السيد المسيح مع تلاميذه اربعين يوما بعد القيامة

السيد المسيح مع تلاميذه1
أربعين يومًا بعد القيامة
هي أيام فرح بالرب. بدأت بمعجزة، وانتهت بمعجزة. بدأت بمعجزة القيامة، وانتهت بمعجزة الصعود. وكل من هاتين المعجزتين تدل على لاهوت الرب. وبين هاتين المعجزتين توجد معجزات أخرى كثيرة منها:
أ) دخول السيد المسيح من الأبواب المغلقة على التلاميذ. كما ورد في (يو20: 19، 26). وهي معجزة تدل على أن جسد القيامة كان جسدًا ممجدًا، لا تستطيع أن تعترضه العوائق المادية، تمامًا كما خرج من القبر في معجزة القيامة، والقبر مغلق.
ب) معجزة أخرى، وهي أنه كان يظهر فجأة ويختفي فجأة. أحيانًا يجدونه ماشيًا معهم أو واقفًا في وسطهم، كما حدث مع تلميذي عمواس (لو24: 15)، ومع التلاميذ الأحد عشر (لو24: 36)، ومع التلاميذ السبعة على شاطئ بحر طبرية (يو21: 4).
جـ) يضاف إلى هذا، أنه كان يخفي عنهم معرفته حينًا، ويظهرها لهم حينًا آخر، كما فعل مع تلميذي عمواس (لو24: 16، 31) “أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ” ثم “انْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ”. وكما حدث أيضًا مع مريم المجدلية (يو20: 14، 16). ونفس الأمر حدث للتلاميذ عند شاطئ طبرية (يو21: 4، 7).
د) معجزة رابعة وهي صيد السمك الكثير: حينما قال لهم: “أَلْقُوا الشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ الأَيْمَنِ فَتَجِدُوا. فَأَلْقَوْا، وَلَمْ يَعُودُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْذِبُوهَا مِنْ كَثْرَةِ السَّمَكِ… إذ كانت “مُمْتَلِئَةً سَمَكًا كَبِيرًا، مِئَةً وَثَلاَثًا وَخَمْسِينَ” (يو21: 6، 11). وهكذا قال يوحنا: “هُوَ الرَّبُّ” (يو21: 7).
ه) ويمكن أن نضيف إلى معجزات تلك الفترة: ظهورات ملائكة القيامة وتبشيرهم لكل من زار القبر، وكذلك معجزة الأكفان التي خرج منها السيد المسيح، والمنديل الموضوع وحده في ناحية داخل القبر، مما جعل بطرس ويوحنا يؤمنان بالقيامة (يو20: 6–9).
وفي قيامة المسيح، وفّى بوعده لتلاميذه ففرحوا جدًا بلقائه.
كان قد قال لهم قبل صلبه: “بَعْدَ قَلِيل لاَ تُبْصِرُونَنِي، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيل أَيْضًا تَرَوْنَنِي” (يو16:16). وقال لهم أيضًا: “وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ” (يو16: 22). وهكذا قيل في الإنجيل، عندما وقف المسيح في وسط تلاميذه بعد القيامة:
“فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوْا الرَّبَّ” (يو20:20).
وهم لم يروه فقط، وإنما “أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ” (أع1: 3). ولهذا تعتبر هذه الأيام أيام فرح، لا مطانيات فيها ولا صوم، لأنه “.. مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَصُومُوا” (مر2: 19).
وإذ فرح التلاميذ بوفاء وعده لهم، وثقوا تمامًا بوفاء كل وعوده أيضًا.
سواء الوعود التي قالها لهم قبل صلبه، أو ما قاله لهم بعد قيامته. وبخاصة وعوده عن إرسال الروح القدس لهم، وما سيمنحه لهم من قوة لكي يشهدوا له (أع1: 8). ووعوده لهم بمواهب الشفاء وبعناية الرب لهم (مر18،17:16). إذ قد ظهرت لهم قوة الرب في قيامته، كما ظهر صدق وعوده.
نلاحظ أيضًا أن الرب في ظهوره لتلاميذه، كان يختار الأشخاص الذين يظهر لهم، ومكان الظهور وموعده.
هو الذي حدد بنفسه لمن يظهر: لمريم المجدلية، لبطرس، لتلميذي عمواس، للأحد عشر، لتوما، للسبعة تلاميذ، ليعقوب. وفيما بعد لشاول الطرسوسي، ولأكثر من خمسمائة أخ (1كو15: 5–8).
ومن جهة المكان، ظهر عند القبر للمريمتين، ثم لمريم المجدلية. وأيضًا في الجليل حسبما قال للمريمتين: “اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي” (مت28: 10، 16). كما ظهر أيضًا في العلية (يو20: 19) وعند شاطئ طبرية (يو21: 1). وفي الطريق كما ظهر لتلميذي عمواس (لو24: 15). وكل ذلك في الموعد الذي اختاره هو. وهذا كله يذكرنا بقول الكتاب: “.. لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ” (لو17: 20).
نحن لا نعلم متى يفتقدنا الرب بنعمته، وبرحمته؟ ومتى يعمل روحه القدوس فينا، وكيف؟ متى يتكلم في قلوبنا، ومتى يوجه إرادتنا؟ ومتى يمنحنا قوة من عنده؟ كل هذا لا يمكن أن يخضع لمراقبة منا. إنما فجأة، وفي وقت لا نتوقعه، نجد الرب معنا في العلية والأبواب مغلقة، ونسمعه يقول: “سَلاَمٌ لَكُمْ” (يو20: 19). وفي وقت ما كان يتوقعه شاول الطرسوسي، يجد نورًا أبرق حوله، وصوت الرب يقول له: “… شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟” (أع9: 4). كذلك في وقت ما كان يتوقعه صموئيل الطفل، وفي سن لم تكن منتظرة، ينادي الرب هذا الطفل، ويحمّله رسالة لعالي الكاهن (1صم4:3-14).
هكذا ظهر الرب لتلاميذه في لقاءات متعددة، وعلى مدى أربعين يومًا.
كما كان الرب أيضًا مع موسى النبي على الجبل يسلّمه الوصايا التي كتبها له، والوصايا غير المكتوبة. وأيضًا كان ذلك في مدى أربعين يومًا. ولعل الرقم 40 له رموزه. فالرقم 10 يرمز لوصايا الرب، والرقم 4 يرمز إلى جهات الأرض الأربع. فكان 4×10 ترمز إلى نشر وصايا الله في جميع أرجاء المسكونة. وصاياه لموسى وللرسل…
لم يظهر السيد المسيح للكل، ولكن لتلاميذه الذين يأتمنهم على حمل رسالة.
لم يظهر لحنان أو قيافا، ولا لهيرودس أو بيلاطس، ولا للكهنة والكتبة والفريسيين ورؤساء اليهود. فهؤلاء ما كانوا يستجيبون، بل قد انشغلوا بدفع الرشاوى للجند واضعين كلمة كذب في أفواههم. كذلك انشغلوا بمحاربة القيامة، واضطهاد مَن ينادى بها. كل أولئك كان ينطبق عليهم قول أبونا إبراهيم: “وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ” (لو16: 31).
ظهر السيد المسيح لرسله، وللمرأة أيضًا.
فقد رفع من شأن المرأة، وجعل لها رسالة في المجتمع، وعملًا في الكنيسة. جميل قول إنجيل مار مرقس “وَبَعْدَمَا قَامَ بَاكِرًا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ ظَهَرَ أَوَّلاً لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ…” (مر16: 9).
ظهر لها مع مريم الأخرى فيما هما منصرفتان من عند القبر “وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكُمَا». فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ. فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: لاَ تَخَافَا. اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي” (مت28: 9، 10). وظهر للمجدلية مرة أخرى وهي تبكي خارج القبر (يو20: 14). وعزاها، وأعطاها خبرًا توصله إلى تلاميذه “فَجَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَأَخْبَرَتِ التَّلاَمِيذَ أَنَّهَا رَأَتِ الرَّبَّ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا هذَا” (يو20: 18).
وكانت فترة الأربعين يومًا للرب مع التلاميذ، فترة تعليم وتفهيم وتسليم.
سلمهم فيها “.. الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ” (أع1: 3). بل سلمهم كل الأمور الخاصة بالرموز في العهد القديم. يقول الإنجيل في لقائه مع تلميذي عمواس “ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ” (لو24: 27). لا شك أنه كنز من المعلومات، هذا الذي قاله لهما الرب. ولكن معلمنا لوقا الإنجيلي لم يكتبه لنا… وفي لقائه مع الأحد عشر قال لهم: “.. أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ. حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” (لو24: 44، 45).
يا إخوتي، يحدث لي أحيانًا أن أعاتب معلمنا القديس العظيم لوقا الإنجيلي، وأقول له: لماذا يا سيدي لم تكتب كل ذلك لنا؟!
ذخيرة المعلومات العجيبة العميقة الإلهية هذه، التي فتح بها الرب أذهان تلاميذه، وفسّر لهما الأمور المختصة به في ناموس موسى والأنبياء والمزامير. ولكنني أعود وأسحب عتابي، حينما أتذكر قول الرب لتلاميذه: “اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ… وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ..” (مت28: 19، 20). ولقد أطاع الرسل ما قاله لهم الرب، وعلمونا جميع ما أوصاهم به الرب، وما فسّره لهم الرب…
البعض ذكروه في رسائلهم، والبعض في كتب تعاليمهم وقوانينهم. ولكن ماذا عن الذي لم يكتبوه؟ أو الذي قال عنه يوحنا الرسول مثلًا: “إِذْ كَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَ إِلَيْكُمْ، لَمْ أُرِدْ أَنْ يَكُونَ بِوَرَق وَحِبْرٍ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ وَأَتَكَلَّمَ فَمًا لِفَمٍ” (2يو12) (3يو13، 14).
كل ذلك وصل إلينا في حياة الكنيسة وتقاليدها. وبهذا نستعيد ما قاله الرب حينما فتح ذهنهم…
لقد فسّر لهم من أول موسى… من أول سفر التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية.
لعله بدأ معهم رموز قصة الخلاص من أول نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية (تك3: 15). ثم سلسلة الذبائح والمحرقات من أول هابيل الصديق (تك4:4). وقصة خروف الفصح الذي افتدى الأبكار، وقول الرب عنه: “فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ” (خر12: 13). هذا الذي قال عنه بولس الرسول فيما بعد: “.. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا” (1كو5: 7).
كل الذبائح كانت ترمز إلى المسيح في هذه العبارة. بريء يحمل خطايا مذنب، ليموت بدلًا منه.
فالحيوان الذي يذبحونه حيوان بريء، يضع الخاطئ يده عليه ويعترف بخطاياه. فيحمل هذا الحيوان ذنوب الخاطئ، وينوب عنه في الموت، “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ” (رو6: 23). “وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ” (عب9: 22). ولعل في كل ذلك شرح لهم رموز المحرقة، وذبيحة الخطية، وذبيحة الإثم، وذبيحة السلامة.
وأيضًا رموز الأشخاص إليه مثل إسحاق الذي يرمز إلى ذبيحة الابن الوحيد، ويوسف الذي باعه إخوته. وداود الذي قال: “أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ” (مز69: 4) والذي قال: “.. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ، أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي” (مز22: 16).. وما أكثر الإشارات التي تدل عليه في المزامير مثل “قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ” (مز110: 1). وأيضًا “أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ” (مز110: 4).
ولعله شرح الله النبوءات التي وردت عنه…
وبخاصة في سفر إشعياء النبي الذي يسمونه “النبي الإنجيلي”، الذي تنبأ عن ولادة السيد من عذراء (إش7: 14). والذي تحدث عن لاهوته (إش9: 6). وتنبأ أيضًا عن آلامه وعن فدائه للبشرية، بقوله: “كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا” (إش53: 6).
كذلك الرموز الأخرى التي ترمز إليه.
مثل يونان النبي في بطن الحوت، ومثل الحية النحاسية (يو3: 14). ومثل المنّ الذي نزل من السماء (يو6). بل ما يرمز إلى أمه العذراء أيضًا من حيث علاقتها به: كالمجمرة الذهبية التي تحمل الجمر داخلها، وكالعليقة المشتعلة بالنار ولا تحترق (خر3: 2). ويعوزنا الوقت إن ذكرنا كل ذلك وغيره مما ذكره الرب بلا شك لتلاميذه. وأيضًا في فترة الأربعين المقدسة، لا بد أنه سلمهم كل عقائد الكنيسة وطقوسها.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 2-5-1993م



