبي القديس الانبا بيجيمي. حينئذ قال له الشيوخ: “أتريد أن تجيء معنا؟ إن الطريق التي نمضي فيها بعيدة ومتعبة جدًا في المشي اليها” أما هو فقال لهم أيضًا: ” أنا أجيئ معكم”. فقالوا له: “امض قل لأبويك” فقال لهم: “أنتم آبائي”. ثم قالوا له: “ما هو اسمك” فأجابهم: “اسمي بيجيمي الذي هو موجود”.
ومشى في صحبتهم بفرح. وأنهم مضوا وجازوا في الموضع الذي يدعى برماي، وكان يسكن فيه رجال مختارون لله تعالى، وكان في هذا الجبل برية داخلة بنحو سبعين ميلًا تسمى شيهيت.
مع الشيوخ في شيهيت:
وأن الشيوخ الرهبان أتوا بأنبا بيجيمي إلى شيهيت فجلس معهم. وكانوا يعلمونه نواميس الرهبنة في المشي والكلام باتضاع والحفظ وعمل اليدين والصوم والسهر ومحبة كل الخليقة… وإن الشاب أنبا بيجيمي كان يمشي متقدمًا في خوف الرب، بالاتضاع والصبر الحقيقى. حتى كان الشيوخ يتعجبون من عمله وطاعته.
ولما أكمل سبع سنين وهو مقيم معهم. ألبسوه الأسكيم المقدس. حينئذ لما نظروه في خدمته ومشيه بإتضاع وحكمة ووداعة، كانوا يحسدون سعيه بالرب، وصار لهم مشيرًا. وكان يخضع لهم وهو صالح بشوش حلو ذو سلامة مع كل أحد. حتى كانوا يسمونه فى تلك البرية كلها “ابن السلامة”.
وأقام أربعًا وعشرين سنة ساكنًا معهم، لم يرفع وجهه إلى فوق يومًا قط ولا عرف وجه واحد منهم ولا أطرح وصية واحدة. وظل عائشًا معهم حتى أكملوا سيرتهم واحد بعد واحد. وباركوه جميعًهم ببركة عظيمة. كما هو مكتوب “أن بركة الآباء تحل على الابناء” .
بعد نياحة الشيوخ الثلاثة: أما أنبا بيجيمي فسكن فى مسكنه مدة سنتين. وكان يأتي اليه كثيرون من مصر ورهبان آخرون كانوا يسمعون بفضائله ونسكه. لأنه كان انسانًا فاضلًا ووديعًا صالحًا محبًا للغرباء الذين يأتون اليه من كل موضع.
وحينئذ بكت ذاته قائلًا:
“ما الذي أصنع إذا افتقدني الرب وأنا في وسط هذه الجموع ولست استحق واحدًا منهم؟ وبماذا أجيب في الوقت الذي يرسل الله فيه ليخرجني من الجسد وأنا لم أستعد؟
ما الذي أصنع إذا أقاموني أمام الله لكي أجاوب عن الذي صنعته، وألوف ألوف رؤساء الملائكة وربوات ربوات من الملائكة قيام والشاروبيم والسيرافيم حول كرسيه المقدس؟ كم مقدار ألم القلب الذى يصيبني اذا رأيت القديسين كلهم وقلوبهم حزينة من أجلي اذ لا ينظرون في عملًا صالحًا؟!.. ”
ثم قال لذاته أيضا:
“ان كنت تريد أن تخلص فأحفظ الوصايا المكتوبة وقبل كل شيئ اجعل لك صومًا لكي تخلص من الزنا. ومن بعد هذا اجعل لك تلاوة لكي تذكر الذي قاله الله، لأن في دفعات كثيرة إذا نسى الانسان فإن التلاوة تذكره… قم للصلاة، لكي لا تقوى عليك الغفلة وتطرحك في تجربة. لأنه مكتوب “صلوا لئلا تدخلوا في التجارب”. وأيضًا لا تهتم بالغد، فالغد يهتم بشأنه وحده. وان كانت لك أوان كثيرة، فلا تمتنع من أن تتصدق بها وتقول إني أجد هذا في الغد. اذكر المكتوب ” إني لا أرفضك ولا أتخلى عنك” فانظر لا تبطل وصية الله. ومن بعد هذا لا تدن أحداً، ولا ترذل أحدًا ولا تلعن أحدًا، حتى ولا الشيطان تلعنه. لانه مكتوب “إن ميخائيل لما تخاصم هو والشيطان من أجل جسد موسى لم يجسر أن يورد حكم افتراء”…
وإذا نظرت واحدًا يخطئ فلا تبغضه، بل أبغض الخطية التي رأيته يصنعها، لئلا تصنعها أنت أيضًا. مكتوب أن بكر كل دابة يرفعونه قربانًا للرب. وإذا كان حمارًا أبدله بخروف. هكذا أنت أيضًا. كل ما تراه وتسمعه أبدله بالحسنات. فإذا نظرت إلى صورة حسنة ذكرًا كان أو أنثى، اذكر وجوه القديسين جميعهم هؤلاء الذين ينيرون مثل الشمس في ملكوت السموات. وإذا رأيت أطعمة جيدة أو أطيابًا، فأذكر خيرات أورشليم والأطياب التي في الفردوس. وفي كل موضع اجعل قلبك في الله. لأنه مكتوب “إذا كنتم قد قمتم مع المسيح، فأطلبوا الأعالى، الموضع الذي المسيح فيه” وأيضًا قبل أن يغلب قلبك، احرس عينيك وأذنيك. لأن هؤلاء هم خدام القلب.
واصنع قوتك أيضًا لتريح كل انسان، اما بشغل يديك واما بكلامك واما بشكلك. وإذا أتيت الى وسط جماعة الأخوة وهم يعملون، فأعمل معهم كقوتك”.
بهذا كان الطوباوى أنبا بيجيمي يعلم ذاته وحده.
إلى البرية الجوانية:
وحينئذ قام الصديق أنبا بيجيمي وصعد إلى الجبل الذي في داخل شيهيت.
وأقام ثلاثة أيام وثلاث ليال وهو يمشي في البرية. ولا يعلم إلى أين هو ماض. ولم يأكل ولم يشرب في تلك الايام الثلاثة. ولا حمل معه خبزًا ولا ماء. ولا شيئًا البتة سوى جريدة صغيرة في يده يتوكأ عليها.
وحينئذ ظهر له مجمع شياطين متغيرين في طباعهم، مخوفين، كثيرين، سباع، ولبؤات وضباع ودببة وكلاب وخنازير برية… وكانت الوحوش تخيفه كل واحد منها حسب طبعه، وانما لم تستطيع أن تؤذيه. وأما الطوباوى أنبا بيجيمي فإنه لما تأمل الوحوش مضطربة، صلي ورشم ذاته بصليب المسيح ونفخ عليهم، فتفرقوا في الجو واضمحلوا مثل الدخان. أما هو فكان يمشي وهو يشكر الله وكانت قوة المسيح تعضده.
ومن بعد يومين آخرين وهو يمشي في الجبل وحده، وجد واديًا صغيرًا نابتة فيه أقصاب وشجر ونخل مثمر، وفيه قليل ماء لأن وحوش الجبل كانت كثيرة جدًا حتى كاد ينضب الماء.
ولما جاء الصديق أنبا بيجيمي إلى الوادي، فرح جدًا وكان يبتهج مثل من هو كائن في فردوس النعيم. ثم سار إلى الداخل مقدار عشرين ميلًا، فوجد صخرة عالية وفيها مغارة فسكن فيها اربعًا وعشرين سنة.
وكان يقول هذه التسبحة بفرح وهو يتهلل بالروح القدس هكذا قائلًا: ما أحسن ديارك يا يعقوب ومظالك يا إسرائيل، مثل برج على مجاري المياه. من ذا الذي يصعد إلى جبل الرب، أو من يستطيع أن يقف في موضعه المقدس إلا الطاهر اليدين النقي القلب، هذا يسكن في مغارة الصخرة العالية. وخبزه يعطي له بشدة وماؤه بضيقة. الليلويا
جهاده في البرية:
حينئذ المجاهد أنبا بيجيمي تعبد بفضائل كثيرة بانشحاط، وحرص قلب. وكان يتهلل بالروح وهو كائن بفرح عظيم، مثل قوم يعيدون في ولائم الرؤساء ووجوههم تنبع فرحًا.
وأقام ثلاث سنين يصوم هكذا: ستة أيام ويقتات من ثمر النخل الذي في ذلك الوادي وفي كل ستة أيام يأتي إلى الوادي ويجمع من ثمر النخل. ولم يكن يأكل حتى يملأ بطنه، بل كان يملأ قبضته، والذي تسعه يده يأكله، وماؤه كان يشربه من الوادى. ولم تكن له عادة قط أن يضع طعاماً، ولا أن يجمع عنده ماء فى مسكنه. بل في كل ستة أيام إذا أراد أن يأكل يذهب إلى الوادي والذي يأكله والذي يشربه في الوادي، هذا هو أكله وشربه في كل الايام الستة. وأقام ثلاث سنين في هذه الفضيلة. وصلواته التي كان يصنعها في النهار وحده أربعمائة وأربعون مطانية، وخمسون مزموراً مع قراءات أخرى كثيرة كان يتلوها من موسى والانبياء. وفي الليل أيضًا كان يجثو مائة وأربعًا وعشرين دفعة يجثوها بركبه ويصلي مائة مزمور، بالإضافة إلى تلاوات كثيرة كان يقرأها من كتب عتيقة. ولما أقام ثلاث سنين في هذه الفضيلة. تقطعت واحترقت ثيابه التي كان يلبسها. وكان يفكر ما الذي يصنعه من أجل أنه لم يكن يريد أن يرتدي شيئًا من ملابس هذا العالم. ولكنه اذ كان انسانًا متيقظًا بصيرًا بالكتب، قال في نفسه: كيف أجلس عريانًا كيف أقدر أن أصلي إلى الله وأنا عريان؟ وحينئذ ذكر أبانا آدم وأمنا حواء وكيف أنهما لما خالفا الله، لم يدعهما عريانيين بل صنع لهما ثيابًا من جلود وألبسهما اياها… وإيليا النبي لما كان في البرية وكانت الغربان تعوله، كان جسده مستورًا وهو يصلي إلى الله. ويوحنا المعمدان أيضًا لما كان في البرية وإلى اليوم الذي جاء فيه إلى الاردن، كان ملتحفًا بثوب من وبر الإبل ومنطقة من جلد على حقويه. وساكنوا البرية أيضًا كانوا يلبسون ثيابًا. فما عسى أن أكون أنا الذي لا أستحق حذاء رجلي واحد منهم؟ وكيف أقدر أن أجلس وأنا عريان؟ لأن الشياطين عراة، وأما عن الملائكة الذين يسبحون الله، فيقول الانجيل “وإذا ملاكان قد نزلا من السماء وهما مثل البرق ولباسهما أبيض كالثلج “كذلك السيرافيم كانوا يغطون أجسامهم. فكيف أنا الذي أكون اليوم واضمحل في الغد؟!”.
وحينئذ ذكر أيضًا أبانا أنبا بولا السائح أول راهب يسكن في البرية، الذي أقام ثمانين سنة مقيمًا في البرية، وكان لابسًا ثوبًا وقلنسوة من ليف النخل.
ثم بعد هذا ازداد في فضيلة الصوم جدًا، حتى كان يصوم أربعين يوماً. ومن بعد كمال أربع عشرة سنة وهو يصنع هكذا، وكان يقول لنفسه: “لست أعلم ان كان هذا الذي أصنعه الان يرضى الله أم لا”… وكان يزداد قوة في جسده مثل من هو في عيشة واسعة، كما هو مكتوب أن الذين يخدمون الله “تصير لهم أجنحة كالنسور، يسرعون ولا يجوعون لا يعطشون”.
الرؤيا:
وأخيرًا ظهر له ملاك الرب في شكل صياد وقدم له خبزًا وقسطًا من الماء ومضى… وكان الشيخ أنبا بيجيمي يظن أنه خيال، فقام وصلى ورشم الخبز والماء فوجدهما كما هما لم يتغيرا، فعلم أنهما حق وأخذ الخبز فوجده سخنًا مثل الذي يخرجونه من التنور في ذلك الوقت، والماء أيضًا مثل اللبن، فعلم أن الذي ظهر له هو ملاك الرب، فتهلل وشكر الله على ما أنعم به عليه، وهكذا أكل من الخبز وشرب من الماء، وبقيا عنده بالبركة إلى انقضاء سبع سنين.
وبعد هذا ظهر له الرب وباركه وأمره أن يمضي إلى بلده حيث يصنع هناك آيات وعجائب.
وأطاع الأنبا بيجيمي، وظهر لأهله ولم يعرفه أحد منهم لطول زمان غربته عنهم. وصنع آيات وعجائب، وشفى مرضى كثيرين، وجذب كثيرين إلى الإيمان بالمسيح.
وفى آواخر أيامه قابل القديس الانبا شنودة وتعزيا معًا.
وأخيرًا رقد القديس الانبا بيجيمي في الرب. وأكمل سعيه المبارك في اليوم الحادي عشر من كيهك في الساعة السابعة من النهار. ومضي إلى المسيح الذي أحبه، حاملًا ثمار الروح القدس، من أجل طهارته الحقيقية والأتعاب التي حملها حتى جاز أمواج لجة العالم المظلمة.
بركة صلواته المقدسة تكون معنا جميعًا… آمين.
(نقلت هذه السيرة باختصار عن مخطوطة رقم 296 بدير السريان العامر)
وقد رسم الصورة الراهب بيجيمي بدير السريان عن أصل قديم
- مقال لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم – مجلة الكرازة السنة الأولى–العددان الثاني والثالث- فبراير ومارس 1965




