الأمانة في الخدمة

الأمانة في الخدمة[1]
أهمية الأمانة
يطلب الله منا أن نكون أمناء في الخدمة. لأنه سلمنا وكالة معينة هي الإهتمام بأطفاله وشبابه. وقال في ذلك “فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟ طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا!” (لو12: 42).. يعطيهم طعامهم، أي الطعام الروحي.. في حينه، أي في كل مرحلة من مراحل السن حسب احتياجها..
والخدام الذي دخلوا الملكوت، قال الرب لكل واحد منهم: “نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ. كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. ادْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ” (مت25: 21، 23).
قالها لصاحب الخمس وزنات، ولصاحب الوزنتين، لكل من تاجر وربح. وعبارة القليل تعني مسئولياتنا في هذا العمر القليل. أما الكثير الذي يقيمنا الرب عليه، فهو الحياة الأبدية.. قال الرب هذا للعبد الصالح والأمين. أي الذي عاش صالحًا في حياته، وأمينًا في خدمته..
ولعلنا نسأل: إلى أي حد تكون أمانتنا في خدمتنا؟
يجيب الرب يسوع في سفر الرؤيا بعبارة خالدة يقول فيها: “كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ” (رؤ2: 10).
وعبارة “أمينًا إلى الموت” تعني أن يكون الخادم أمينًا إلى الحد الذي يبذل فيه حياته لأجل الخدمة. إلى حد الاشتهاء في سبيل إتمام خدمته. كما قال القديس بولس الرسول لأهل كورنثوس: “إِذًا الْمَوْتُ يَعْمَلُ فِينَا، وَلَكِنِ الْحَيَاةُ فِيكُمْ”، وكيف؟ “لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ…” (2كو4: 12، 11).
أمثلة في الأمانة
وقد شرح لنا الكتاب المقدس الخدمة الأمينة التي قام بها آباؤنا الرسل:
هؤلاء الذين إئتمنهم الرب على الكرازة وخدمة الكلمة. فأوصلوا الرسالة إلى كل مكان، وإلى أقصاء الأرض بلغت أقوالهم. ففي حوالي ثلاثين عامًا بشروا في أورشليم وكل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض (أع1: 8). كرزوا في بلاد الشرق، وفي آسيا الصغرى شمالًا، وفي بلاد اليونان وإيطاليا وحتى إسبانيا غربًا، وفي مصر جنوبًا…
كانوا أمناء في الخدمة، لدرجة أنهم احتملوا في سبيلها كل اضطهاد ومشقة.
وقفوا أمام ملوك وولاة وقضاة، وحوكموا، وسجنوا وجلدوا. وقيل عنهم في ذلك إنهم خرجوا من السجن فرحين، لأنهم حسبوا مستأهلين أن يهانوا من أجل اسمه (أع5: 41). وانطبق عليهم ما قاله السيد الرب لهم: “تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لِلَّهِ” (يو16: 2).. وفي أمانتهم احتملوا الأسفار الكثيرة، بأخطار في البحر وفي تعب وكد، في سهر وصوم.. (2كو11: 26، 27).
وتبدو أمانتهم في اهتمامهم بكل أحد.
سواء في خدمة الجموع، أو في العمل الفردي. ويقول القديس بولس الرسول في ذلك، بعد أن ذكر ألوانًا من تعبه في خدمته… “عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ. الاِهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ. مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟” (2كو11: 28، 29).
من الأمناء في الخدمة أيضًا: أبطال الإيمان.
مثل القديس أثناسيوس الرسول مثلًا، الذي من أجل أمانته في، الدفاع عن الإيمان، اضطهد كثيرًا من الأريوسيين، ونفي عن كرسيه أربع مرات. وكان في أماكن منفاه أيضًا يجول معلمًا الإيمان السليم، ومثبتًا الناس في الإيمان، ومبددًا الشكوك التي كان يثيرها الهراطقة. وبهذا أنشأ مدرسة قوية من القديسين الذين دافعوا عن الإيمان، حتى أوصلوه إلينا سليمًا، ووصل بهم عبر كل الأجيال.
داود النبي، كان مثلًا آخر للأمانة في الخدمة.
يكفي قوله: “إنّي لا أدْخُل إلَي مَسْكنِ بَيْتي، ولا أصْعَدُ عَلَي سَريرِ فِراشي. ولا أُعْطي لِعَيْني نَوْمًا، ولا لأجْفاني نُعاسًا، ولا لصدْغي راحَةً. إلَي أنْ أجِدَ مَوْضِعًا لِلرَّبِّ، ومَسْكَنًا لإلَهِ يَعْقوبَ” (مز132: 3- 5). ولما لم يسمح له الله ببناء البيت بل يبنيه ابنه، كان من أمانة داود أنه هيأ كل شيء يلزم للبناء، حتى لا يجد ابنه صعوبة في البناء (1أي 29).
ليتك تقول إذًا: لا أدخل إلى مسكن بيتي، ولا أعطي لعيني نومًا، حتى أعد موضعًا للرب في قلب كل تلميذ من تلاميذي، في قلب كل أحد يلقيه الرب في طريقي…
عناصر الأمانة
ما الذي عليك أن تفعله، لكي تكون أمينًا في خدمتك؟ هناك أمور كثيرة من عناصر هذه الأمانة، وهي:
1- الأمانة في معرفة المخدومين:
معرفة كل الأولاد الذين في منطقة الكنيسة. ويمكن أن يكون ذلك عن طريق تلاميذ الفصل ومعرفته لزملائهم وجيرانهم وأقاربهم. أو يمكن معرفة ذلك عن طريق كشوف العضوية الكنسية، أو عن طريق المدرسين في المدارس.. المهم هو البحث عن كل نفس لتدخل إلى الكنيسة، ومنها إلى قلب الله.
2- الأمانة في الافتقاد:
فلا تهدأ لك نفس، إن غاب عن الدرس أحد من أولادك. بل تبحث عنه، وتعرف بافتقاده أولًا إلى أحد زملائه ممن يعرفونه، أو ممن لهم به صلة وصداقة..
إن السيد المسيح حينما غاب واحد فقط من خرافه، ترك التسعة والتسعين، خرج يبحث عنه حتى وجده وحمله على كتفيه فرحًا (لو 15).
3- الأمانة في تحضير الدرس:
فالذي يهمل في تحضير دروسه، قد لا يعطي الأولاد شيئًا نافعًا أو قد تكون المعلومات التي يقدمها لهم مشوشة غير مرتبة.. أما الأمين في خدمته، فإن درسه يكون شيقًا، دسمًا في معلوماته، مناسبًا لعقلية تلاميذه، مزودًا بالقصص، وبوسائل الإيضاح…
4- الأمانة في التفهيم والتحفيظ:
المدرس الأمين يحاول بكل الطرق أن يوصل المعلومات إلى فهم تلاميذه. كما أنه يراجع عليهم الدرس، ويسألهم ويحاورهم، ويتأكد من أنهم قد استوعبوا الدرس تمامًا، وثبت في ذاكرتهم وحفظوه. كما أنه يجعلهم يحفظون آية أو أكثر، أو يحفظون ترتيلة، ويسألهم ويتأكد من حفظهم..
5- الأمانة في الالتزام بالمواعيد:
فلا يغيب يومًا عن التدريس، ولا يتأخر في المواعيد، ولا يربك الخدمة وأمين الخدمة بسبب غيابه أو تأخره. بل الخادم الأمين في خدمته، الذي له علاقة قلبية عميقة بأولاده، يشعر بشوق للقائهم، فلا يغيب عنهم..
6- الأمانة في الصلاة لأجل المخدومين:
كثير من المخدومين يحتاجون إلى صلاة من أجلهم، سواء طلبوا ذلك أو لم يطلبوا.. كذلك الأولاد المشاكسون، والمرضى، والذين يتكرر غيابهم، والذين لهم حالات خاصة… كلهم يحتاجون إلى صلاة، لكي يتدخل الله في حياتهم. وعلى الخادم أن يكون أمينًا في صلاته من أجلهم.
وهنا نذكر قول صموئيل النبي للشعب: “وَأَمَّا أَنَا فَحَاشَا لِي أَنْ أُخْطِئَ إِلَى الرَّبِّ فَأَكُفَّ عَنِ الصَّلاَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ، بَلْ أُعَلِّمُكُمُ الطَّرِيقَ الصَّالِحَ الْمُسْتَقِيمَ” (1صم12: 23). نلاحظ هنا عبارة: “أخطئ إلى الرب” في حكمة عن التقصير في الصلاة لأجلهم.
7- الأمانة في حياته الروحية:
إن حياة الخادم الروحية لها تأثيرها بلا شك على الذين يخدمهم لأنه إن أخطأ: إما أن يقلدوه، وإما أن ينتقدوه. وفي الحالتين خسارة تصيب المخدومين. ومن الناحية الإيجابية يلزم أن يكون قدوة لهم. لذلك فأمانته في حياته الروحية- إلى جوار لزومها لأبديته- هي أيضًا لازمة للخدمة.
لماذا الأمانة؟
1- لأنها مسئوليته:
وسوف يسألنا الله عن النفس التي ائتمننا عليها. ويقول لكل منا: “أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ” (لو16: 2) أو يقول: “أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟” (تك4: 9). فبماذا نجيب الرب حينما يسألنا عن خدمتنا؟ ليتنا نقول له كما قال السيد المسيح للآب: “الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ… عَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ” (يو17: 4، 26).
2- لأهمية النفس:
لقد سلمك الله هؤلاء. وربما تكون أنت الوحيد الذي يعلمهم في هذه المرحلة من السن بكل ما لها من خصائص. فإن أهملت، ما يدريك ماذا تكون حالة كل نفس من الأنفس التي ائتمنت عليها. كل نفس منها مات المسيح لأجلها واشتراها بدمه، فينبغي أن تهتم بكل أمانة، لكي تقربها إلى الله، وتعرفها الحق، وتنقذها من الشكوك، وتجيب على أسئلتها، لكي تفعل كما فعل القديس يوحنا المعمدان: “يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا” (لو1: 17) تعد له طريقًا في قلوب هؤلاء التلاميذ (مر1: 2، 3).
3- لأن الخدمة هي خدمة الرب نفسه:
إنها عمل الرب، إعداد لملكوته هو. قال بولس الرسول لأهل كورنثوس: “أَنْتُمْ فَلاَحَةُ اللهِ بِنَاءُ اللهِ” (1كو3: 9). وهؤلاء الذين تعلمهم، ليسوا هم مجرد تلاميذك، ولكنهم أبناء الله. أنت مجرد وكيل عنه في تربيتهم. لست أنت صاحب الكرم، بل أنت مجرد وكيل، تعدّ الكرم لصاحبه (مت 21). أحذر أن تكون مثل الكرامين الأردياء، الذين قال لهم الرب: “مَلَكُوتَ اللَّهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ” (مت21: 43).
4- لأن عليك واجب الإشبين:
الأم تستلم طفلها من المعمودية، لكي تكون إشبينة له. وفي غالبية الأحوال لا تقوم بعمل الإشبين تمامًا. تريح ضميرها بأنها قد سلمته إلى مدارس الأحد، لكي يقوم مدرس مدارس الأحد بعمل الإشبين. وفي الواقع أنه قد عُهد إليك من قِبَل أسرة الطفل ومن قِبَل الكنيسة بهذه المهمة.
فإدرس مهمة الإشبين، وكن أمينًا في أدائها.
[1] مقالة لقداسة البابا شنوده الثالث، الأمانة في الخدمة، مجلة الكرازة 26 أبريل 1996




