مفهوم القوة

في هذه العظة، يتأمل قداسة البابا شنوده الثالث في مفهوم القوة الحقيقي من منظور روحي وإنساني. يوضح أن القوة ليست في الجسد أو السلطة، بل في العلاقة بالله وفي القوة الداخلية التي يهبها الروح القدس للمؤمن. القوة الحقيقية لا تأتي من الإنسان، بل من الله الذي هو مصدر كل قوة حقيقية.
المحاور والتلخيص:
-
الله هو مصدر القوة:
-
الله نفسه قوي، لذلك نقول في التقديسات: «قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت».
-
القوة كلها لله وحده: «لأن لك القوة والمجد إلى الأبد».
-
لذلك يقول الكتاب: «أحبك يا رب يا قوتي» (مزمور 18).
-
قوتنا إذن ليست فينا، بل في الله: «أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني».
-
-
القوة من روح الله:
-
كما قال الرب لزربابل: «لا بالقدرة ولا بالقوة، بل بروحي قال رب الجنود» (زكريا 4:6).
-
فالقوة ليست بشرية بل روحية، إذ يعمل روح الله فينا.
-
الرسل حين صنعوا المعجزات قالوا: «ليس بقوتنا أو تقوانا جعلنا هذا الرجل يمشي»، بل بقوة الله.
-
-
أنواع القوة:
ليست القوة العضلية وحدها هي المطلوبة، بل هناك أنواع أعمق وأسمى من القوة:أ. القوة العضلية:
-
مثل قوة شمشون، لكنها لم تنفعه حين ضعف أمام التجربة، لأنه فقد قوة النذر والطهارة.
-
الدرس: القوة الجسدية وحدها لا تضمن النصرة إن لم تكن مسنودة بالقوة الروحية.
ب. قوة الشخصية والعقل:
-
قوة الفكر، والذكاء، وسرعة البديهة، والإقناع، والحجة والمنطق.
-
لكن حتى هذه القوة تحتاج أن تُقاد بروح الله لتكون للبنيان لا للكبرياء.
ج. قوة الأعصاب والاحتمال:
-
الشخص القوي هو الذي يملك أعصابه في الغضب، ويحتمل المتاعب والضيقات.
-
كما قال بولس الرسول: «اكتب إليكم أيها الأقوياء لكي تحتملوا ضعف الضعفاء» (رومية 15:1).
-
القوي الحقيقي لا يثور بسرعة، بل يضبط نفسه مثل جبل لا تهزه العواصف.
د. قوة الإرادة وضبط النفس:
-
الإرادة الثابتة هي التي تُنفذ ما تعزم عليه.
-
وضبط النفس هو القدرة على كبح الرغبات، الغضب، والكلام.
-
من يضبط نفسه في الأمور الصغيرة (كالطعام)، يستطيع أن يضبطها في التجارب الكبرى.
هـ. قوة النفس:
-
النفس القوية لا تخاف ولا تنهار أمام المشاكل.
-
كما قال داود: «إن قام علي جيش فلن يخاف قلبي، وإن قام علي قتال ففي هذا أنا مطمئن».
-
الشهداء مثال للنفس القوية التي لم تضعف أمام الألم أو الإغراء.
و. قوة الروح:
-
الروح القوية تقاوم الخطيئة حتى الدم، ولا تستسلم للحروب أو الخداع أو الإغراء.
-
قال بولس للعبرانيين: «لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية».
-
القوة الروحية تنتصر على الجسد والعالم والشيطان.
ز. القوة الداخلية:
-
هي جوهر العظة: أن يكون الإنسان قويًا من الداخل، حتى لو بدا ضعيفًا من الخارج.
-
القوي هو من ينتصر على نفسه لا على الآخرين.
-
قال أحد القديسين: «القوة التي فيك أعطيت لك لتغضب على نفسك حين تخطئ، لا على الناس.»
ح. قوة التأثير:
-
الشخص القوي يستطيع أن يؤثر في غيره بالكلمة، بالمحبة، وبالقدوة.
-
الكلمة الخارجة من قلب قوي بالإيمان تكون «حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين».
ط. قوة الصلاة:
-
الصلاة القوية تحرك السماء، مثل صلاة الرسل التي تزلزل المكان.
-
ليست كل صلاة قوية، بل التي تخرج من قلب ممتلئ إيمانًا وثقة بالله.
ي. قوة المحبة:
-
كما قال الكتاب: «المحبة قوية كالموت».
-
محبة المسيح التي احتملت ضعف تلاميذه هي أعظم صور القوة.
-
المحبة الحقيقية تحتمل كل شيء ولا تسقط أبدًا.
ك. قوة الإيمان:
-
الإيمان الذي لا يتزعزع أمام التجارب.
-
بطرس ضعف حين خاف الموج، فقال له الرب: «يا قليل الإيمان، لماذا شككت؟»
-
الإيمان القوي يشق البحر، يقيم الموتى، ويصنع المعجزات.
-
-
مصادر القوة في الإنسان:
-
المصدر الرئيسي هو الروح القدس: «ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم».
-
القوة تأتي من العلاقة القوية بالله، ومن الإيمان والثقة فيه.
-
الإنسان الذي علاقته بربنا ضعيفة، يسقط أمام أبسط تجربة.
-
أما من يتكل على الله، فيستطيع أن يقول: «قوتي وتسبحتي هو الرب وقد صار لي خلاصًا.»
-
الخلاصة الروحية:
القوة الحقيقية ليست في الجسد، ولا في المنصب، ولا في الغنى، بل في الله الساكن في القلب.
القوي هو الذي ينتصر على نفسه، ويضبط لسانه، ويحب رغم الجرح، ويؤمن رغم العاصفة.
القوة ليست في أن تغلب غيرك، بل في أن تغلب ذاتك.
🌿 اقتباس ذهبي:
«القوي هو الذي ينتصر على نفسه، وليس الذي ينتصر على الآخرين.»


