الرهبنة وذكرى القديس الأنبا شنوده والدير الأبيض

الرهبنة1
وذكرى القديس الأنبا شنوده والدير الأبيض
الرهبَنة
الرهبنة كانت حلمًا روحيًا رأته البشرية في القرنين الرابع والخامس، ثم استيقظت فإذا الوضع قد تغير كثيرًا عن ذي قبل. كانت الرهبنة حياة وحدة كاملة، وحياة صلاة دائمة وتأمل، وحياة نسك شديد، وبُعد كامل عن العالم ومن فيه. قال عنها أحد الآباء إنها “انحلال من الكل للارتباط بالواحد” أي أنها انحلال من كل شيء، ومن كل رغبة عالمية، ومن كل ارتباط بالعالم، للارتباط بالواحد الذي هو الله…
– وهكذا عاش القديس الأنبا بولا طيلة حياته في الوحدة لا يرى وجه إنسان، إلى أن أرسل له الله في آخر حياته القديس الأنبا أنطونيوس، فعرف منه سيرته وكفّنه، وكتب حياته للعالم فعرفه…
– والقديس الأنبا أنطونيوس أبو الرهبنة وجميع الرهبان عاشوا أيضًا حياة الوحدة الكاملة حوالي ثلاثين عامًا، إلى أن اقتحم البعض عليه وحدته وطلبوا إرشاده، وبدأ يتتلمذ عليه كثيرون، منهم قادة الرهبنة الأول. ومع أن هذا القديس العظيم عاش من العمر 105 عامًا، إلا أنه لم يخرج من وحدته إلا مرتين: إحداهما كان يشجع فيها المقبلين على الاستشهاد، ولم يسمح له الرب أن يكون شهيدًا لأنه أراده للحياة الرهبانية أبًا ومرشدًا. والمرة الثانية طلبه القديس أثناسيوس الرسولي أثناء الصراع الأريوسي ليسنده بشهادته لتعليمه ولم يكن الناس ينتظرون منه شرحًا لاهوتيًا، إنما يكفي أن يؤيد بقداسته تعليم القديس أثناسيوس. وقضى القديس أنطونيوس ثلاثة أيام في هذه الرحلة، ثم عاد إلى وحدته كما يقول التاريخ “كغريب يلتمس وطنه”. وهنا أعجب كيف كان القديس الأنبا أنطونيوس يصعد إلى مغارته وينزل وهو في المائة من عمره..
على أن الرهبنة شملت ـــــ من عهدها الأول ــــ أنظمة وتطورات.
كان نظام القديس مكاريوس يجمع بين الوحدة والتلمذة الروحية. فكان الرهبان يقضون الأسبوع في وحدة، وفي آخره يجتمعون معًا في مساء السبت، ويقدم الأخوة أسئلتهم ويجيب عليها الشيوخ. ويصلي الجميع معًا في قداس الأحد ويتناولون من الأسرار المقدسة، ثم ينصرفون كل منهم إلى وحدته، وكان منهم من يحتفظ بالصمت مثل القديس أرسانيوس الذي سأله أحد الآباء القديسين “لماذا لا تتحدث معنا يا أبتاه؟” فأجاب “يعلم الله أنني أحبكم جميعًا، ولكنني لا أستطيع أن أتكلم مع الله والناس في نفس الوقت”. وكان منهم القديسان مكسيموس ودوماديوس يعيشان في مغارة. كما كان القديس أرسانيوس مرشدًا للرهبان. وكان القديس الأنبا موسى الأسود يخدم الرهبان بمحبته وقدوته.
وعرفت الرهبنة نظام الآباء السواح. أولئك الذين كانوا يسيحون في الجبال عشرات السنوات لا يراهم أحد. ثم يرسل الله لهم في أواخر حياة كل منهم من يتعرف عليه ويكتب سيرته ويكفّنه.
أول السواح كان القديس الأنبا بولا. ومن أشهرهم القديس الأنبا كاراس السائح، والقديس أبا نفر السائح، والقديس أنبا بيجيمي السائح، والقديس الأنبا ميصائيل السائح، وآخرون. وأيضًا القديسة مريم القبطية التائبة والسائحة التي استحقت أن تبارك الأنبا زوسيما القس، وهو الذي كتب سيرتها.
ولم يتحدث الرهبان عن حياتهم، ولم يدوّنوا أقوالهم. ولكن هناك من زاروا الآباء والأديرة، ونشروا أقوالهم وفضائلهم. من هؤلاء القديس بلاديوس الذي كتب مؤلفه المشهور إلى نبيل اسمه لاوسيوس باسم: Historia Lausiaca وترجم باسم “بستان الرهبان” وبالإنجيلزية Paradise Of the Fathers، وكذلك روفينوس الذي كتب عن آباء البرية Desert Fathers ومن أشهر من كتب عن الرهبنة والرهبان: يوحنا كاسيان الذي نشر كتابين له: أحداهما Institutes (المعاهد) وهو من 12 فصلًا: الأربعة الأول عن الرهبنة القبطية بصفة عامة، والفصول الباقية عن (المؤتمرات) فكانت عن لقاءات له مع بعض الرهبان الذين عاشوا وسط بحيرات الدلتا “في أماكن لا تصلح لسكنى الناس، لذلك صلحت لسكنى الرهبان”. وهذه اللقاءات تشمل موضوعات معينة غالبيتها لاهوتية أو عقائدية أو روحية تدارسها كاسيان معهم.
القديس جيروم كتب سيرة الأنبا بولا السائح، وسيرة القديس يوحنا الأسيوطي. أما سيرة القديس الأنبا أنطونيوس فكتبها القديس أثناسيوس الرسولي الذي كان يتتلمذ عليه وينتفع بإرشاداته.
- وكانت الرهبنة في عهودها الأولى بعيدة عن الكهنوت.
الأنبا أنطونيوس لم يكن كاهنًا. والأنبا باخوميوس هرب من القديس أثناسيوس عندما أراد أن يرسمه كاهنًا. وطبعًا جميع الآباء السواح لم يكونوا كهنة. والأنبا شنوده اعتذر عن رسامته أسقفًا. ويلاحظ أن الكنيسة اختارت الشماس أثناسيوس ليكون بطريركًا في حياة القديس الأنبا أنطونيوس الكبير. غير أنه بمرور الوقت احتاجت الأديرة إلى رسامة قس لأخذ اعترافات الرهبان ولصلاة القداس. وهكذا كان الأنبا إيسوذورس قسًا، ورسم الأنبا موسى الأسود قسًا. وكان القديس مكاريوس قسًا بتولًا قبل رهبنته…
- دخل في الرهبنة نظام آخر هو حياة الشركة.
ويعتبر القديس الأنبا باخوميوس أبًا لحياة الشركة، حيث يجتمع مئات الرهبان في دير واحد، يصلّون معًا، ويتناولون الطعام معًا. ويكون لكل منهم وظيفته أو عمله في الدير. وقد أسس القديس باخوميوس حوالي سبعة أديرة في أقاصي الصعيد، من إسنا وجنوبها، ساعده في تأسيسها تلميذه القديس تادرس. وهذه الأديرة كانت تقبل الضيوف أيضًا.
القديس الأنبَا شنودَه
- وُلد في قرية شندويل (من أعمال سوهاج)، وكان الابن الوحيد لوالديه. وكان أبوه فلاحًا، وعنده غنم عهد بها إلى أحد الرعاة ليرعاها. وهذا الراعي طلب منه أبنه شنوده أن يكون معه، فقبل ذلك ولكن اشترط أن يعود إليه كل يوم ولا يتأخر عن الغروب. وذهب الفتى شنوده مع الراعي فأجاب بأنه التزم بوعده لهم. ثم بدأ يتعقب هذا الفتى ليرى سبب تأخيره. فرآه واقفًا يصلي وقد رفع يديه، وأصابع يديه تتقد كأنها مصابيح متوهجة. فأعاده إلى والده وقال له “خذ ابنك لأنني لست مستحقًا أن يمكث معي”.
- بعد ذلك أخذه خاله بيجول، وكان رئيسًا لدير وبدأت تظهر قداسة هذا الصغير. فحدث أنه كان هناك شخص قد صرعه شيطان، فوضع شنوده يده عليه وانتهر الشيطان فخرج منه. وفي إحدى المرات كان نائمًا فرأى أنبا بيجول ملاكًا يحرسه. ثم حدث أن ملاكًا ظهر للأنبا بيجول وسلمه إسكيمًا ليلبسه لشنوده، فالبسه إياه وصار راهبًا. وسمع صوت من السماء يقول “اليوم أقيم شنوده أرشمندريت”.
- وبدأ الأنبا شنوده حياته الرهبانية بنسك شديد، وبأتعاب كثيرة وأصوام حتى قيل إن جسده قد جفّ وصار نحيلًا. وكان كثير المطانيات والصوام، وكثير البكاء أيضًا.. وحدث أن الأنبا بيجول تنيح، وتعين رئيس آخر يخلفه ولم يكن حازمًا تجاه الأخطاء التي وقع فيها بعض الرهبان، فوبخه الأنبا شنوده على ذلك. ولما لم يسمع له، ترك الأنبا شنوده الدير وعاش منفردًا في مغارة.
- ولما تنيح رئيس الدير، اختار الرهبان الأنبا شنوده ليكون رئيسًا. وهنا بدأ جزء جديد من حياته كرئيس دير.
كان القديس الأنبا شنوده حازمًا جدًا، وقد وضع قوانين للرهبان كما كتب رسائل ـــــ ووهبه الله أن يعرف أفكار من يأتون إليه. وكان دقيقًا جدًا في كلامه. وقال مرة ” إني لم أنطق كلمة من عندي لم يضعها السيد المسيح على فمي”. ووهبه الله أيضًا أن يصنع بعض معجزات، وقد ذكر تلميذه ويصا هذه المعجزات مما لا يتسع المجال حاليًا لسردها كلها، ولكننا سنقتصر على البعض.
كان القديس الأنبا شنوده يدافع عن الفقراء، وينتهر الأغنياء الذين لا يهتمون بهم، وبخاصة لأنه كان يعيش في عصر أقطاعي. كما كان يحب العدل ويدافع عن المظلومين، مرددًا بأن من يسمع صراخ المسكين ولا يستجيب، يصرخ هو أيضًا ولا يستجيب الرب له..
وحدث في وقت ما أن قبائل من التوبة هجموا على بعض قرى أخميم، ونهبوا مالها وسبوا أهلها. فلما عرف الأنبا شنوده ذلك، ذهب إليهم وتفاوض مع رئيس تلك القبائل أن يكتفي بما أخذه من مال، ويطلق هؤلاء الذين سباهم، فوافق على ذلك. وأخذ القديس الأنبا شنوده أولئك المسبيين واستضافهم في ديره، وكانوا حوالي عشرين ألفًا. وكان يقدم لهم المأكل والملبس ودفع لهم أجرًا كبيرًا. وكان ينفق 25 ألف درهم أسبوعيًا ثمنًا للخضروات التي يأكلونها، بالإضافة إلى الخضروات التي تنتجها مزارع الدير. واستمر في أضافتهم ثلاثة أشهر.
والعجيب أن بعضًا من هؤلاء الذين أعتنى بهم، كانوا يتذمرون قائلين ” لم نتعود على مثل هذا الطعام، ولا يريحنا هذا الفراش..”.
فلم يغضب عليهم القديس الأنبا شنوده ولم يطردهم. وإنما التمس لهم عذرًا وقال ” كلنا تحاربنا ضعفاتنا”.
- وفي إحدى المرات أتاه شخص فقيرًا، فأعطاه بذورًا ليزرعها، ونما الزرع واغتنى ذلك الشخص وصار من الأثرياء…
- وفي إحدى المرات أتاه تاجر شاكيًا أن بيته قد سُرق، فقال له القديس الأنبا شنوده: ” سر إلى ضواحي أسيوط، تجد ثلاثة أشخاص أحدهم يسّرح شعره فقل له إني أريده. وفعل التاجر ذلك ورأى الأشخاص الثلاثة فقال للذي يسُرح شعره: ” القديس الذي لما رآه، قال له ” يجب أن ترجع إلى التاجر ما نهبته من ماله، وإلا فإن الله سيعاقبك”. فأرجع إليه ماله ففرح التاجر بذلك…
وعُرفت قداسة الأنبا شنوده وذاع صيته. وكانت له أعمال أخرى، منها دافع عن الإيمان في عصره، ووقف ضد السحر والشعوذة وتصديق الخرافات، والاعتقاد بالطالع والحظ، وما يقوله البعض عن النحس. وكان يوبخ من يذهبون إلى العرافين والسحرة، ومن يعالجونهم بربط حوافز ذنب أو رأس أفعى أو أسنان تمساح، قائلًا لكل أولئك “لن تنفعكم مثل هذه الأمور”…
واهتم هذا القديس بمزارات الشهداء والقديسين متبعًا تعاليم القديس كيرلس الكبير الذي أقام مزارًا للقديس أباكير ويوحنا. وفي نفس الوقت وقف ضد الموالد وما يحدث فيها من أخطاء.
وكانت للقديس الأنبا شنوده علاقة طيبة مع الآباء البطاركة الذين عاصرهم، وكان يراسهم ويراسلونه بكل تقدير له. وقد أخذه القديس البابا كيرلس معه في ذهابه إلى مجمع أفسس لمقاومة
من هذا المجمع بأعجوبة معينة. ولما حرم المجمع نسطور، نفوه إلى أخميم قريبًا من الدير الأبيض للقديس الأنبا شنوده، لأن تلك المنطقة كانت عامرة بالتعليم السليم بسبب عظاته التي يحصرها الآلاف من الناس..
- وقد وهبه الله الانتقال من مكان إلى آخر بطريقة معجزيه. وسمع عنه الإمبراطور ثيودسيوس ورغب في مقابلته. وقد تمت تلك المقابلة بأعجوبة أخرى.
- وفي إحدى المرات سأله بعض عظماء من أخميم قائلين” هل يوجد في هذا الجيل من سيصير مثل الأنبا أنطونيوس؟ فأجابهم قائلًا “ولو اجتمع كل رهبان هذا الزمان، فلن يصنعوا أنطونيوس واحدًا.
- ويعتبر القديس الأنبا شنوده زعيمًا للأدب القبطي.
وقد تمكن جدًا من اللغة القبطية وقواعدها ومفرداتها. وعلى الرغم من معرفته للغة اليونانية، إلا أنه كان يتمسك باللغة القبطية الصعيدية، وكتب بها، وقيل إنه كان يهتم بتخليص اللغة القبطية من التأثيرات اليونانية. والمعروف أن القديس الأنبا شنوده كان له في تعليمه ووعظه أسلوب مؤثر جدًا، يتواصل فيه مع السامعين، سواء في الشرح أو التبكيت أو التحذير..
- أما عن كتاباته فتتوزع بين ثلاثة أقسام: القوانين التي وضعها للرهبان وهي في 9 مجموعات، والعظات أو التعليم وهي في 8 مجموعات، ثم الرسائل.. وقد فُقد الكثير من تراث الأنبا شنوده ولم يصل لنا سوى عشرة آلاف ورقة، وشذرات لحوالي 350 مخطوطة، بينما كانت مكتبته في الدير البيض في القرن الثاني عشر تضم حوالي 1000 مخطوطة.
- وحاليًا المخطوطات الباقية لنا منه، مبعثرة في متاحف العالم ومكتباته: مثل المكتبة الأهلية بباريس، والمعهد الفرنسي للآثار الشرقية، ومكتبة المتحف القبطي بالقاهرة، والمكتبة الأهلية في فينا، وفي المتحف المصري بمدينة تورين الإيطالية، وفي المتحف البريطاني. وحتى الآن تم التعرف على حوالي 148 من القوانين والعظات.
- وفي الواقع بدأ التعرف على القديس الأنبا شنوده، حينما نُشر في باريس كتاب الرحالة الألماني فانسليب سنة 1671م، وقد ذكر الديرين البيض والأحمر.
ثم ما نشره العالم الدنمركي Zoega في القرن 19.
ثم العالم الفرنسي اميلينو سنة 1907 حيث أصدر الجزء الأول من كتابات الأنبا شنوده مع ترجمة فرنسية. وبعده الجزء الثاني سنة 1914م.
وبعد ذلك مجهودات العالم الألماني ليوبولد وعالم القبطيات Crum ثم قام العالم الأمريكي Young بنشر نصوص أخرى. للقديس الأنبا شنوده مع ترجمة إنجليزية.
وفي سنة 2004م نشر البروفسور ستيفن إميل كل ما يتعلق بكتابات الأنبا شنوده الحبيسة في المتاحف وتنتظر من ينشرها.
- وفي الواقع أنه بعد الحملة الفرنسية والانتداب البريطاني، زاد ولع الأوربيين بالحضارة المصرية والقبطية. وانتشرت عملية شراء المخطوطات القبطية. وتفرقت كتابات الأنبا شنوده في المكتبات والمتاحف. وبقيت محاولة لتنظيم أوراق مخطوطات، وقد نظمها العالم ستيفن إميل مع جداول لكل عظة أو قانون على مدى 10 سنوات من سنة 1994 إلى 2004 برسالة دكتوراه له. ثم بدأ مشروع ترجمة مؤلفاته.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الخامسة والثلاثون – العدد 25، 26 27-7-2007م



