آباؤنا الرسل

آباؤنا الرسل1
أهميتهم
آباؤنا الرسل هم أولئك القديسون الذين نلنا الإيمان عن طريقهم. هم الذين نشروا الإيمان المسيحي في المسكونة كلها. تعبوا، ونحن دخلنا على تعبهم.
والإيمان الذي أوصلوه لنا، هو إيمان نقي سليم، أخذوه من السيد المسيح نفسه.
سواء في فترة تجسده وخدمته على الأرض، أو أثناء الأربعين يومًا بعد القيامة، وهو يظهر لهم “وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ…” (أع1: 3)، أو بعد ذلك كما قال معلمنا بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس: “لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا” (1كو11: 23).
فما تسلموه من الرب، سلموه لنا. فأصبح تعليمهم تعليمًا إلهيًا، يضاف إلى ذلك وحي الروح القدس إليهم. وهم لم يسلموا لنا فقط الأناجيل والرسائل، وإنما أيضًا قوانين الرسل، التي تشمل أمورًا كثيرة في تدبير الكنيسة، وكذلك كتاب الدسقولية أي “تعاليم الرسل” ويحوي 38 فصلًا في الرعاية.
وقد سمّاهم الكتاب “أعمدة الكنيسة” (غلا2: 9). وقال: “مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ” (أف2: 20).
ولذلك كانت الكنائس قديمًا، في عهد الرسل، تبنى- من الناحية الرمزية – على اثني عشر عمودًا، رمزًا إلى الآباء الرسل القديسين.
وشُبّهوا أيضًا بالأنهار التي تفيض منها ينابيع الروح القدس (يو7: 38).
تحقيقًا لقول المزمور: “عَلَى الأَنْهَارِ ثَبَّتَهَا” (مز24: 2). ولما صلوا من هول الاضطهاد الواقع عليهم، قيل: “رَفَعَتِ الأَنْهَارُ يَا رَبُّ، رَفَعَتِ الأَنْهَارُ صَوْتَهَا.. مِنْ أَصْوَاتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ” (مز93: 3، 4).
وشُبّهوا أيضًا بالجبال، لارتفاع شأنهم.
فقيل في المزمور: “أَسَاسُهُ فِي الْجِبَالِ الْمُقَدَّسَةِ” (مز87: 1).. ولذلك قيل أيضًا في التشفع بهم “رَفَعتُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ، مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي” (مز121). وما أكثر التشبيهات العديدة المجيدة، التي شُبه بها آباؤنا الرسل.
ولا ننسى إطلاقًا محبة الرب لهم.
حتى أنه قال عنهم إنهم “خَاصَّتَهُ”. وقيل في ذلك إنه: “أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى” (يو13: 1). وهم الذين غسل الرب أرجلهم. وقال لهم: “أَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ. لأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ” (يو13: 10، 11).
وكما دعاهم خاصته، دعاهم إخوته أيضًا.
فقال لمريم المجدلية بعد القيامة: “.. اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي” (يو20: 17). وقال للمريمتين: “اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي” (مت28: 10). وقال لهم: “لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي” (يو15:15).
آباؤنا الرسل سمّاهم الرب وكلاء وسفراء…
فلما سأله بطرس: “أَلَنَا تَقُولُ هذَا الْمَثَلَ أَمْ لِلْجَمِيعِ أَيْضًا؟” أجابه: “فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى عَبيدهِ لِيُعْطِيَهُمُ طَعَامَهُم فِي حِينِه؟” (لو12: 42). وقال القديس بولس الرسول: “فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ” (1كو4: 1). وقال أيضًا: “إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ” (2كو5: 20).
وهم قالوا: “.. نَحْنُ الَّذِينَ أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا مَعَهُ بَعْدَ قِيَامَتِهِ مِنَ الأَمْوَاتِ” (أع10: 41) وأيضًا قالوا عنه: “.. الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا..” (1يو1:1).
الرب اختارهم
لا شك أنه لصفات معينة، قد اختارهم الرب من بين كل معاصريهم. وقال لهم: “لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ” (يو15: 16).
واختيار الرب لهم يدل على أمرين:
أولهما: أنهم لم يقيموا أنفسهم في مجال الخدمة لغرض شخصي..
والأمر الثاني: أن الله دعاهم لمعرفته بهم. وكما قال الكتاب: “الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا..” (رو8: 29، 30). تحية لهؤلاء الذين اختارهم الرب من بين كل سكان العالم، لكي يحملوا اسمه، ويكرزوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا (مر16: 15).
تلقوا الدعوة الإلهية، من فم الرب نفسه.
مثلما أبصر سمعان وأندراوس أخاه وهما يصيدان. “فَقَالَ لَهُمَا هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ” (مت4: 19). وكذلك دعا صيادين آخرين هما يعقوب ويوحنا “فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ” (مت4: 22). ودعا متى من مكان الجباية وقال له: “اتْبَعْنِي فَقَامَ وَتَبِعَهُ” (مت9:9). ونفس عبارة “اتبعني” سمعها منه فيلبس (يو1: 43).
ولعل أعجب دعوة في الرسل: شاول الطرسوسي (بولس).
هذا الذي دُعيَ من الثالوث القدوس، من كل أقنوم على حدة.. معروف أن السيد الرب دعاه في الطريق إلى دمشق، حينما قال له: “شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟” وأحاله إلى حنانيا. وقال لحنانيا: “هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ” (أع9: 3-15).
ودُعيَ من الروح القدس، حينما “قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ” (أع13: 2) “فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا. فَهذَانِ إِذْ أُرْسِلاَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ انْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ، وَمِنْ هُنَاكَ سَافَرَا فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ” (أع13: 3، 4).
ودُعيَ شاول أيضًا من الله الآب. وقال في ذلك: “لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ.. لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا..” (غلا1: 15، 16). وأجمل ما قيل في دعوة الرسل جميعًا هي قولهم:
“هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ” (لو18: 28).
وهذا يرينا أن قلوبهم كانت مستعدة، ولم تكن متعلقة بالعالم. الصيادون منهم تركوا الشباك، والسفينة، وتركوا أباهم (مت4). ومتى ترك مكان الجباية.. وكلهم تركوا الأهل والبيت والعمل، وساروا وراءه. وكل منهم انطبق عليه ما قيل عن أبي الآباء إبراهيم إنه “لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ.. فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي” (عب11: 8).
وهؤلاء الرسل لما دعاهم السيد المسيح، ساروا وراءه وهم لا يعلمون إلى أين يذهبون. لم يكن له مكان إقامة، بل “لَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ” (مت8: 20). ومع ذلك تبعوه. ولم تكن له وظيفة رسمية في المجتمع اليهودي وقتذاك.. ولما دعاهم، لم يحدد لهم وظيفة معينة، ولا مكان خدمة ثابت، ولا مصدر مالي، بل على العكس قال لهم: “مَجَّانًا أَخَذْتُمْ، مَجَّانًا أَعْطُوا لاَ تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاسًا فِي مَنَاطِقِكُمْ. وَلاَ مِزْوَدًا لِلطَّرِيقِ وَلاَ ثَوْبَيْنِ وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصًا” (مت10: 8-10). ومع ذلك تبعوه.
والأكثر من ذلك، أنه دعاهم لحمل الصليب.
وقال لهم بصراحة: “إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي” (مت16: 24). وشرح هذا الصليب فقال لهم: “هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَابٍ.. سَيُسْلِمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ.. وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي.. وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى” (مت10: 16-23).
تبعوه على الرغم من كل تلك الأخطار المتوقعة.
ويكفي فيها أنه قال لهم: “سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ” (يو16: 2). وقال لهم: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا” (مت16: 25). ومع كل ذلك تبعوه، وقبلوا كل ما ينتظرهم، لأجله بفرح.
ومن الصفات الهامة في آبائنا الرسل: حياة التلمذة.
التلمذة
لقد تتلمذوا على رب المجد نفسه.. ليس فقط على عظاته العامة التي كان يلقيها على الناس، وإنما كانت لهم جلسات خاصة معه، مثل غسله لأرجلهم وحديثه معهم عن الروح القدس (يو13-16).. ومثل الأربعين يومًا التي قضاها معهم بعد القيامة، يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع1: 3). ومثل قول الكتاب: “حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ” (لو24: 45). وهذا الذي علّمه لهم، طلب منهم أن يعلّموه للآخرين. وقال لهم في ذلك: “تَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ.. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ” (مت28: 19، 20). ولم يكن هذا كله كافيًا فأعطاهم الروح القدس أيضًا، وقال لهم: “هُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (يو14: 26). وهنا تظهر الصفة الثانية الأساسية في آبائنا الرسل وهي:
عمل الروح القدس فيهم
أهم ميزة للآباء الرسل أن الروح القدس كان يعمل فيهم. أمرهم السيد الرب أن لا يبرحوا أورشليم، إلى أن يلبسوا قوة من الأعالي (لو24: 49). وعن هذه القوة قال لهم: “لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ” (أع1: 8). وقد كان. حل الروح القدس عليهم في يوم الخمسين. “.. وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع2:2-4). واستمر عمل الروح معهم في خدمتهم. كان هو الذي يقود مجامعهم (أع15: 28). وهو الذي يحركهم لأماكن الخدمة (أع16: 6-10). وهو الذي يصنع بهم العجائب.
وكان الروح القدس هو الذي يتكلم على أفواههم.
كما وعدهم الرب بذلك “لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ” (مت10: 20) “كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا” (أع2: 4). ولذلك كانت لكلمتهم قوة عجيبة في تأثيرها. حتى أنه بعظة واحدة من القديس بطرس يوم الخمسين، آمن ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ وَاعْتَمَدُوا (أع2).
وأصبحوا هم مانحي الروح القدس.
وضعوا الأيدي على أهل السامرة، فقبلوا الروح القدس (أع 8: 17، 18). وكذلك على أهل أفسس فحل عليهم الروح القدس (أع19: 6). كذلك بوضع أيديهم كانت نعمة الروح القدس تحل في سر الكهنوت (2تي1: 6).. مع كل ما يعمله الروح في هذا السر.
بالروح القدس، بطرس وبولس أقاما ميتين.
بطرس الرسول أقام طابيثا من الموت. صلّى وقال طَابِيثَا قُومِي فَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا وقامت (أع9: 40) وبولس الرسول أقام أفتيخوس بعد أن وقع من الطبقة الثالثة إلى أسفل وحُمل ميتًا (أع20: 9-12) وبولس “كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ” (أع19: 12).
وأصبحت الكنيسة في أيامهم هي كنيسة الروح القدس.
وكان الامتلاء من الروح القدس، هو شرط لاختيار الخدام. حتى الشمامسة كان يجب أن يكونوا “مَمْلُوّءِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ” (أع6: 3). لذلك تميزت الخدمة أيام الرسل بالقوة.
كانوا أبطالًا للإيمان..
تميزوا بالقوة والجرأة والشجاعة في خدمتهم. وتحملوا في سبيل ذلك الجلد والسجن والرجم. ومع ذلك كانوا في الشهادة للرب يتكلمون بكل مجاهرة (أع4: 31)، وبلا مانع (أع28: 31). بل كانوا يكرزون في وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ (2تي4: 2).. حتى وهم في السجن. وكثير من رسائل بولس الرسول كتبها في السجن، مثل رسالته إلى أفسس (أف4: 1).
ويوحنا الرسول كتب رؤياه وهو في المنفى (رؤ1: 9). وقيل مرة بعد جلدهم، إنهم “ذَهَبُوا فَرِحِينَ لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ” (أع5: 40، 41).
وحولوا السجون إلى شبه معابد بتسابيحهم داخلها (أع16: 25).
ولما طردوهم من أورشليم، قيل عنهم: “فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ” (أع8: 4). فلم يسمحوا بعائق يمنعهم عن الخدمة. وكان بولس الرسول يقول: “وَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ”، “صِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ.. وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا” (1كو9: 16-22).
وقد كرز الآباء الرسل بتعاليمهم وبدمائهم. غالبيتهم انتقلوا شهداء. وكانوا متعددين في فضائلهم: تميز يوحنا بالحب، وبطرس بالغيرة، وبولس بالتعب والجهاد، وتوما بالتدقيق، ويعقوب بالنسك، وكلهم بترك العالم.
وتميزوا بالشجاعة والصمود والاحتمال.
يقول بولس الرسول: “فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ.. بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ.. كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ.. كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا.. كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ” (2كو6: 4-10) “مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ.. مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ” (2كو4: 8، 9).
وتميزت خدمتهم أيضًا بالحزم.
على الرغم من محبتهم للكل نرى حزمهم في موقف بطرس الرسول من حَنَانِيَّا وَسَفِّيرَةُ (أع5: 1-11). وموقف بولس الرسول من خاطئ كورنثوس (1كو5:5). وموقف يوحنا الحبيب من الهراطقة (2يو10، 11).
ونرى شجاعتهم في مواقفهم أمام الملوك والولاة.
مثل موقف بولس الرسول أمام أغريباس الملك (أع26: 27-29) وأمام فيلكس الوالي (أع24: 25). وفي قوله: “مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ.. تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا” (رو8: 35-39).
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة عشرة – العددان 25، 26 (19-7-1991م)



