آباؤنا الرسل

أهميتهم
آباؤنا الرسل هم أولئك القديسون الذين نلنا الإيمان عن طريقهم. هم الذين نشروا الإيمان المسيحي في المسكونة كلها. تعبوا، ونحن دخلنا على تعبهم.
والإيمان الذي أوصلوه لنا، هو إيمان نقي سليم، أخذوه من السيد المسيح نفسه.
سواء في فترة تجسده وخدمته على الأرض، أو أثناء الأربعين يومًا بعد القيامة، وهو يظهر لهم “وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ…” ( أعمال الرسل 1 : 3 )،
أو بعد ذلك كما قال معلمنا بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس:
“لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا” كورنثوس الأولى 11 : 23 ).
فما تسلموه من الرب، سلموه لنا. فأصبح تعليمهم تعليمًا إلهيًا، يضاف إلى ذلك وحي الروح القدس إليهم.
وهم لم يسلموا لنا فقط الأناجيل والرسائل، وإنما أيضًا قوانين الرسل، التي تشمل أمورًا كثيرة في تدبير الكنيسة، وكذلك كتاب الدسقولية أي “تعاليم الرسل” ويحوي 38 فصلًا في الرعاية.
وقد سمّاهم الكتاب “أعمدة الكنيسة” ( غلاطية 2 : 9 ).
وقال: “مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ” ( أفسس 2 : 20 ).
ولذلك كانت الكنائس قديمًا، في عهد الرسل، تبنى- من الناحية الرمزية – على اثني عشر عمودًا، رمزًا إلى الآباء الرسل القديسين.
وشُبّهوا أيضًا بالأنهار التي تفيض منها ينابيع الروح القدس ( يوحنا 7 : 38 ).
تحقيقًا لقول المزمور: “عَلَى الأَنْهَارِ ثَبَّتَهَا” ( المزامير 24 : 2 ). ولما صلوا من هول الاضطهاد الواقع عليهم،
قيل: “رَفَعَتِ الأَنْهَارُ يَا رَبُّ، رَفَعَتِ الأَنْهَارُ صَوْتَهَا.. مِنْ أَصْوَاتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ” ( المزامير 93 : 3–4 ).
وشُبّهوا أيضًا بالجبال، لارتفاع شأنهم.
فقيل في المزمور: “أَسَاسُهُ فِي الْجِبَالِ الْمُقَدَّسَةِ” ( المزامير 87 : 1 ).. ولذلك قيل أيضًا في التشفع بهم “رَفَعتُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ،
مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي” (مز121). وما أكثر التشبيهات العديدة المجيدة، التي شُبه بها آباؤنا الرسل.
ولا ننسى إطلاقًا محبة الرب لهم.
حتى أنه قال عنهم إنهم “خَاصَّتَهُ”. وقيل في ذلك إنه: “أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى” ( يوحنا 13 : 1 ).
وهم الذين غسل الرب أرجلهم. وقال لهم: “أَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ. لأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ” ( يوحنا 13 : 10–11 ).
وكما دعاهم خاصته، دعاهم إخوته أيضًا.
فقال لمريم المجدلية بعد القيامة: “.. اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي” ( يوحنا 20 : 17 ).
وقال للمريمتين: “اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي” ( متى 28 : 10 ).
وقال لهم: “لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي” ( يوحنا 15 : 15 ).
آباؤنا الرسل سمّاهم الرب وكلاء وسفراء…
فلما سأله بطرس: “أَلَنَا تَقُولُ هذَا الْمَثَلَ أَمْ لِلْجَمِيعِ أَيْضًا؟” أجابه: “فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى عَبيدهِ لِيُعْطِيَهُمُ طَعَامَهُم فِي حِينِه؟” ( لوقا 12 : 42 ).
وقال القديس بولس الرسول: “فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ” ( كورنثوس الأولى 4 : 1 ).
وقال أيضًا: “إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” كورنثوس الثانية 5 : 20 ).
وهم قالوا: “.. نَحْنُ الَّذِينَ أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا مَعَهُ بَعْدَ قِيَامَتِهِ مِنَ الأَمْوَاتِ” ( أعمال الرسل 10 : 41 ) وأيضًا قالوا عنه: “.. الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا..” يوحنا الأولى 1 : 1 ).
الرب اختارهم
لا شك أنه لصفات معينة، قد اختارهم الرب من بين كل معاصريهم. وقال لهم: “لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ” يوحنا 15 : 16 ).
واختيار الرب لهم يدل على أمرين:
أولهما: أنهم لم يقيموا أنفسهم في مجال الخدمة لغرض شخصي..
والأمر الثاني: أن الله دعاهم لمعرفته بهم. وكما قال الكتاب: “الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ.
وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا..” ( رومية 8 : 29–30 ).
تحية لهؤلاء الذين اختارهم الرب من بين كل سكان العالم، لكي يحملوا اسمه، ويكرزوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا ( مرقس 16 : 15 ).
تلقوا الدعوة الإلهية، من فم الرب نفسه.
مثلما أبصر سمعان وأندراوس أخاه وهما يصيدان. “فَقَالَ لَهُمَا هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ” ( متى 4 : 19 ).
وكذلك دعا صيادين آخرين هما يعقوب ويوحنا “فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ” ( متى 4 : 22 ).
ودعا متى من مكان الجباية وقال له: “اتْبَعْنِي فَقَامَ وَتَبِعَهُ” ( متى 9 : 9 ).
ونفس عبارة “اتبعني” سمعها منه فيلبس ( يوحنا 1 : 43 ).
ولعل أعجب دعوة في الرسل: شاول الطرسوسي (بولس).
هذا الذي دُعيَ من الثالوث القدوس، من كل أقنوم على حدة.. معروف أن السيد الرب دعاه في الطريق إلى دمشق،
حينما قال له: “شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟” وأحاله إلى حنانيا. وقال لحنانيا: “هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ” ( إشعياء 9 : 3–15 ).
ودُعيَ من الروح القدس، حينما “قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ” ( إشعياء 13 : 2 ) “فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا. فَهذَانِ إِذْ أُرْسِلاَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ انْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ، وَمِنْ هُنَاكَ سَافَرَا فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ” ( إشعياء 13 : 3–4 ).
ودُعيَ شاول أيضًا من الله الآب. وقال في ذلك: “لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ.. لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا..” ( غلاطية 1 : 15–16 ).
وأجمل ما قيل في دعوة الرسل جميعًا هي قولهم:
“هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ” ( لوقا 18 : 28 ).
وهذا يرينا أن قلوبهم كانت مستعدة، ولم تكن متعلقة بالعالم. الصيادون منهم تركوا الشباك، والسفينة، وتركوا أباهم (مت4). ومتى ترك مكان الجباية.. وكلهم تركوا الأهل والبيت والعمل، وساروا وراءه. وكل منهم انطبق عليه ما قيل عن أبي الآباء إبراهيم إنه “لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ.. فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي” ( العبرانيين 11 : 8 ).
وهؤلاء الرسل لما دعاهم السيد المسيح، ساروا وراءه وهم لا يعلمون إلى أين يذهبون. لم يكن له مكان إقامة، بل “لَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ” متى 8 : 20 ). ومع ذلك تبعوه. ولم تكن له وظيفة رسمية في المجتمع اليهودي وقتذاك.. ولما دعاهم، لم يحدد لهم وظيفة معينة، ولا مكان خدمة ثابت، ولا مصدر مالي، بل على العكس قال لهم: “مَجَّانًا أَخَذْتُمْ، مَجَّانًا أَعْطُوا لاَ تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ. وَلاَ مِزْوَدًا لِلطَّرِيقِ وَلاَ ثَوْبَيْنِ وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصًا” ( متى 10 : 8–10 ). ومع ذلك تبعوه.
والأكثر من ذلك، أنه دعاهم لحمل الصليب.
وقال لهم بصراحة: “إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي” ( متى 16 : 24 ). وشرح هذا الصليب فقال لهم: “هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَابٍ.. سَيُسْلِمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ.. وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي.. وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى” ( متى 10 : 16–23 ).
تبعوه على الرغم من كل تلك الأخطار المتوقعة.
ويكفي فيها أنه قال لهم: “سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ” ( يوحنا 16 : 2 ). وقال لهم: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا” ( متى 16 : 25 ). ومع كل ذلك تبعوه، وقبلوا كل ما ينتظرهم، لأجله بفرح.
ومن الصفات الهامة في آبائنا الرسل: حياة التلمذة.
التلمذة
لقد تتلمذوا على رب المجد نفسه.. ليس فقط على عظاته العامة التي كان يلقيها على الناس، وإنما كانت لهم جلسات خاصة معه، مثل غسله لأرجلهم وحديثه معهم عن الروح القدس ( يوحنا 13 : 16 ).. ومثل الأربعين يومًا التي قضاها معهم بعد القيامة، يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله أعمال الرسل 1 : 3 ).
ومثل قول الكتاب: “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” لوقا 24 : 45 ). وهذا الذي علّمه لهم، طلب منهم أن يعلّموه للآخرين.
وقال لهم في ذلك: “تَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ.. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ” ( متى 28 : 19–20 ).
ولم يكن هذا كله كافيًا فأعطاهم الروح القدس أيضًا، وقال لهم: “هُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” ( يوحنا 14 : 26 ).
وهنا تظهر الصفة الثانية الأساسية في آبائنا الرسل وهي:
عمل الروح القدس فيهم
أهم ميزة للآباء الرسل أن الروح القدس كان يعمل فيهم. أمرهم السيد الرب أن لا يبرحوا أورشليم، إلى أن يلبسوا قوة من الأعالي ( لوقا 24 : 49 ).
وعن هذه القوة قال لهم: “لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” ( أعمال الرسل 1 : 8 ).
وقد كان. حل الروح القدس عليهم في يوم الخمسين. “.. وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” ( أعمال الرسل 2 : 2–4 ).
واستمر عمل الروح معهم في خدمتهم. كان هو الذي يقود مجامعهم ( أعمال الرسل 15 : 28 ).
وهو الذي يحركهم لأماكن الخدمة ( أعمال الرسل 16 : 6–10 ). وهو الذي يصنع بهم العجائب.
وكان الروح القدس هو الذي يتكلم على أفواههم.
كما وعدهم الرب بذلك “لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ” ( متى 10 : 20 “كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا” ( أعمال الرسل 2 : 4 ).
ولذلك كانت لكلمتهم قوة عجيبة في تأثيرها. حتى أنه بعظة واحدة من القديس بطرس يوم الخمسين، آمن ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ وَاعْتَمَدُوا (أع2).
وأصبحوا هم مانحي الروح القدس.
وضعوا الأيدي على أهل السامرة، فقبلوا الروح القدس أعمال الرسل 8 : 17–18 ).
وكذلك على أهل أفسس فحل عليهم الروح القدس أعمال الرسل 19 : 6 ).
كذلك بوضع أيديهم كانت نعمة الروح القدس تحل في سر الكهنوت ( تيموثاوس الثانية 1 : 6 ).. مع كل ما يعمله الروح في هذا السر.
بالروح القدس، بطرس وبولس أقاما ميتين.
بطرس الرسول أقام طابيثا من الموت. صلّى وقال طَابِيثَا قُومِي فَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا وقامت ( أعمال الرسل 9 : 40 ) وبولس الرسول أقام أفتيخوس بعد أن وقع من الطبقة الثالثة إلى أسفل وحُمل ميتًا أعمال الرسل 20 : 9–12 ) وبولس “كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ” ( أعمال الرسل 19 : 12 .
وأصبحت الكنيسة في أيامهم هي كنيسة الروح القدس.
وكان الامتلاء من الروح القدس، هو شرط لاختيار الخدام. حتى الشمامسة كان يجب أن يكونوا “مَمْلُوّءِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ” ( أعمال الرسل 6 : 3 ). لذلك تميزت الخدمة أيام الرسل بالقوة.
كانوا أبطالًا للإيمان..
تميزوا بالقوة والجرأة والشجاعة في خدمتهم. وتحملوا في سبيل ذلك الجلد والسجن والرجم. ومع ذلك كانوا في الشهادة للرب يتكلمون بكل مجاهرة أعمال الرسل 4 : 31 )، وبلا مانع ( أعمال الرسل 28 : 31 ). بل كانوا يكرزون في وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ تيموثاوس الثانية 4 : 2 ).. حتى وهم في السجن. وكثير من رسائل بولس الرسول كتبها في السجن، مثل رسالته إلى أفسس ( أفسس 4 : 1 ).
ويوحنا الرسول كتب رؤياه وهو في المنفى ( الرؤيا 1 : 9 ). وقيل مرة بعد جلدهم، إنهم “ذَهَبُوا فَرِحِينَ لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ” ( أعمال الرسل 5 : 40–41 ).
وحولوا السجون إلى شبه معابد بتسابيحهم داخلها ( أعمال الرسل 16 : 25 ).
ولما طردوهم من أورشليم، قيل عنهم: “فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ” ( أعمال الرسل 8 : 4 ).
فلم يسمحوا بعائق يمنعهم عن الخدمة. وكان بولس الرسول يقول: “وَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ”، “صِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ..
وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا” ( كورنثوس الأولى 9 : 16–22 ).
وقد كرز الآباء الرسل بتعاليمهم وبدمائهم. غالبيتهم انتقلوا شهداء. وكانوا متعددين في فضائلهم: تميز يوحنا بالحب، وبطرس بالغيرة، وبولس بالتعب والجهاد، وتوما بالتدقيق، ويعقوب بالنسك، وكلهم بترك العالم.
وتميزوا بالشجاعة والصمود والاحتمال.
يقول بولس الرسول: “فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ.. بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ.. كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ.. كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا.. كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ” ( كورنثوس الثانية 6 : 4–10 ) “مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ.. مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ” ( كورنثوس الثانية 4 : 8–9 ).
وتميزت خدمتهم أيضًا بالحزم.
على الرغم من محبتهم للكل نرى حزمهم في موقف بطرس الرسول من حَنَانِيَّا وَسَفِّيرَةُ ( أعمال الرسل 5 : 1–11 ). وموقف بولس الرسول من خاطئ كورنثوس كورنثوس الأولى 5 : 5 ). وموقف يوحنا الحبيب من الهراطقة ( يوحنا الثانية 1 : 10–11 ).
ونرى شجاعتهم في مواقفهم أمام الملوك والولاة.
مثل موقف بولس الرسول أمام أغريباس الملك ( أعمال الرسل 26 : 27–29 ) وأمام فيلكس الوالي ( أعمال الرسل 24 : 25 ).
وفي قوله: “مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ..
تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” ( رومية 8 : 35–39 ).
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة عشرة – العددان 25، 26 (19-7-1991م)



