تاريخ البدع والهرطقات التي قامت في العصور الأولى

في هذه المحاضرة يشرح قداسة البابا شنوده الثالث تاريخ البدع والهرطقات التي ظهرت في العصور الأولى للمسيحية، مبينًا كيف قاومتها الكنيسة بحكمة للحفاظ على الإيمان الأرثوذكسي السليم. يبدأ البابا بتتبع جذور أولى البدع التي واجهت الكنيسة منذ العصر الرسولي، موضحًا فكرها وموقف الرسل والآباء منها.
🔹 بدعة المتهودين (الأبيونيين):
كانت أول البدع في الكنيسة، إذ حاول بعض اليهود الذين آمنوا بالمسيح أن يفرضوا الناموس الموسوي على المؤمنين من الأمم، مطالبين بالختان وحفظ السبت وسائر الطقوس القديمة. تصدى لهم القديس بولس الرسول في رسائله إلى غلاطية وكولوسي، مؤكدًا أن الخلاص هو بالإيمان بالمسيح وليس بأعمال الناموس. هؤلاء المتهودون، الذين عُرفوا باسم “الأبيونيين”، أنكروا لاهوت المسيح وولادته من العذراء، معتبرين أنه إنسان عادي مولود من يوسف ومريم، وأنه بدأ وجوده عند التجسد، فأنكرتهم الكنيسة وقطعتهم من الشركة.
🔹 بدعة النيقولاويين:
ذكرهم سفر الرؤيا كجماعة أبغض الرب تعاليمها. نُسبوا إلى نيقولاوس أحد الشمامسة السبعة، وتعددت الروايات عن سبب انحرافهم. فمنهم من قال إن أتباعه أساءوا فهم تعاليمه، فانتشر بينهم الفساد الأخلاقي وإباحة الزنا وما ذُبح للأوثان. وأوضح البابا شنوده أن الخطأ كان في تعليمهم المنحرف عن العفة والطهارة، وليس بالضرورة في شخص نيقولاوس نفسه.
🔹 بدعة أبوليناريوس:
أبوليناريوس كان أسقفًا لمدينة اللاذقية في القرن الرابع، وكان من المدافعين عن الإيمان ضد الأريوسيين، لكنه في محاولته للدفاع عن لاهوت المسيح وقع في بدعة جديدة. فقد أنكر أن المسيح له نفس بشرية عاقلة، وقال إن الكلمة الإلهية (اللوجوس) حلّ محل النفس البشرية. لكن الكنيسة حكمت عليه بالحرمان في عدة مجامع، لأن إنكار النفس البشرية في المسيح يعني أنه لم يأخذ طبيعتنا البشرية الكاملة، وبالتالي لم يفتدِ الإنسان بكليته.
🔹 الرسالة التعليمية والروحية:
الكنيسة عبر تاريخها حاربت كل انحراف عن الإيمان الصحيح بالمسيح الإله الكامل والإنسان الكامل. والتاريخ يعلّمنا أن الدفاع عن العقيدة يحتاج إلى حكمة وروح تمييز، لأن من يدافع بلا وعي قد يقع هو نفسه في خطأ جديد. لذلك شدد البابا شنوده على أن كل فكر لاهوتي يجب أن يخضع لتعليم الكنيسة الجامعة وروحها المقدسة.
🔹 خلاصة روحية:
الإيمان الحقيقي ليس مجرد فكر أو اجتهاد، بل هو حفظ للوديعة التي تسلّمناها من الرسل والآباء. والكنيسة، بقيادة الروح القدس، تحفظ الإيمان من الانحراف، لتبقى ثابتة على صخرة العقيدة الأرثوذكسية.



