الآباء الرسل أعمدة الكنيسة المقدسة

الآباء الرسل أعمدة الكنيسة المقدسة1
بمناسبة صوم الرسل المبارك، أريد أن أحدثكم قليلًا عن الآباء الرسل.
إن الآباء الرسل في الكنيسة هم أعمدتها المقدسة، وشبههم الكتاب المقدس بالجبال، والقديس أوغسطينوس في تفاسيره للمزامير يقول: “رَفَعتُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ” (مز121: 1) وهو يقصد بذلك الآباء الرسل.
إن الكنيسة مؤسسة على الجبال المقدسة، وكانوا يعنون بهذه الجبال هؤلاء الرسل الذين ارتفعوا إلى العلو في الحياة الروحية. وعندما تكلم بولس الرسول عن بطرس ويعقوب ويوحنا قال: أنهم أعمدة في الكنيسة، فالآباء الرسل هم أعمدة الكنيسة، أوصلوا إلينا الإيمان المسيحي، وهم الذين رسموا الأساقفة الأول والإكليروس الأول، والتعاليم المقدسة التي أخذوها عن السيد المسيح مباشرة.. لقد أعطونا الإيمان المسلّم إلينا من القديسين الذين هم الآباء الرسل الأول. إن الآباء الرسل هم أكثر الناس جهادًا وتعبًا من أجل الكلمة والشهادة والكرازة والتبشير، وبولس الرسول عندما افتخر بعمله قال: “أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَر مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ” (1كو15: 10).
الآباء الرسل بالنسبة إلينا هم الينابيع الأولى التي أخذنا منها الإيمان،
والتي تفيض بالماء الحي من الروح القدس.. لقد كانوا أواني حملت الروح القدس في العالم كله. ونحن نمجّدهم كثيرًا ونحفظ لهم هذا الجميل الكبير، لأنهم أوصلوا الإيمان إلينا.
وعندما نتكلم عن الآباء الرسل، نقف قليلًا لنعرف كيف اختيروا، وكيف انتقاهم الله من بين العالم؟ وكيف انتقى هذه الأعمدة وهذه الجواهر النفيسة في تاج الكنيسة.. كيف؟
لقد اختار السيد المسيح الرسل من أنواع شتّى، لكي يعطينا فكرة أن كل إنسان يمكن أن يصلح لملكوت الله والقيادة، إذا وُضع في يد الله.
ولو أن السيد المسيح اختارهم من مجموعة معينة، لقلنا إن الإنسان الذي لا يوجد في هذه المجموعة لا يصلح للخدمة.
لقد اختار السيد المسيح أنواعًا شتّى.. أي أنواع كانت توضع في يده كان يمكنه أن يعمل بها عملًا.. ليس المهم كيف يكون الإنسان قبل أن يكون في يد المسيح، ولكن المهم كيف يكون فيما بعد.
لقد وقعَت في يد المسيح عيّنات كثيرة من الناس.. وقع في يده توما الشكاك، وبطرس المندفع المنفعل. وقع في يده ابني الرعد يوحنا وأخوه يعقوب تلميذا يوحنا المعمدان.. وقع في يده متى العشار القاسي الظالم.. وقعت في يده مجموعة من الصيادين، كما وقع الفيلسوف الجبار شاول الطرسوسي الرجل المثقف.
وكل عينة وقعت في يده كان يستطيع أن يعمل بها عملًا. المهم كيف يمكن أن تصل إلى يد السيد المسيح ليعمل بك عملًا؟ لا تقل أنا رديء وطبيعتي لا تصلح.. قل: كيف أصل إلى يد المسيح ليعمل بي عملًا؟
أضرب مثالًا بيوحنا الحبيب وأخيه يعقوب.. كان اسميهما أبناء الرعد، أشداء في الحق كسيف من نار، تربّوا على يد يوحنا المعمدان العنيف الذي يقول للناس: “مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ.. كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ” (مت3: 7-10). وقال لهيرودس: “لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ” (مر6: 18).
أخذ السيد المسيح يوحنا وأخاه يعقوب.. وساروا إلى السامرة القاسية، ووصلوا إلى قرية من قرى السامرة، المدينة التي أغلقت أبوابها في وجوههم. فلما قالا: “يَا رَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ” (لو9: 54)، رفض وقال سأزيل الخشونة التي لديكما.
وأخذ يوحنا الإنجيلي بعد ذلك، وبدأ يمرّنه ويظهر له محبته ووداعته وطريقة معالجته للأمور، ويسمح له بأن يتكئ على صدره الحنون الذي يخفق بالحب لجميع الناس، إلى أن تحوّل إلى يوحنا الحبيب الذي لا يتكلم إلا عن الحب، وإنجيله يفيض بالحب.. ونتساءل من أين جاءك هذا الحب؟ فيقول: لقد وُضعتُ في يد المسيح فغيّر طبيعتي.
يختار الله أي إنسان.. ربما تقول: أنا عنيف ولا أصلح والله وديع.. لا تقل أنا لا أصلح، فالله يأخذ الجميع ويعمل فيهم.. يأخذ كل العناصر ويستخدمها لملكوته.. يعجبني قول أحد الأدباء: حتى الأشواك تصلح أن تكون سمادًا للأرض.
نحن في الصحراء حيث الأديرة، نجتث الأشواك ونحرقها فتتحول إلى رماد ونسبخ بها الأرض، والشوك إذا وقع في يد لا تعرف قيمته لا يفيد.
كيف يمكن لليد الحكيمة أن تأخذ هذه العناصر وتعمل بها عملًا؟ هنا تبدو براعة الله التي جعلت أكثر الناس كلامًا عن المحبة هو ابن الرعد.. وحوّلت بطرس الجبان إلى شجاع في نشر الإيمان.. الله يقول عن بطرس أنه خاف من الجارية عندما كانوا يتدفأون.. لتأتوا بهذا الجبان لكي أعمل به وأستخرج منه الشجاعة.. المهم كيف يصل إلى يديّ.. إن أي عنصر يوضع في يد المسيح يعمل به عملًا.
إن مشكلتنا أننا نهرب من المسيح ولا نسلّمه أنفسنا، ونحاول الإفلات من أصابعه، يقول لنا المسيح.. ابقوا في يدي وسلّموا إرادتكم وأنا أعمل فيكم عملًا. وعلينا أن نسعد لوجودنا في يده حتى لو اعتصرنا بهذه اليد، فإن ذلك للفائدة وللخير.
لقد أخذ السيد المسيح هذه العناصر المختلفة ليعمل بها عملًا، وعندما أراد أن يعلّم العالم كله، لم يختر الفلاسفة. لقد اختار مجموعة من الصيادين الجهلة، وأعطاهم علمًا من الروح القدس، وملأهم بكل معرفة وفهم كوعده الصادق.
سليمان الحكيم، الذي يُضرب به المثل في الحكمة، عندما وقع في يد الله ملأه بالحكمة وبدأ يعمل فيه. الله لديه معمل للرجال وللخدام.. يأخذ الناس في معمله ويسبكهم من جديد، ويُخرج منهم شخصيات جديدة غير الأولى، وهذا التجديد الذي يعطيه الله للطبيعة البشرية جزء من عمل المسيح في الناس.
والتجديد الذي يعمله المسيح على نوعين.. إما أن يغيّر الطبيعة تمامًا أو يبقيها كما هي، لكنه يغير اتجاهاتها نحو الخير.
ما معنى هذا؟ لقد تحول يوحنا ابن الرعد إلى الكلام عن المحبة، واستخدم قوته في اتجاه روحي.
وبطرس الرسول كان مندفعًا.. ومن بداية أخذه المسيح له كان مندفعًا في كل شيء، يحب المسيح في اندفاع. يقول المسيح كلكم تشكون فيَّ، فيقول بطرس: “أنا لا أشك.. لو أنكرك الجميع أنا لا أنكرك”، ويقول للمسيح: “لن تغسل رجلي أبدًا”، إنه رجل مندفع وأول شخص يتكلم، ولما قبضوا على المسيح اندفع وأخرج السيف وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه فقال له المسيح ليس هذا أسلوبنا.
هكذا كان بطرس مندفعًا دائمًا، التلاميذ كانوا ساكتين وهو الوحيد الذي يتكلم، وكان يخطئ.. ومع ذلك لم يقل المسيح أن بطرس لا يصلح، إنه يقول: حسنًا.. لنأخذ هذا الاندفاع بشيء من الانتفاع، ونجعل الروح القدس يدخل في الاندفاع فيتحول إلى غيرة مقدسة وشهامة وبسالة ودفاع عن الحق.. وبهذا الشكل اندفع بطرس في الأمور الصحيحة بدل الخاطئة.
الله يأخذ الطبيعة، فإما أن يغيّرها أو يحسن توجيهها إلى ناحية خيّرة. شاول الطرسوسي لديه غيرة، هجم على الكنيسة بكل غيرة في اضطهاد مرعب، وهو صاحب اليد الطولي في استشهاد القديس إسطفانوس، أول الشهداء.. المسيح لم يغضب منه. وقال له: “شاول، شاول.. لماذا تضطهدني؟”. وحوّل غيرته إلى خدمة الكنيسة والدفاع عنها. إن المسيح يأخذ جميع المواهب ويستخدمها في ملكوته بطريقة سليمة، ويوجهها توجيهًا سليمًا.
إن الله عجيب في معاملاته للناس… تولستوي الملحد أخذه واستخدمه في الخير، فكتب روايات في الفضيلة والإنسانية، لقد تحوّلت طاقاته شريرة إلى طاقات خيرة.. أشخاص تسير عواطفهم نحو الجسد أخذهم ووجههم نحو الخير، وأصبحوا قديسين كبار مثل أوغسطينوس الذي كان فاسدًا، فحوّله الله إلى الخير والقداسة. الإنسان بعاطفته وحرارته، بتغيير بسيط، يتحول من الجسد إلى الروح ويصبح مختلفًا، الله عجيب في تحويل الناس، والمهم أن يدخلوا في يديه حيث يقول: “بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى شَعْبٍ مُعَانِدٍ” (رو10: 21).. ادخلوا إلى يدي وسَتَرون ماذا أفعل؟! ما من إنسان وقع في يد الله إلا وصنع به عجبًا، وإذا لم يكن لدى الإنسان مواهب فإنه يعطيها له، ومَن لديه مواهب جميلة فإنه ينمّيها.. المواهب المنحرفة يصلحها، والمواهب الخيّرة ينميها ويقويها.
من كان يظن أن متى الرسول الذي كتب إنجيل متى، هو ذلك العشار في مكان الجباية؟ إن الله ليس محتاجًا لمواهب الناس بقدر حاجته إلى أن يدخل الناس في يده.
إنه يعطي المواهب، ويصلح الأخطاء، والمهم هو الاستجابة لدعوته وبعدئذ يعمل بهم.
ربما تقول: يا رب أنا ضعيف الإرادة ولا أستطيع أن أقاوم الخطية، فيقول لك: أدخل في يدي وسترى ماذا يحدث.. “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” (مت11: 28). عندما كان شمشون يعتمد على قوته أضاع نفسه وسلّمها إلى دليلة التي باعته إلى أعدائه، وحُلق شعره وفقد قوته وجرّ الطاحون. وأخيرًا اتّجه قلبه إلى الله فاستعاد قوته وشبابه وإيمانه، وتحول إلى شخص آخر في وقت قصير، وأدرك ما لم يدركه في حياته كلها، لأنه سلم نفسه إلى الله.
إن أهم الأمور هو أن الآباء الرسل سلموا أنفسهم ليد المسيح بلا نقاش أو شروط أو جدال. متّى كان موجودًا في مكان الجباية وقال له المسيح: “اتبعني” فتبعه.. إن مشكلتنا هي العقل.. لم يدخل متى في العقل.. لم يعرف متّى أين يذهب، ولا يعرف شيئًا عن المسيح.
إن ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه.. إن متّى يسير وراء المسيح.. ماذا تعمل يا متّى؟ المسيح يُعلّم فماذا تعمل أنت؟ إن متّى يسير وراء المسيح بلا قيد أو شرط.. إنني أحببت هذا الرجل وأريد أن أسير وراءه بلا شرط أو قيد، بلا عقل.
لابد أن تجعل نفسك في يد المسيح بلا قيد أو شرط أو مجادلة قائلًا: “يا رب أنا وصلت إليك فاعمل فيَّ.. إن فرع الشجرة عندما يقطعه النجار ويعمل فيه ويحوّله إلى شكل معين” لا اعتراض! ولو كان هناك اعتراض فلن نصل إلى نتيجة.. كذلك نحن.. يا رب افعل بنا كما تشاء.
المهم.. أننا في يدك.. لقد وصلنا إلى يديك اللتان جبلتاني وصنعتاني.. يديك المسمرتين من أجلي.. يمينك التي صنعت قوة. المهم أن أصل إلى يدك.. قبضتك الجبارة التي كل من وصل إليها وصل إلى عمق الخير والمحبة والمنفعة.
ما هو العمل العظيم الأول الذي عمله الآباء الرسل وكان سبب نجاحهم؟ إن عملهم الأول أنهم لم يعملوا سوى أنهم سلّموا أنفسهم ليد المسيح ليعمل بهم ما يشاء حسب مشيئته الصالحة الطوباوية. فإن كنا نمجدهم فلأنهم استسلموا لمشيئته وإرادته، ووضعوا كل إرادتهم في يده وأنكروا ذواتهم وتفكيرهم ووضعوا كل هذا في يده.
نحن يا رب لا نفهم ولا نعرف شيئًا.. إن ما نعرفه أنك ضابط الكل، قادر، محب للبشر.. إننا نضع أنفسنا في يديك ولتكن مشيئتك.. إننا ننسى أنفسنا وهي في يديك ولا نتذكرها، بل نتذكرك، وعندما نتذكرك نجد أنفسنا فيك.. نجدك تصلح وتعد وترتب وتعطي المواهب، وتعمل على كل حال خيرًا.. هذه كانت طريقة الآباء الرسل. ليتكم تسلكون في هذا الطريق وتضعون أنفسكم في يد المسيح.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 24-6-1973م





