شــــــرح قانـــــــون الإيمـــــــان-6

شــــــرح قانـــــــون الإيمـــــــان-6-[1]
وصعد إلى السموات:
الله لا يصعد ولا ينزل، لأنه مالئ كل مكان. هو في السموات، وهو على الأرض، وهو ما بين هذه وتلك. لا يخلو منه مكان، هو في السماء التي قيل إنه يصعد إليها. وهو دائمًا على الأرض التي يصعد منها إلى السماء، لا يفارقها.
إذًا ما معنى كلمة صعد؟ ليس معناها أنه صعد باللاهوت، إنما صعد بالجسد (المتحد باللاهوت). هذا الصعود الذي ورد في (أع1: 9). ومن الناحية اللاهوتية فإن عبارة (صعد). تعني انتهاء عبارة (أخلى ذاته).
فسوف لا نراه فيما بعد في جسد تواضعه، بل في مجده. وحتى هذا الجسد الذي صعد، صعد ممجدًا. ونحن حينما سنقوم على شبه جسد مجده، هذا الذي تحدى كل قوانين الجاذبية الأرضية في صعوده، والذي دخل من الجدران المغلقة، والذي سوف لا نراه إلا في تجليه، في نورانيته وفي روحانيته. وفي مجيئه الثاني سيأتي في مجده، لإنه صعد.
وجلس عن يمين أبيه:
لعل هذه العبارة أخذت من رؤيا القديس اسطفانوس، إذ قال: ” هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ” (أع7: 56).
من الناحية اللاهوتية، الله ليس له يمين ولا شمال، لإنه غير محدود.
ولكن كلمة (يمين) ترمز إلى القوة وإلى البر، كما قيل: ” يَمينُ الرَّبِّ صَنَعَتْ قُوَّةً، يَمينُ الرَّبِّ رَفَعَتْني” (مز117).
معنى هذا أن السيد المسيح جلس، أي استقر، في قوة الآب وبره. فلم يعد له ما كان له في إخلاء ذاته من مظهر ضعف، كأن يلطموه أو يبصقوا عليه أو يصلبوه… الخ.
وعبارة (أبيه) هنا تدل على لاهوته كابن الله، بينما ما سبق من عبارات خاصة بآلامه وصلبه تمثل ناسوته كابن الإنسان، هذا الناسوت المتحد باللاهوت بغير افتراق.
هو أيضًا يأتي في مجده:
يتحدث قانون الإيمان هنا عن المجيء الثاني للسيد المسيح. ويذكر أنه يأتي في مجده، كما ورد في (متى25: 31) ” وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ…”.
وقيل أيضًا: ” وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ.” (متى24: 30).
ليدين الأحياء والأموات:
هذا يعني أن مجيئه للدينونة، وليس ليحكم ألف سنة على الأرض كما تعتقد بعض الطوائف.
وواضح أن مجيئه للدينونة كما ورد في (متى24: 31). ” فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا”. ونفس الوضع كما ورد في (متى13: 40و41) ” هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ: يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ…”. وفي (متى 25: 31- 46) تفاصيل كثيرة عن الدينونة التي يقوم بها الرب في مجيئه الثاني، تختتم بعبارة: ” فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ”.
وفي (يو5: 28 و29) ” يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ”. وواضح أيضًا أن المجيء الثاني للدينونة من قول الرب في سفر الرؤيا: ” هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ” (رؤ22: 12).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية عشرة – العدد الثالث 16-1-1981م


