أهمية القرن الرابع وأحداثه

قداسة البابا شنوده الثالث يقدم دراسة تاريخية ولاهوتية عن القرن الرابع الميلادي، موضحًا أنه من أعظم القرون في تاريخ الكنيسة بعد العصر الرسولي، لما شهده من تحولات عميقة بين الاضطهاد والإيمان، ومن ظهور الهرطقات إلى قيام المجامع، ومن دماء الشهداء إلى نهضة الرهبنة والعقيدة الأرثوذكسية.
1. بداية القرن الرابع وعصر الشهداء
بدأ القرن الرابع بزمن قاسٍ من الاضطهاد، وهو ما عُرف بـ«عصر الشهداء» حتى سنة 313م، حيث امتلأت الكنيسة بدماء الشهداء الذين ثبتوا في الإيمان رغم التعذيب والقتل.
وفي سنة 313 صدر مرسوم ميلان الذي منح حرية الدين وأوقف الاضطهاد، فبدأ المسيحيون يعيشون في سلام نسبي بعد قرون من الألم.
2. مجامع ما قبل نيقية ومعالجة التائبين
بعد زوال الاضطهاد، ناقشت الكنيسة كيف تستقبل المرتدين الذين أنكروا الإيمان خوفًا أو طمعًا، فعقدت مجامع محلية مثل مجمع قيصرية الجديدة ومجمع أنقرة لوضع قوانين تنظم قبولهم بالتوبة، مفرّقة بين من ضعف تحت العذاب ومن سقط بإرادته.
3. ظهور الهرطقات وأخطرها الأريوسية
مع الحرية الدينية ظهرت بدع كثيرة، أبرزها بدعة أريوس الذي أنكر لاهوت المسيح.
تصدى له البابا بطرس خاتم الشهداء وتلاميذه أرشيلاوس وألكسندروس، حتى عقد البابا ألكسندروس مجمعًا في الإسكندرية حضره مئة أسقف وحكم بحرمان أريوس.
لكن فكره انتشر، مما أدى إلى انعقاد مجمع نيقية المسكوني سنة 325م بحضور 318 أسقفًا، وصدر عنه قانون الإيمان النيقاوي الذي أعلن أن الابن مساوٍ للآب في الجوهر.
4. القديس أثناسيوس الرسولي بطل الإيمان
كان القديس أثناسيوس شماسًا شابًا وقت مجمع نيقية، وكتب مؤلفات عظيمة مثل تجسد الكلمة وضد الوثنيين، وصار فيما بعد بطريركًا ومدافعًا عن الإيمان ضد الأريوسيين، فاحتمل النفي والاضطهاد خمس مرات.
لقّبوه “أثناسيوس ضد العالم” لأنه ثبت وحده أمام الانحرافات العقائدية، وصار معلمًا لكل الكنائس الأرثوذكسية.
5. آباء القرن الرابع وأبطال العقيدة
شهد هذا القرن نهضة لاهوتية عظيمة بظهور الآباء الكبادوكيين: القديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس النزينزي، والقديس غريغوريوس النيسي، ومعهم القديس أمبروسيوس أسقف ميلان، والقديس هيلاري بواتييه الذي سُمي “أثناسيوس الغرب”.
هؤلاء جميعًا كتبوا دفاعًا عن الإيمان المستقيم في وجه الهرطقات.
6. الرهبنة في أزهى عصورها
القرن الرابع هو أيضًا عصر الرهبنة الذهبية؛ ففيه عاش القديس أنطونيوس الكبير، والقديس باخوميوس الكبير، والقديس مقاريوس الكبير، والقديس شنوده رئيس المتوحدين.
اجتمعت العقليات اللاهوتية العظيمة مع الروحيات العميقة، فصار القرن الرابع نموذجًا للوحدة بين الفكر والإيمان والعمل الروحي.
7. مجمع القسطنطينية (381م)
انعقد في أواخر القرن الرابع لمواجهة هرطقة مقدونيوس الذي أنكر لاهوت الروح القدس، وأقر أن الروح القدس منبثق من الآب، وأكمل قانون الإيمان.
شارك فيه البابا تيموثاوس بطريرك الإسكندرية (رقم 22) مع قديسين كبار، وأُكد فيه الثالوث القدوس الصحيح.
8. ثمار القرن الرابع
كان القرن الرابع عصرًا حاسمًا في تثبيت الإيمان، ووضع قوانين الكنيسة، وولادة الحياة الرهبانية المنظمة.
فهو قرن انتقلت فيه الكنيسة من عصر الدماء إلى عصر البناء، ومن الاضطهاد إلى الحرية، ومن الضعف إلى التأسيس العقائدي والروحي العميق.



