مشاهير الأمهَات وتحية للأمومة والأمهات في عيد الأم

مَشَاهير الأمهَات
وتحية للأمومَة والأمهَات في عيد الأم[1]
أود أن أتكلم اليوم عن المرأة والأم، وكل سنة والأمهات طيبات جميعًا. لولا الأمهات ما كنا قد أتينا، فلهن الفضل علينا.
إن إكرام الأم واجب مقدس. كإحدى الوصايا العشر: “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِتَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ” (خر20: 12) وأضاف القديس بولس الرسول إن هذه “أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ” (أف6: 2).
في إكرام الأم نذكر كم تعبت الأم في ولادة كل ابن لها، وقبل ولادته أيضًا الحمل به، فكانت تغذيه من دمها وجسمها، فأخذ كل جسمه منها. وكانت تتغذى لتغذيته معها. ثم تعبت في إرضاعه بعد أن ولدت. وظلت تتعب في تنظيفه والعناية به وبالأمور المتعلقة بصحته. ثم ظلت تحمله على صدرها، حتى صار يحبو على الأرض. واستمرت تحمله أو تجره معها. ولا ننسى أن الأم كانت إشبينة ابنها في المعمودية، وهي التي حملته وقدمته للعماد.
والعلاقة بالأم هي أول علاقة الإنسان في حياته:
منذ رضاعته وهو يتطلع إلى وجهها، بينما هي تبتسم في وجهه وتداعبه. لذلك فإن عرضوا عليه أعظم ملكات العالم بدلًا من أمه، يختار أمه، لأنها مصدر الحنان بالنسبة إليه.
والمفروض أن الأم كما تعبت من أجله، يتعب هو لأجلها. وكما اهتمت به، يهتم بها. وكما حملته في صغره، يحملها هو عندما تكبر، يحمل عنها التعب، ولا يكون ثقلًا عليها. وإلا يكون ناكرًا لجميلها. ونتذكر أن السيد المسيح كان محبًا لأمه العذراء ومخلصًا لها. ويقول إنجيل لوقا إنه كان خاضعًا لها (لو2: 51). والعذراء أيضًا تعبت لأجله. وبسببه رضيت أن تصير أمًا. ومن أجله تغربت في مصر وعاشت فيها ثلاث سنوات ونصف. وظلت تهتم به. ولا ننسَى أنها نفذت الشريعة به من حيث هو البكر، وقدمت ذبيحة عنه فرخيّ حمام كما أمر موسى النبي (لو2: 22، 23).
فأول أم نكرمها في عيد الأم هي القديسة العذراء مريم…
وأول معجزة قام بها السيد المسيح في عرس قانا الجليل، أجراها بسبب طلب أمه، مع أنه كان لا يريد أن يُظهِر لاهوته وقتذاك. ولكن الأم قالت له إن أولئك القوم محتاجون، فنفذ لها طلبها وأعطاهم ما يحتاجونه (يو2: 1- 11).
وظلت القديسة العذراء تتبع السيد المسيح في خطواته، ووقفت إلى جواره عند الصليب، وهي تقول له – حسب صلواتنا ـــ “أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص أما أحشائي فتلتهب بالنار عند نظري إلى صلبوتك الذي أنت صابر عليه يا ابني وإلهي”. كما قال عنها سمعان الشيخ: “يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ” (لو2: 35).
والسيد المسيح قال سبع كلمات على الصليب منها اثنتان خاصتان بأمه. فقد اهتم بها أثناء صلبه، وقال لتلميذه يوحنا: “هُوَذَا أُمُّكَ” وقال لها عن يوحنا: “هُوَذَا ابْنُكِ” (يو19: 26، 27) فأخذها هذا التلميذ إلى خاصته…
كانت السيدة العذراء مع ابنها حتى دفن، وذهبت إلى قبره وشهدت قيامته:
وكما كانت أمًا للمسيح بالجسد، كانت أمًا روحية ليوحنا ولباقي الرسل أيضًا، وللكنيسة كلها كما نقول: “أمنا وسيدتنا القديسة العذراء”.
وكما نحتفل بالقديسة العذراء كأم لنا، نحتفل بالكنيسة المقدسة كأم:
وكما قال أحد القديسين: “لا يستطيع أحد أن يدعو الله أبًا، ما لم تكن له الكنيسة أمًا. فالكنيسة هي التي ولدتنا في المعمودية من الماء والروح. وهي التي أرضعتنا الأرثوذكسية وكل التعاليم الدينية. وهي التي أنشأتنا وسلمتنا الإيمان. ولولا الكنيسة ما كنا مؤمنين. والكنيسة هي التي تسلمنا الأسرار المقدسة كلها: تعمدنا، وتمنحنا الروح القدس، وتمنحنا الحِل والمغفرة من فم الكاهن، وتعطينا سر الإفخارستيا. وهي التي تقدس سر الزواج بصلواتها. وهي التي تصلي على المؤمن حينما يموت، وتودعه إلى السماء وتطلب له الرحمة.
وفي عيد الأم، نذكر أيضًا أُمنا حواء..
وللأسف الشديد، كثيرون لا يذكرون عن جدة البشرية كلها سوى خطيئة حواء!!… عجبًا ما هذا الجحود في عيد الأم بأمنا حواء…!
حواء أمنا التي خلقها الله على صورته ومثاله. وباركها وقال لها ولأبينا آدم: “أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا” (تك1: 28).
أمنا حواء كانت بسيطة جدًا وبريئة حينما خلقها الله. واستغلت الحية براءتها وبساطتها، وكذبت عليها وخدعتها. ولم تكن حواء في ذلك الوقت تعرف ما الكذب ولا الخداع، ولا صلة لها بهما. ولا تعرف مكر الحية. ومع ذلك فقد عاقب الرب حواء، ولكنه قال في نفس الوقت إن نسلها سوف يسحق رأس الحية (تك3: 15).
وطبعًا حواء هي الجدة الكبرى للسيد المسيح، نيح الله نفسها في فردوسه. ولولاها ما كنا جميعًا. وقد تألمت كثيرًا حينما أحد ابنَيْها قتل أخاه… وتألمت قبل ذلك من لوم الله لها، ومن طردها من الجنة. ولكنها عندما ولدت بعد قايين وهابيل “شيث” وهذا ولد “أنوش” “حِينَئِذٍ ابْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِاسْمِ الرَّبِّ” (تك4: 26). وأولادهم دعوا “أَبْنَاءَ اللهِ”
(تك6: 2).
ومن الأمهات القديسات نذكر أم مارمرقس الرسول، التي صار بيتها أول كنيسة في المسيحية (أع12: 12). كما أنه في بيتها كان السيد المسيح قد غسل أرجل تلاميذه، وتحدث معهم حديثًا طويلًا، وأقام هناك أول عشاء رباني (يو13 ــــ 16). وفي هذا البيت حل الروح القدس على التلاميذ في يوم الخمسين (أع2).
ومن الأمهات القديسات اللائي ولدن أنبياء ورسلًا وكهنة:
يوكابد التي كان من أولادها موسى النبي، وهارون أول رئيس كهنة، ومريم التي كانت نبية وهي التي قادت التسبيح وقت العبور، وهي تحمل الدف بيدها، وجميع النساء وراءها (خر15: 20). وهنا أذكر قول ذهبي الفم:
“إن الأم لا تصير أمًا بولادة البنين، إنما بتربية البنين”.
- ولا ننسى أم ابنيّ زبدي “يعقوب ويوحنا” وكانا رسولين من الاثني عشر وأم بطرس واندراوس، وكانا أيضًا رسولين من الاثني عشر.
- لا ننسى أيضًا أم القديس باسيليوس الكبير وأولادها الأربعة القديسين: القديس باسيليوس رئيس أساقفة قيصرية كبادوكية، والقديس غريغوريوس أسقف نيصص، والقديس بطرس أسقف سبسطية، وأختهم القديسة ماكرينا التي صارت مرشدة روحية لأخوتها، وكانت أمًا روحية لهم. ولما تنيحت رثاها أخوها القديس غريغوريوس بمرثاة صارت كتابًا وطُبع.
- نسمع عن أم أخرى هي مونيكا أم القديس أوغسطينوس التي ضَلَّ ابنها في أول حياته وظلت تبكي عليه سنوات طويلة، حتى قال لها القديس أمبروسيوس أسقف ميلان: “إن ابن هذه الدموع لن يهلك” وفعلًا تاب ابنها، وتعمد وترهب وصار أسقفًا، ومنبعًا للروحيات… نشر كتاب اعترافاته وكتاب (مدينة الله). ودافع عن الإيمان ضد البلاﭼــيين والمونتانيين، وصار من أبطال الإيمان ومن قادة التأملات والروحيات في العالم بفضل صلوات أمه القديسة.
- ومن أمهات الأنبياء أيضًا أم صموئيل النبي التي كانت عاقرًا، وبكت أمام الرب، ونذرت إن أعطاها الله ابنًا تهبه للرب، وقد كان، فلما ولدت صموئيل، ما أن كَبُرَ حتى قدمته ــــ وهو ابنها الوحيد وقتذاك ــــ ليخدم الهيكل في شيلوه. وكبر صموئيل وصار النبي الذي مسح داود النبي ملكًا (1صم 16).
- كذلك لا ننسى أليصابات أم يوحنا المعمدان التي كانت عاقرًا ووهبها الله ابنًا. وامتلأت بالروح القدس لما سلمت عليها العذراء. وامتلأ ابنها بالروح القدس وهو في بطن أمه (لو1: 15).. وارتكض بابتهاج في بطنها (لو1: 44). وقال عنه السيد المسيح لما كبر: إنه “أَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ… لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ” (مت11: 9، 11). ولَقَبَهُ الكتاب بأنه “ملاك”.
- ومن الأمهات القديسات: سارة أم أبينا اسحق:
وقد كلمها الله، ووعدها بابن وهي عاقر (تك 18). وكانت عجوزًا في التسعين من عمرها. وكانت من أجمل النساء. وقد اشتهاها أبيمالك الملك وهي في سن الثمانين تقريبًا، وظهر له الله في حلم وبَكَّتَهُ، فلم يمسها (تك20: 2، 7).
- وكذلك رفقة أم أبينا يعقوب وأخيه عيسو: وكانت عاقرًا. وهذه أيضًا كلمها الله، وقال لها: “فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ” (تك25: 23). وهي التي نصحت ابنها يعقوب أن يهرب لحياته من أخيه عيسو (تك27: 43).
وفي كلامنا عن الأمهات القديسات نذكر أم القديس تيموثاوس وجدته:
وتيموثاوس هذا كان أسقفًا لأفسس، وقد كتب له القديس بولس الرسول يقول: “أتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أوَّلًا فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ افْنِيكِي” (2تي1: 5). وهنا أذكر أنني عندما زرت روسيا سنة 1972 أعجبت جدًا بالأمهات والجدات اللائي كن مباركات بالحقيقة. وهن اللائي علمن الأطفال الإيمان وأعددتهم للمعمودية، بينما كان الرجال لا يصرحون بإيمانهم أثناء الحكم الشيوعي.
من بين الأمهات القديسات نذكر أمهات الشهداء، والأمهات الروحيات:
- فمن أمهات الشهداء نذكر الأم دولاجي التي على اسمها تتجدد حاليًا كنيسة في إسنا، والأم رفقة في سنباط، والأم يوليطة أم القديس قرياقوص. نذكر الأم التي ذبحوا أبناءها على حجرها وهي تشجعهم بأن لحظة ستمر ويجدون أنفسهم مع المسيح، واستشهدت هي أيضًا.
- ومن الأمهات الروحيات نذكر أمهات الرهبنة مثل القديسة دميانة التي كانت مرشدة لأربعين راهبة واستشهدت معهن… والأم كاترين في سيناء. والأم سارة التي كان يسترشد بها رهبان الإسقيط ويكشفون لها أفكارهم، فتقول لهم: بالحقيقة أنكم إسقيطيون. ما فيكم من الفضائل تخفونه. وما ليس فيكم من النقائص تنسبونه لأنفسكم”.
- نذكر أيضًا القديسة ميلانيا التي كانت مرشدة للقديس مار أوغريس وقادته للتوبة والرهبنة. والقديسة بوستوخيوم التي صارت رئيسة لدير في أورشليم وكتب لها القديس جيروم رسالته العشرين.
وأمها التي كانت رئيسة الدير قبلها بعد ترملها.
بركة جميع هؤلاء الأمهات تكون معنا.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة والثلاثون – العددان 11، 12 ( 30-3-2007م)




