مفهوم الطموح

يتأمل قداسة البابا شنوده الثالث في هذا الحديث العميق مفهوم الطموح في الحياة المسيحية، موضحًا أن الطموح في ذاته ليس خطأ، بل هو فضيلة إذا كان في الاتجاه الروحي الصحيح، وسلوك متزن يقود الإنسان إلى الكمال الذي دعا إليه المسيح حين قال: «كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل».
الطموح هو صورة من صور اشتياق الإنسان إلى غير المحدود، لأن الله خلقه على صورته، والله غير محدود. ولكن الخطر أن يتحول الطموح إلى كبرياء أو طمع أو تنافس أناني، فينحرف عن هدفه السماوي.
المحاور والتلخيص:
-
الطموح فطرة مقدسة في الإنسان:
الإنسان خُلق على صورة الله، ولأن الله غير محدود، فإن في داخله شوقًا دائمًا إلى التقدّم والنمو. لذلك الطموح في ذاته صفة طبيعية مقدسة، بشرط أن يسير في الطريق السليم. -
الطموح الروحي والطموح العالمي:
-
الطموح الروحي: هو السعي نحو الكمال والفضيلة، نحو الله ذاته، كما قال بولس الرسول: «أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدام، أسعى نحو الغرض».
-
الطموح العالمي: هو السعي وراء المال أو اللذة أو المجد الباطل، كما فعل الغني الغبي وسليمان في انحرافه، أو الذين بنوا برج بابل حبًا في العظمة.
-
-
الطموح الخاطئ أصله الكبرياء:
أول طموح خاطئ كان طموح الشيطان حين قال: «أصعد إلى السماء وأصير مثل العلي»، ومنه سقط آدم وحواء. فالطموح الذي يتعدى حدود الإنسان يتحول إلى سقوط وغرور. -
الفرق بين الطموح والغرور:
الطموح الصحيح هو أن تسعى نحو الكمال بإيمان واتضاع، أما الغرور فهو أن تظن في نفسك القدرة على كل شيء. الطموح بدون اتضاع يقود إلى الكبرياء والسقوط. -
الطموح والطمع:
يجب أن يُفصل الطموح عن الطمع. فالطموح هو التقدّم في الخير، أما الطمع فهو عدم الاكتفاء والرغبة المستمرة في المزيد المادي بلا شبع، كما قال سليمان: «كل الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن». -
الطموح الروحي الصحيح:
هو أن يمتد الإنسان في محبة الله، ويزداد التصاقًا به، وينمو في الصلاة، والخدمة، والاتضاع، والقداسة، دون أن يقارن نفسه بأحد أو ينافس أحدًا. -
مقاييس الطموح الروحي تختلف عن مقاييس العالم:
العالم يطمح في أن يكون الأول، أما الطموح الروحي فهو أن يكون الإنسان الأخير والعبد للجميع مثل يوحنا المعمدان الذي قال: «ينبغي أن ذاك يزيد وأني أنا أنقص». -
الطموح مع التواضع:
القديسون رغم بلوغهم درجات عالية كانوا دائمًا يقولون: “نحن عبيد بطالون”. فكلما نما الإنسان روحيًا، ازداد إحساسه بعدم استحقاقه، واتضاعه أمام الله. -
التوازن بين الطموح والقناعة:
لا يوجد تناقض بين الطموح والقناعة؛ فالقناعة في الأمور المادية، والطموح في الروحيات. فكلما زادت القناعة بالماديات، ازداد الإنسان طموحًا في الروحيات. -
الطموح العملي المتزن:
يجب ألا يضيع الطموح في العمل أو العلم أو الخدمة الوقت المخصص للعائلة أو العلاقة بالله. الطموح الصحيح هو المتوازن الذي لا يُلغي غرضًا من أجل آخر. -
الطموح نحو الكمال النسبي:
الكمال المطلق لله وحده، لكن الإنسان مدعو إلى الكمال النسبي، أي النمو المستمر في محبة الله والفضيلة دون توقف أو اكتفاء. -
خلاصة روحية:
الطموح الحقيقي هو السعي نحو الاتحاد بالله، والنمو في محبته دون مقارنة أو منافسة، في تواضع وشكر دائم. أما الطموح العالمي فهو انحراف عن الطريق وضياع للنفس.


