شـــــرح قانـــــــــون الإيمـــــــــــــان -4

شـــــرح قانـــــــــون الإيمـــــــــــــان -4-[1]
الذي به كان كل شيء:
أي بأقنوم الكلمة، بعقل الله الناطق أو نطق الله العاقل، خلق الله كل شيء. بالحكمة خلق الله الكون. والابن هو حِكْمَةِ اللهِ (1كو1: 24). وقد قال عنه القديس بولس: “الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ ” (عب1: 2). وقيل في بدء إنجيل يوحنا: ” كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ” (يو1: 3).
وما دام كل شيء قد خلق به: إذن هو قبل كل الدهور، وقبل الكون وقبل كل الخليقة. وهنا نتذكر قول القديس أوغسطينوس: “للابن ميلادان: ميلاد من العذراء في ملء الزمان، وميلاد من الآب قبل كل الدهور. فإن كان ميلاده من العذراء يصعب علينا إدراكه، فكم بالأكثر ميلاده من الآب السماوي”؟!
هذا الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء:
معني هذا أن خلاص البشر هو سبب الفداء. حتى لو كانت هناك أسباب أخرى، تكون جانبية وعارضة. أما السبب الرئيسي فهو الخلاص، الذي تم بالفداء على الصليب.
فلو إن الابن لم يفعل شيئًا سوى الخلاص، لكان هذا يكفي. ولو أنه – في تجسده – عمل أشياء عديدة جدًا ما عدا الفداء، إذن لكان التجسد لم يقم برسالته.
“من أجلنا نحن البشر” عبارة تدل على مكانة البشر عند الله، وتدل على أن الخلاص خاص بهم وحدهم.
لهذا فإن السيد المسيح كان يلقب نفسه بابن البشر، لأنه جاء ليدفع ثمن خطايا البشر جميعهم. وسمى نفسه ابن الإنسان، من نسل هذا الإنسان، ينوب عنه، ويحمل خطيته، ويدفع ثمنها للعدل الإلهي، ليخلص الإنسان…
وهذا الخلاص يشمل الخلاص من عقوبة الخطية، من الموت بكل أنواعه، وأيضًا ليخلص الإنسان من الخطية ذاتها.
عبارة نزل من السماء، تعني أنه فارق السماء…
فهو نزل منها، ولا يزال باقيًا فيها. كما أن عبارة “أتى إلى العالم” لا تعني أنه لم يكن موجودًا فيه قبل مجيئه إليه. الله نزل من السماء إلى الأرض، وهو موجود في كليهما، وفي ما بينهما قبل النزول وأثناءه وبعده.
هو في كل مكان، في كل وقت، في السماء، وفي الأرض، وفي ما بين السماء والأرض.
وقد ظهر هذا في قوله لنيقوديموس: ” وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ “(يو3: 13) فأراه أنه من السماء، في نفس الوقت الذي يكلمه فيه على الأرض.
وعبارة نزل، وصعد، ما هي إلا كلمات تقرب المعنى إلى أذهاننا، وترينا أن تجسد الرب هو نزول إلى طبيعتنا.
يشبه هذا قولنا: “أبانا الذي في السموات”، مع أنه في السموات وعلى الأرض. ولكن عبارة (السموات) ترينا علو مركز الله، الذي يجعلنا نتجه بعيوننا إلى فوق، مع أن الله في كل مكان، فوق وتحت، لكنه تعبير يؤثر على حواسنا وإحساساتنا…
وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء
تجسد، أي أخذ جسدًا، اتحد بهذا الجسد، اتحد به لاهوته، اتحادًا كاملًا، بحيث لم ينفصل عنه لحظة واحدة ولا طرفة عين. وهذا الإتحاد أطلقنا عليه عبارة (طبيعة واحدة)، كما قال القديس كيرلس عمود الدين: “طبيعة واحدة للكلمة المتجسد” هذه الطبيعة الواحدة، ليست هي اللاهوت وحده، ولا الناسوت وحده، ولكنها (الكلمة المتجسد) أو حسبما قال القديس بولس لتلميذه تيموثاوس: ” اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ ” (1تي3: 16).
أخذ جسدًا من مريم العذراء، لكي تكون له طبيعتنا، نفس الطبيعة التي جاء ليخلصها. ولهذا صار “بكرًا لأخوة كثيرين” ودعانا إخوته. ولكن لما كانت أي عذراء لا يمكنها أن تلد ابنًا بدون زرع بشر، لذلك حل الروح القدس على مريم العذراء (لو1: 35)، وكون منها جسد المسيح الذي ولدته. ولهذا قيل إنه تجسد من الروح القدس ومريم العذراء.
وتأنس:
أي صار إنسانًا. والمقصود بهذه العبارة (كمال الناسوت) ذلك لأن بعض الهراطقة ظنوا أن المسيح لا يحتاج إلى نفس أو روح بشرية، ويكفي أن يكون حيًا باللاهوت!
ولو صح هذا ما كان يشبهنا في كل شيء، وما كنا نجرؤ أن نقول إن له طبيعتنا، لأن الجسد بدون روح لا يمكن أن يكون ناسوتًا كاملًا أو طبيعة بشرية كاملة.
لذلك قيل “وتأنس” أي صار إنسانًا كاملًا، له ملء الناسوت، يقول عنه القديس بولس الرسول: “بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (رو5: 15).
وصلب عنا:
صلب عنا، أي ليس عن خطية فعلها، بل عنا نحن، لأنه بار بلا خطية. وعبارة (عنا) تعني أنه ناب عنا، لأنه حمل خطايانا، كما قال القديس يوحنا المعمدان: “هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ! (يو1: 29) “الرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا” (إش53: 4- 6).
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثانية عشرة – العدد الأول 2-1-1981م




