الخادم الروحي

الخادم الروحي
ليس الخادم مجرد مدرس، وليس مجرد حامل معلومات ينقلها إلى الناس. ليس عقلًا مجردًا، إنما هو روح تنتقل إلى الآخرين، روح كبيرة اتحدت بالله، واختبرت الحياة معه، وذاقت ما أطيب الرب، وتريد أن تنقل هذه الحياة إلى غيرها. تنقلها بالمشاعر، وبالمثال الحي، بالقدوة الصالحة، وبالصلاة الابتهال لأجل المخدومين، وبالجملة بادخال روح الرب إلى الخدمة.
الخادم الروحي هو إنسان امتلأ بالروح، ولذلك يفيض على غيره من الروح الذي فيه. ولا يفيض إلا الذي امتلأ.
إذا صلحت روحانية الخادم، صلحت روحانية أولاده.
الخادم الروحي له كلمة الله الحية الفعالة، التي تترك تأثيرها في السامعين ولا ترجع فارغة.
الخادم الروحي ينمو باستمرار في محبة ربنا يسوع المسيح، وباستمرار يكون مستواه أعلى من أولاده بكثير. الخادم الروحي قدوة، ليس لأولاده فقط بل لزملائه أيضًا.
الخادم الروحي لا يعمل بقدراته الخاصة، إنما بمواهب الروح القدس العامل فيه. هو مجرد أداة يحركها الروح في خدمة الملكوت. إنه يعيش باستمرار في شركة الروح القدس.
الخادم الروحي لا يترك أمور العالم تشغله عن روحياته، وإذا استمر في التركيز على ما فيه خلاص نفسه، قد ينتهي به الأمر إلى التفرغ الكامل لخدمة الرب.
الخادم الروحي لا يشعر في خدمته أنه يُعطي، إنما باستمرار يشعر أنه يأخذ شيئًا جديدًا من الله أثناء خدمته. إن الخدمة بالنسبة إليه واسطة من وسائط النعمة كالصلاة والتأمل…
الخادم الروحي لحن جميل في سمع الكنيسة، وأيقونة طاهرة يتبارك بها كل من يراها…
الخادم الروحي يجاهد باستمرار مع الله من أجل أولاده، بكسب نفسه أمام الله في خدمته، لكي يقود الله الخدمة، لكي يعطيه الرب الغذاء الروحي اللازم له ولمخدوميه، ويعطيهم القوة على السير في طريق الرب… ويظل يبلل قدمي الله بدموعه حتى ينال منه استجابة صلواته لخير هؤلاء.
الخادم الروحي يدرك أن تحضير الدرس أو العظة، ليس هو تحضير المعلومات، إنما هو تحضير ذاته لتكون صالحة لعمل الروح فيها... إنه يذكر باستمرار قول الرب: “من أجلهم أقدس أنا ذاتي، لكي يكونوا هم أيضًا مقدسين في الحق”. ويضع أمامه قول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: “لاحظ نفسك والتعليم، وداوم على ذلك”. فيهتم بملاحظة نفسه أولاً قبل التعليم، لكي تخلص نفسه والذين يسمعونه أيضًا.
الخادم الروحي لا يحتاج تلاميذه إلى افتقاد، لأنهم من تلقاء ذاتهم يشتهون دروسه اشتهاءً وعندما يرونه في الكنيسة، يكونون كمن وجد غنائم كثيرة…
إنهم ينتفعون من منظره ومن معاملاته، كما ينتفعون من كلامه وربنا أكثر. وهو قد استطاع أن يربطهم بالحب برباط قوي يجذبهم بشدة إلى الله وإلى الكنيسة. إن درسه شهوة لنفوسهم ولأرواحهم ولقلوبهم ولعقولهم.
الخادم الروحي هو درس، ودرس عملي، أكثر مما هو كمعلم …
إنه لا يهتم بأن يكون مدرسًا ناجحًا، لأن مثل هذه الاهتمام فيه شيء من الذاتيه، إنما كل اهتمامه هو خلاص أنفس أولاده، إنه ينسى ذاته، من فرط تفكيره فيهم يقول كما قال بولس: “فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ” (رو9 :3).
الخادم الروحي يحب تلاميذه كما يحبهم الله، أو كما يحبه الله، كما قيل عن المسيح أنه أحب خاصته إلى المنتهى …
إنه يحب الله من كل قلبه، ويحبهم أن يحبوه مثله أو أكثر. وكلما يمر الوقت تزداد محبته لهم. إن أحبوا الله تزداد محبته لهم إعجابًا بروحهم. وإن سقطوا، تزداد محبته اشفاقًا عليهم، وحرصًا على خلاصهم. بهذا الحب يعطيهم صورة مشرقة عن الدين وعن الله.
الخادم الروحي ليس إنسانًا يتدرب على حياة التوبة، بل هو يتدرب على حياة الكمال. وكلما ينمو يزداد اتضاعًا، شاعرًا أن الطريق أطول بكثير من خطواته.
الخادم الروحي ملح للأرض، ونور للعالم. كل من يختلط به يستنير، ويأخذ شيئًا إلهيًا. إنه نعمة تتدفق على كل أحد، ليس في الكنيسة فقط، إنما أيضًا في البيت وفي العمل وفي الطريق، هو خادم أينما وجد.
الخدمة عنده لا يحدها مكان ولا زمان ولا رسميات، إنما روح الخدمة عنده تجعله يخدم كل من يصادفه أو يختلط به.
الخادم الروحي هو كنيسة متحركة، وإنجيل متجسد، ووسيلة ايضاح لجميع الفضائل. ولعل البعض يسأل نفسه: كيف يمكن لإنسان أن يصير هكذا؟ يكفي أن تكون أمينًا للرب، وأن تطلب ملكوت الله وبره، من كل قلبك، وبكل جهدك، بكل ابتهال ودموع وصراع مع الله، وحينئذ كل هذه تزدادونها.
الخادم الروحي له باستمرار شعور الانسحاق وعدم الاستحقاق …
يشعر أن إعداد القديسين أمرًا فوق مستواه، وخلاص النفس البشرية أمر أعلى منه، هو عمل الله… ويشعر أن اشتراكه مع الله في العمل، وشركته مع الروح القدس في بناء الملكوت وتطهير القلوب، كلها أمور لا يستحقها…
ولكنه على الرغم من شعوره بعدم الاستحقاق، لا يهرب من الخدمة، بل هذا الشعور يدفعه إلى مزيد من الصلاة…
يقول الله باستمرار: إنه عملك، وليس عملي. وأنت لا بد ستعمله بي أو بغيري. أنا مجرد متفرج أتأمل عملك، وأفرح وأسر “إِذًا لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئًا وَلاَ السَّاقِي، بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي” (كو3:7). فاعمل يا رب عملك، وفرح قلوب أولادك. ولا تمنع نعمة روحك القدوس عن أولادك بسبب أخطائي أو ضعفاتي أو تقصيري.
وهكذا بلجاجته في الطلب ينال نعمة من الله للخدمة. وعندما تنجح الخدمة، يعطي مجدًا للرب الذي عمل العمل كله.
إن كنا نعلم أنه: “إن لم يبن الرب البيت فباطلاً تعب البناؤون” فلماذا إذن نتعب باطلاً، ولاندخل الرب في العمل، لكي يتم العمل ونستريح نحن.
إن مهمة الخادم الروحي الناجح هي ادخال الله في العمل..
بعض الخدام يظنون أن غاية الإخلاص هي أن يعملوا، أما الخادم الروحي فيرى أن غاية الاتقان هي أن يعمل الله، أن يختفي هو ويظهر الله، وليس معنى هذا أنه يكسل ولا يعمل، كلا إنه يعمل ولكن ليس هو، وإنما الله الذي يعمل فيه. وكما قال بولس الرسول: “لكي أحيا لا أنا، بلل المسيح الذي يحيا فيَّ”.
الخادم الروحي إنسان آمين، يتعب بكل جهده في الخدمة.
يضع أمامه قول الكتاب: “ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة”، هو يتعب لكي يستحق أن يعمل الله معه، يتعب لكي ينظر الله إلى ذله وتعبه فيحمل عنه الحمل كله. يتعب ويقول لنفسه كما قال داود النبي: “لا أدخل إلى مسكن بيتي، ولا أصعد على سرير فراشي، ولا أعطي لعيني نومًا، ولا لأجفاني نعاسًا، ولا راحة لصدغي، إلى أن أجد موضعًا للرب، ومسكنًا لإله يعقوب”. موضعًا للرب في قلب كل أحد.
الخادم الروحي هو إنسان يشتعل بالغيرة المقدسة…
يقول مع داود النبي: “غيرة بيتك أكلتني”. ويقول مع بولس الرسول: “من يضعف وأنا لا أضعف. من يفتر وأنا لا ألتهب”. إنه إنسان حار في الروح. دخلت فيه النار المقدسة التي حلت على الرسل في يوم الخمسين.
إنه لهيب نار تتحرك في الخدمة، يعمل عمل الرب بحرارة، بكل القلب، بكل الرغبة، بكل حماس، أمينًا في خدمته إلى الموت.
الخادم الروحي يشعر على الدوام أنه في حضرة الله، وتكون الخدمة بالنسبة إليه كمذبح مقدس، وعمله فيه كرائحة بخور.
الخادم الروحي يكون أولاده روحيين. إنه يربيهم على شبهه ومثاله.
والخادم الاجتماعي أولاده اجتماعين، والخادم الذي لا يهتم الإ بالعلم يكون أولاده مجرد كتب تحمل معلومات. ما أصدق قول الكتاب: “شجرًا ذا ثمر يعمل كثمر جنسه”، “يعمل ثمرًا بذره فيه كجنسه” (تك 1 : 11،12).
إن كان الأمر كذلك فلنحترس كيف نكون نحن، لأنه على شبهنا ومثالنا سيكون أولادنا.
الخادم الروحي يشعر أن أولاده أمانة في عنقه، سيعطي عنهم حسابًا أمام الله في يوم الدين. إنهم أولاد الله وقد تركهم في يديه ليعطيهم طعامهم في حينه.
أريد أن كلا منكم يسأل نفسه عن روحانية خدمته، وروحانية حياته، وروحانية أولاده.
روحانية حياته من أجل خلاص نفسه، وبسبب تأثير حياته في مخدوميه. ورحانية خدمته حتى تكون ذات أثر مثمر في ايجاد جيل جديد روحاني، وروحانية أولاده، وهي تحاتج إلى صبر شديد وطول بال.
الخادم الروحي يطيل باله جدًا حتى تنمو البذرة وتخضر تثمر، ولا يضيق صدره إن تأخر انباتها أو أزهارها أو أثمارها.
إنه يضع أمامه قول الرسول: “أطلب إليكم أيها الأقوياء أن تحتملوا ضعف الضعفاء”، بعض النفوس لا تعطي ثمرًا سريعًا، وبعضها لا يتخلص من أخطائه بسرعة. وهؤلاء وأولئك يحتاجون إلى من يطيل روحه عليهم حتى يخلصوا. قال القديس يوحنا ذهبي الفم: “إن كان الجنين الجسدي يحتاج إلى شهور طويلة حتى يتكامل وينمو ويخرج، فلنصبر على الجنين الروحي حتى يكمل نموه”.
الخادم الروحي يهتم بغذاء أولاده الروحي. فهو يأخذ غنيماته الصغيرات إلى موارد المياة وإلى المراعي الخضراء، يرعاها بين السوسن.
إنه يهتم بروحيتها، ولا يقتصر على معلومات يحشو بها عقلها.
ولكن ليس معنى هذا أن نهمل المعرفة، وإنما نأخذ منها ما يبني الروح، ولا نركز على بناء العقل فقط.
الخادم الروحي، حتى إن تكلم في موضوع لاهوتي أو عقيدي أو طقسي، يتكلم كلامًا روحيًا. أما الخادم العقلاني فحتى إن تكلم في الروحيات يحولها إلى علم ونظريات وأفكار.
كونوا إذن خدامًا روحيين واخدموا خدمة روحية.
أقول هذا لأنني خائف على هذا الجيل، الذي كثرت فيه المعرفة جدًا وقلت الروح. واختلف عن ذلك الجيل الماضي، الذي كانت فيه الخدمة كابراج حمام، تهدل بنشيد الحب الإلهي. ولأن خدامًا بدأوا بالروح، ثم كملوا بالجسد، أو بالعقل، أو بالاجتماع، أو بالسياسة.
مقتطفات من الكلمة التي ألقاها قداسة البابا شنوده الثالث في مؤتمر الخدام بالإسكندرية مساء يوم الاثنين 30\6\1975 بالكنيسة المرقسية الكبرى.




