الأسرة المثالية

الأسرة المثالية[1]
شريعة الجسد الواحد
هذا المبدأ راسخ منذ بدء البشرية، إذ قال الرب: “لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا” (تك2: 24). ودعم السيد المسيح هذه الحقيقة بقوله في حديثه مع الكتبة والفريسيين حول الطلاق: “إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ” (مت19: 6).
هذه الوحدة، فيها الرجل هو الرأس، والمرأة هي الجسد (أف5: 23- 28). وأكد بولس الرسول هذا المعنى مكملًا: “مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ. فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ” (أف5: 28، 29).
ويشرح القديس يوحنا ذهبي الفم هاتين الآيتين فيقول: “أتسأل كيف هي جسده؟ اسمع: “هَذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي”، هكذا قال آدم (تك2: 23).
ويتابع ذهبي الفم حديثه عن هذه الوحدة، فيقول للعروسين في تفسيره للرسالة إلى أفسس: “لقد أصبحتما الآن واحدًا، مخلوقًا حيًا واحدًا”.
ليس اثنين بل واحد
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم عن الزوجين: “ليس هناك جسدان، وإنما جسد واحد: هو الرأس، وهي الجسد.”. ويتذكر القديس قصة الخليقة فيقول: إن الله لم يخلق حواء من خارج… لئلا يشعر آدم أنها غريبة عنه. إنها من نفس الجسد الواحد.
والقديس أمبروسيوس يؤيد هذه الحقيقة فيقول: “إن الله أخذ ضلعًا من آدم وعمله امرأة، لكي يرجع ويربطهما مرة أخرى ويصبحان جسدًا واحدًا”.
الرجل والمرأة يتزوجان، ولكنهما بعد الزواج “لا يصيران بعد اثنين، بل واحدًا”.
هما واحد في الروح، وواحد في الجسد، وواحد في كل شيء.
لا يستطيع أحدهما أن يقول للآخر “هذا لي، وهذا لك”. فمن الناحية الروحية، لا يوجد هذا التمييز، ولا هذه الاثنينية.. وكل شيء في البيت ملك للاثنين معًا… إن كتابة شيء باسم أحدهما إجراء دنيوى، وليس إجراءًا مسيحيًا…
فكرة الجسد الواحد ونتائجه الأسرية
ما دام الزوجان قد صارا “جسدًا واحدًا” كما قال الكتاب إذًا لا يجوز تعدد الزوجات. لأنه بهذا سيدخل جسد ثالث بين الزوجين (هو جسد الزوجة الثانية)، ويفرقهما.
وفكرة الطلاق في الكنيسة ممنوعة أصلًا، لأنها تمزيق لهذا الجسد الواحد. ولم يصرح بها إلا في حالة الزنا. لأنه في هذه الحالة تكون الوحدة قد تمزقت عملًا..
فالزنا عبارة عن دخول جسد ثالث بين الزوجين يفرق وحدتهما، “يمزق الجسد الواحد”. الذي صار لهما بالزواج، ويحاول أن يوجد له إتحادًا غير شرعي مع أحد طرفي هذا الجسد الواحد.
وفصل الزيجة بسبب الزنا، ما هو إلا الإعتراف بالفصل الذي تم عمليًا بينهما عن طريق الزنا.
في حالة الزنا يكون فصل الزوجين- اللذين اتحدا في جسد واحد- قد تم عملًا، وبقيًّ أن يتم شرعًا.
كذلك هما أيضًا واحدًا من جهة الأقارب.
أم الزوج هي أم للزوجة، وأبوه أبوها.
وأم الزوجة هي أم للزوج، وأبوها أبوه.
أخوة الزوج هم أخوة للزوجة.
وأخوات الزوجة هم أخوات للزوج.
لهذا فإن القرابات المحرمة بالنسبة إلى الزوج، هي نفسها محرمة أيضًا بالنسبة إلى الزوجة.
كلاهما واحد. من لا يجوز أن يتزوجه الواحد، لا يجوز أن يتزوجه الآخر…
عدم تدخل الأسرتين الكبيرتين
مما يساعد على سعادة الزوجين الجديدين، عدم تدخل أسرتيهما في حياتهما: أقارب الزوج، وأقارب الزوجة،
ما أسهل عليهما أن يحلا مشاكلهما في هدوء، إذا لم يتدخل فيها الآباء والأمهات لتعقيد الموقف وتصعيده…
إننا ننصح الزوجين الجديدين بأن تكون مشاكلهما سرًا بينهما. لا ينقلانها إلى الوالدين أو من في مستواهما من القرابة.
هذه المشكلة يمكن أن يحلها الأب الروحي بطريقة أفضل، بطريقة روحية غير متحيزة، وتبقى معه سرًا.
ولا يجوز للزوج أن يحب أهله أكثر من زوجته…
وكذلك بالنسبة إلى الزوجة… قال السيد المسيح: “يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته”.
إذا كان الأبوان حكيمين، يستطيعان أن يقودا هذا الزواج الحديث في طريق سليم، ويزوداه بالمعرفة اللازمة لهذه الحياة الجديدة، أما إذا طغت عليهما عوامل التعصب للأسرة ورابطة الدم، والحب الخاطئ، والكرامة الزائفة، فإنهما يهددان الأسرة الجديدة بالانحلال والضياع.
الاتفاق في الإيمان
لا يكفي فقط أن يكونا مسيحيين، وإنما يجب أيضًا أن يكونا أرثوذكسيين.
يكونان من مذهب واحد، وعقيدة واحدة، وإيمان واحد. يكونان متفقين في الأصوام، والأعياد، والأسرار الكنسية، يعبدان الله بروح واحدة. يذهبان إلى الكنيسة معًا، ويمكن أن يتناولا معًا، وأن يعترفا على أب واحد.
إن الخلاف في العقيدة، لا يمزق وحدة الزوجين فقط، وإنما يمزق الأطفال أيضًا، يحتارون هل يتبعون الأب أم الأم؟! وإن تبعا أحدهما سيحكمان على الآخر بالخطأ، وهذا ضد الفكرة المثالية التي يريد الابن أن يأخذها عن والديه.
هذا من الناحية العملية، ومن الناحية القانونية والكنسية، فإن الكنيسة لا تجيز عقد زواج بين اثنين مختلفين في المذهب…
غير أن البعض يحاولون أن يتخلصوا من هذه العقبة:
فيقوم طرف منهما بعمل انضمام شكلي إلى مذهب الآخر. ويتم الزواج، ويبقى الخلاف العقائدي، وتبقى نتائجه!!
ما قيمة هذا الانضمام الشكلي من الناحية الإيمانية؟! وكيف يقبله ضمير الكاهن الذي يجريه؟!
الزواج والأصوام
الزواج فرح: فرح بتكوين أسرة جديدة، وبحلول الروح القدس لتحويل اثنين إلى واحد، وبعثور كل من طرفي الزواج على شريك حياته الذي يعاونه في غربة العمر.
والفرح لا يتفق مع الصوم الذي يناسبه الانسحاق والتذلل لذلك قال السيد المسيح: “هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَصُومُوا وَالْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ مَا دَامَ … مَعَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ…“.
كذلك فإن الأفراح يناسبها ألحان الفرح في صلوات طقس الزواج. وهذه الألحان المفرحة لا تجوز في الصوم…
ومن ناحية الطعام، من الصعب عمليًا أن يكون يوم الإكليل يوم صوم وإنقطاع عن الطعام، بالنسبة للزوجين وأهلهما ولضيوف الفرح… يضاف إلى هذا أن العلاقات الزوجية غير لائقة في الصوم (1كو 7)..
لكل هذا تمنع قوانين الكنيسة عمل الأكاليل وصلوات سر الزواج في الصوم. ولا يصح أن يبدأ إنسان حياته الزوجية بكسر قوانين الكنيسة، وكسر روحياتها…
ومن غير اللائق أن يضغط بعض المؤمنين على رجال الإكليروس بكافة الضغوط وصنوف الإلحاح مع محاولة تقديم الأعذار والتبريرات… لإجراء طقس الزواج في فترة الصوم.
يجب أن يرتب كل إنسان مواعيده، حتى لا يناسب وقت زواجه فترة الصوم، وبخاصة هذا الصوم الكبير!!
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث: الأسرة المثالية، بمجلة الكرازة 20/ 4/ 1990



