خطية الكبرياء

يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه العظة عن خطية الكبرياء باعتبارها أصل الخطايا وأمّها، فهي أول خطية وُجدت في الوجود، وسقط بها الشيطان حين قال في قلبه: “أصعد إلى السماء، وأصير مثل العلي.” ومن خلالها أسقط آدم وحواء عندما أغراهما قائلاً: “تصيران مثل الله.” الكبرياء إذًا هي بداية السقوط ونهاية التواضع.
🔸 أولًا: أصل الكبرياء وخطرها
الكبرياء هي ارتفاع القلب والفكر عن الله، وظنّ الإنسان أنه شيء عظيم في ذاته. وهي خطية مفسدة للقلب ومهلكة للنفس، إذ قيل في الكتاب: “قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح.” وقد بيّن البابا أن الله لا يقاوم أحدًا كما يقاوم المستكبرين، لأن المتكبر يرفع نفسه حتى على الله.
🔸 ثانيًا: مظاهر الكبرياء
الكبرياء تتنوع في صورها:
-
كبرياء دنيوية في الغنى والمركز والمظهر.
-
كبرياء روحية حين يفتخر الإنسان بعباداته أو خدمته أو تقواه.
وقد شبّه البابا الكبرياء الرهبانية بالافتخار بالصوم أو العزلة أو النسك، مما يفقد الإنسان جوهر التواضع الحقيقي.
🔸 ثالثًا: أسباب الكبرياء
من أسبابها النعمة غير المصحوبة بالاتضاع، والمواهب غير المحروسة بالتوبة، والمعرفة التي تُولّد الغرور. أحيانًا يعطي الله الإنسان مواهب روحية أو عقلية، لكن المتكبر ينسبها لنفسه لا لله، فيسقط. لذلك قال أحد القديسين: “إذا أعطاك الله موهبة فاطلب منه تواضعًا ليحفظها.”
🔸 رابعًا: أمثلة كتابية
الشيطان سقط بالكبرياء، وفرعون قسّى قلبه بسببها، وقايين حسد أخاه من أجلها، وأيوب بُوبيخ على أنه كان بارًّا في عيني نفسه. أما بولس الرسول، فقد حفظه الله من الارتفاع بأن أعطاه شوكة في الجسد. والقديسة العذراء مريم كانت مثالًا في الاتضاع، لذلك احتملت أعظم كرامة وهي أن تكون أم الرب.
🔸 خامسًا: علامات الإنسان المتكبر
-
يُظهر ذاته ويتحدث عن فضائله مثل الفريسي.
-
لا يقبل نصيحة أو توبيخًا، ويعتز برأيه.
-
لا يطيق الخضوع أو الطاعة، حتى لأب الاعتراف أو الكنيسة.
-
يحب الزعامة والظهور والمجادلة.
-
يستهين بالآخرين وينتقدهم، ويفرح بسقوطهم.
🔸 سادسًا: صفات المتواضع
-
ينسب كل نجاح لله لا لنفسه.
-
يخفي فضائله، ويعترف بضعفاته.
-
يحترم الكبير والصغير، ويكرم الجميع بمحبة.
-
يقبل الإهانة بشكر، ولا يرى في نفسه استحقاقًا لأي كرامة.
-
يفرح بكمال الآخرين كما قال القديس مقاريوس: “افرحوا بكمال إخوتكم.”
🔸 سابعًا: علاج الكبرياء
العلاج هو التواضع الحقيقي، وهو انحناء القلب لا الجسد فقط. فالاتضاع ليس في المظهر بل في الفكر والروح. المتواضع يرى أن كل خير فيه هو من الله، ويعيش بشكر وخضوع، لذلك يفلت من فخاخ الشيطان كما قال القديس أنطونيوس الكبير: “الرب قال لي: المتواضعون يفلتون منها.”
🔸 ثامنًا: دعوة البابا الروحية
يدعو البابا إلى فحص القلب يوميًا، وتذكّر أن الكرامة أصعب من الإهانة في احتمالها، وأن الله يرفع المتضعين كما رفع مريم العذراء ويوحنا المعمدان. فكل مجد يجب أن يُعطى لله وحده، لا للإنسان، كما نقول في المزمور: “ليس لنا يا رب، ليس لنا، لكن لاسمك أعطِ مجدًا.”



