الأسرة المثالية

الأسرة المثالية[1]
تكلمنا في العدد السابق عن الزواج، وتوافق الزوجين، والفارق بين عمريهما. ونتحدث اليوم عن:
فترة الخطبة
الخطبة ليست سرًا من أسرار الكنيسة، وليست عقدًا بين الخطيبين، إنما هي اتفاق، ووعد بالزواج.
وفترة الخطوبة هي فترة تعارف، وفترة ود وصداقة، وفترة إعداد للزواج
والإعداد للزواج يفهمه البعض على أنه الإعداد المادي، من حيث تجهيز الآثاثات والملابس وبيت الزوجية. وهكذا يفهم الإعداد للزواج بمفهوم مادي، ويدخل عند هذا البعض في اتفاقات مالية، وانشغالات تلهيهم عن العنصر الروحي.
أما الإعداد الروحي الخاص بفترة الخطبة، فهو إعداد الخطيبين لكي يصيرا واحدًا، وقلبًا واحدًا، واتجاهًا واحدًا، حتى يمكنهما أن يصيرا بالزواج جسدًا واحدًا، يضمهما بيت واحد.
ولا يمكن أن يتم هذا، إلا إذا كانت فترة الخطوبة فترة تعارف، يتعرف بها كل من الخطيبين على الآخر، ويفهمه ويتفاهم معه، ويتأكد من توافق طبعيهما، وإمكانية الحياة المشتركة. وإن لم يوجد التوافق، يعملان على التوفيق.
هي فترة يحاول فيها الخطيبان أن يصلا إلى درجة من الصداقة والحب، يؤسس عليها الزواج. لأن الزواج الذي لا يُبنى على التوافق والصداقة والحب، هو زواج فاشل.
وهذا التوافق بين الاثنين ينبغي أن يشمل الطباع، والثقافة، والسن، والمثاليات، كما يشمل الحياة الروحية بكل فروعها…
فترة الخطوبة تساعد على اختيار هذا التوافق، ولكن يحسن التأكد منه بقدر الإمكان قبل الخطوبة.
إنها مغامرة خطيرة أن يظن بعض الآباء هذا التوافق يأتي عن طريق الزواج والحياة المشتركة. قد لا يأتي ويزداد الاثنان خلافًا، فماذا تكون النتيجة؟
يجب على كل من الخطيبين أن يكون مفتوح العينين، لماحًا مدركًا أهمية معرفته لمن سيشاركه الحياة كلها.
فترة الخطبة ليست فترة تمثيل، يحاول فيها كل من الخطيبين أن يبدو أمام الآخر في صورة مثالية ليست له، سرعان ما تنكشف بعد الزواج، وتبدو الخدعة، فيتصدع الزواج…
إن الخطيب الذكي، والخطيبة الذكية، يستطيع كل منهما أن يدرك في حكمة وفي وعي طباع زميله، إذ يستنتجها دون أن يشعره بذلك.
ومن الأخطاء التي تحجب البصيرة عن الرؤية الحقيقية في فترة الخطوبة. انشغال الخطيبين بنزوات عاطفية تشغل الحواس والعقل، فلا يلتفت إلى حقيقة خطيبه.
الخطيب الحكيم يحاول في هذه الفترة أن يتعرف على زميل الحياة المقبلة. يدرسه في عمق، ويرى هل يمكنه أن يعيش معه طول العمر في مودة… يحاول أن يصادق مصادقة حقيقية بريئة دون أن يفكر في أن يملكه في هذه الفترة.
فإذا أمكن بتعارف الخطيبين وودهما أن يصيرا واحدًا في الفكر وفي المشاعر وفي الطباع وفي الإتجاه، حينئذ يمكن أن يصيرا جسدًا واحدًا بالزواج.
وإن لم يتمكنا من هذه الوحدة القلبية، فالأفضل أن يتأجل الزواج ريثما تتم الوحدة، إن أمكن أن تتم.
امتداد روح الخطبة
في فترة الخطبة، يكون الخطيب أكثر رقة ومودة، وأكثر مراعاة لشعور خطيبته، وأكثر عملًا على ارضائها….
فلماذا لا تمتد هذه الروح بعد الزواج أيضًا؟
كثيراً ما نرى أزواجًا، بعد الزواج، يقل احترامهم لزوجاتهم، وتقل رقتهم، وتقل مجاملاتهم. ولا ترى فيهم زوجاتهم المعاملة الأولى المهذبة، المملؤة محبة وعطفًا وحنانًا وارضاءً.
كثير من الأزواج تسوء معاملتهم بحجة رفع الكلفة…
وباسم رفع الكلفة، لا يقول كلمة شكر لزوجته، ولا عبارة استئذان ولا لفظ مديح، وقد يمزح معها بفكاهات ثقيلة، وقد يسمح لنفسه أحيانًا بالتهكم. كما يسمح لنفسه أحيانًا بالتوبيخ الشديد والأسلوب القاسي…!!
لماذا لا يعيش الرجل في الزواج بنفس روح الخطبة؟
وكذلك الزوجة لماذا لا تستمر كما كانت أثناء خطبتها؟
أثناء الخطبة كانت مطيعة هادئة، تبدو لطيفة على الدوام، تتحاشى الصوت العالي والغضب والخصام، تود المحافظة على الرجل ومحبته… ليتها في الزواج تستمر بنفس الروح…
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: الأسرة المثالية، بمجلة الكرازة 2/ 3/ 1990



