كيف تختلف قيامة المسيح

من العجيب أنه قد قيل عن السيد الرب في قيامته من الأموات إنه “صار باكورة الراقدين” (1كو15: 20) فكيف حدث ذلك؟ ألم يقم قبله كثيرون من الأموات؟
إيليا النبي أقام ابن أرملة صرفه صيدا (1مل17: 22) وإليشع النبي أقام ابن المرأة الشونمية (2مل4: 35). والسيد المسيح نفسه أقام كثيرين من الأموات، منهم ابنة يايرس، وابن أرملة نايين، ولعازر أخو مريم ومرثا. فكيف يُدعى المسيح باكورة الراقدين، وقد قام قبله كثيرون. في أي شيء تختلف قيامة المسيح عن قيامة غيره؟
كيف تختلف قيامة المسيح1
عن كل قيامة أخرى
إنها تختلف في أشياء كثيرة جوهرية منها.
1- أن السيد المسيح قام قيامة لا موت بعدها.
إن كل الذين قاموا قبل ذلك من الأموات، سواء أقامهم هو أو أحد الأنبياء، رجعوا فماتوا مرة أخرى. وهم ما يزالون راقدين ينتظرون القيامة العامة، حينما “يسمع جميع من في القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة”. (يو5: 28، 29)
2- أن السيد المسيح قام من الأموات بجسد ممجد.
كل الذين قاموا من الأموات، قاموا بنفس الجسد المادي القابل للفساد. الجسد الذي يجوع ويعطش ويتعب وينام ويمرض وينحل. أما السيد الرب فقام بجسد ممجد غير قابل للفساد. نحن ننتظر في القيامة العامة أن نقوم بمثل هذا الجسد. وعن هذه القيامة الممجدة للجسد، يقول بولس الرسول “هكذا أيضًا قيامة الأموات. يزرع في فساد، ويقام في عدم فساد. يزرع في هوان ويقام في مجد. يزرع في ضعف ويقام في قوة. يزرع جسمًا حيوانيًا ويقام جسمًا روحانيًا”. (1كو15: 42- 44).
بهذا الجسد الممجد قام السيد المسيح، ونحن ننتظر في القيامة العامة أن “يغيّر شكل جسد تواضعنا، ليكون على صورة جسد مجده” (في3: 21). أما الذين قاموا من قبل فلم يقوموا بذلك الجسد الممجد. وبذلك يكون ربنا يسوع المسيح هو باكورة الراقدين في هذا المجد.
3- قام السيد المسيح بإرادته هو، لا بإرادة غيره:
لم يحدث أن أحد قبل المسيح، قام بإرادته من الأموات إنما كل الذين قاموا، أقامهم غيرهم، إما أقامهم السيد المسيح بنفسه، أو أقامهم نبي بصلواته. أما الرب فبقوة لاهوته قد قام، لاهوته الذي لم يفارق ناسوته لحظة واحدة.
+ أهمية قيامة الرب:
لقد أتى السيد المسيح ليمحو الخطية ويمحو نتائجها، ومن نتائج الخطية الموت. وقد محا خطية العالم بموته على الصليب، وبقي أن ينتصر على الموت. الذي أدخلته الخطية إلى العالم، فانتصر على الموت بالقيامة. وأعطانا بموته رجاءً في القيامة من الأموات.
على أن قيامة الرب كانت لها أهمية أخرى هي تثبيت الإيمان الذي كان يبدو أنه ضاع وانتهى بصلب المسيح:
كان يبدو أن كل عمل المسيح قد تحطم بصلبه. “ضرب الراعي فتبددت الرعية”. (زك13: 7). التلاميذ هربوا عند القبض عليه، لم يبق منهم إلى جوار الصليب سوى يوحنا الحبيب. ثم اعتكفوا خائفين في العلية لا يجرؤ أحد منهم على الظهور ولا على الكلام. بطرس نفسه الذي قال من قبل بأكثر تشديد “ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك” (مز14: 31) هذا أيضًا أنكر وجدف وقال لا أعرف الرجل.
والشعب الذي تبع المسيح، والذي رأى معجزاته، اهتز من أساسه: منهم من صاح “اصلبه اصلبه”. ومنهم من خاف وهرب، ومنهم من بكى واكتفى بالبكاء.
أما الأعداء فتجبروا وملكوا الموقف. خدعوا الشعب. وأخضعوا الوالي لمشيئتهم، واستطاعوا أن ينفذوا أحكامهم، ليس في صلب المسيح فقط، بل حتى بعد موته حين ضبطوا قبره بالحراس.
كان كل شيء مظلمًا وكئيبًا وباعثًا على اليأس… ثم قام المسيح، ليغير دفة الأحداث، ويعيد الأمل إلى النفوس، ويرجع الإيمان إلى القلوب…
وكان أول عمل عمله بعد قيامته، هو أنه ذهب ليفتقد أولئك الذين تركوه وأنكروه. لم يتضايق ممن تخلّوا عنه في أصعب الأوقات. ولم يرفض ذلك الشعب الذي أنكر جميله. ولم ييأس من أولئك القادة الذين تعب في تنشئتهم وتدريبهم، وقد رآهم أمامه خائفين مختفين لا يجرؤ أحد منهم على النطق باسمه. لم يقل: أين الصداقة وأين الوفاء؟ أين الشجاعة وأين الشهامة؟ أين الإخلاص وأين المحبة؟ أين تعبي الذي تعبته معكم سنين طويلة؟!
لم يجابه الموقف باللوم والعتاب، بل بدأ بافتقاد الذين تركوه، وبرعاية الذين شكّوا فيه…
نظر إلى ذلك البناء المهدّم، وبطول أناة عجيبة، جمع حجارته المبعثرة، ليبني من جديد، بنفس الحجارة.
بدأ يعمل بمحبة نحو المرأة التي ضاعت سمعتها بعد خطية حواء وعثرتها لآدم، المرأة التي ينظر إليها جميع الناس على اعتبار أنها سبب طردنا من الفردوس…
فأراد الرب أن يرد للمرأة اعتبارها، فظهر أولًا لمريم المجدلية، وكلّفها أن تمضي وتبشر رسله بالقيامة…!! ” اذهبي وقولي لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل، هناك يرونني”.
وحملت المرأة البشارة بالقيامة، ونالت بذلك البركة التي قصدها الكتاب بقوله “طوبى لأقدام المبشرين بالخيرات”.
ثم التفت المسيح إلى تلاميذه ليقوي إيمانهم، حتى يحملوا هذا الإيمان إلى الآخرين. فقضى معهم أربعين يومًا، يظهر لهم، ويزيل شكوكهم، ويثبتهم، ويعدهم للرسالة، ويغفر لهم ما سبق من ضعف وإنكار وشك…
وهكذا كان أول عمل المسيح بعد قيامته هو تثبيت إيمان الضعفاء، ووضع أسس التقليد في الكنيسة بما سلّمه لتلاميذه خلال الأربعين يوما من أسرار وطقوس.
ولم يكتف السيد المسيح بأن رمم ما تصدع من بناء الكنيسة، وأعاد الإيمان والبهجة إلى أعضائها. إنما أيضًا أعطاها القوة لتحطم دولة الشيطان بعد أن ألغى رئاسته.
وكأني أتخيل الملائكة وقوفًا حول قبر المسيح قائلين له:
قم حطم الشيطان لا تبق لدولته بقية .:. قم بشر الموتى وقل غفرت لكم تلك الخطية
قم قو إيمان الرعاة ولم أشتات الرعية .:. واغفر لبطرس ضعفه وامسح دموع المجدلية
واكشف جراحك مقنعًا توما فريبته قوية .:. ارفع رؤساء نُكّست وأشفق بأجفان البكاه
شمت الطغاة بنا فقم واشمت بأسلحة الطغاة .:. حسبوك إنسـانًا فنيت فلا رجوع ولا نجاة
ولأنت أنت هو المسيح وأنت ينبوع الحياة .:. قم في جلال المجد بل واظهر بسلطان الإله
قم وسط أجناد السماء فأنت رب في سماه .:. قم روع الحراس وابهرهم بطلعتك البهية
قم قو إيمان الرعاة ولم أشتات الرعية .:. مرت علينا مدة غرباء في هذا الوجود
فترت ضمائرنا هنا جمدت وظلت في جمود .:. إبليس أسكنها التراب ولم تقم بعد الرقود
فالقبر ضخم فوقه حجر ويحرسه الجنود .:. يا من أقمت المائتين وقمت من بين اللحود
يا من قهرت الموت يا رب القيامة والخلود .:. قم وأنقذ الأرواح من قبر الضلالة والخطية
قم قو إيمان الرعاة ولم أشتات الرعية
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الثامن عشر) 2-5-1975م



