صاحب الكرم

صاحب الكرم
إلهنا الصالح شبه كنيسته بالكرم، والرعاة بالكرامين. أما هو فقال عنه الكتاب إنه: “صاحب الكرم” (لو20: 15).
إذن فالكنيسة المقدسة ملك لله نفسه. هو صاحبها. وليست هي ملكًا لهذا الراعي أو ذاك. إنها كنيسة المسيح.
أما الرعاة فمجرد وكلاء، ينوبون عن صاحب الكرم. يديرون الكرم حسب مشيئته هو، وليس حسب مشيئتهم الخاصة.
سلطانهم ليس سلطانًا مطلقًا، وإنما في حدود أوامر صاحب الكرم وقوانينه المقدسة التي وضعها رسله وقديسوه.
مسكين هو الراعي الذي يظن نفسه صاحبًا للكرم، يتصرف فيه حسب هواه: يولي من يشاء، ويعزل من يشاء، ويمنع من يشاء، ليس حسب قانون أو آية من الكتاب، وإنما لأنه هو أراد فكان..
إن الأسقف – مثلًا – إذا عين أحدًا، إنما يكون مقيدًا بآيات الكتاب وقوانين الكنيسة في صفات هذا الشخص، وطريقة توليه لعمله. كوكيل لصاحب الكرم، يجب أن ينفذ تعليماته في هذا الخصوص. وإذا حكم على أحد، إنما يجب أن يحكم في نطاق الحدود التي يسمح له بها صاحب الكرم، والإ فإن الحكم يخرج من فيه على نفسه كما يقول الآباء الرسل..
وهذا الراعي عندما جعله صاحب الكرم وكيلًا، إنما فعل ذلك لكي يعتني الوكيل بالكرم ويهتم به، لا ليأخذ الأمر كمنصب يتمجد به.
وهكذا يقول الرب: “مَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ طعامهم فِي حِينِهَ؟ طُوبَى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا!” إذن هو صار وكيلًا ليهتم، ويتعب ويعتني، ويسهر الليل والنهار، ويحمل الصليب كل وقت “ليعطيهم طعامهم في حينه”. هو راع ليخدم الناس، لا ليُخدم منهم. وهكذا تعب الرسل في الخدمة. وهكذا قال بولس الرسول: “إن اشتهى أحد الأسقفية، فقد اشتهى عملًا صالحًا” أي إن اشتهى أحد أن يتعب من أجل الله، ويحتمل، ويبذل نفسه عن الآخرين.
أما إن استخدم سلطانه لإتعاب غيره، وللسيطرة وإذلال الناس. أما “إِنْ قَالَ ذلِكَ الْعَبْدُ فِي قَلْبِهِ: إن سَيِّدِي يُبْطِئُ في قُدُومَهُ، فَيَبْتَدِئُ أن يَضْرِبُ العبيد والإماء“، فماذا يقول الرب عن مثل هذا الوكيل؟ مخيف هو قول الرب، إن كتبته أكتبه وأنا مرتعد يقول: “يَأْتِي سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْد،ِ فِي اليَوْمٍ الذي لا يتوقعه، وفي الساعه التي لا يعرفها. فيشقه من وسطه، ويجعل نصيبه مع عديمي الإيمان” (لو 12).
ومن إهتمام الكنيسة بهذا المثل، وضعته لنا في الأجبية نتلوه في الهجعة الثالثة من صلاة نصف الليل كل يوم، لنتذكر، ونخاف..
مسكين ذلك الراعي الذي يظن أن صاحب الكرم “يبطئ في قدومه”.
إنه موجود في كل وقت، يبصر كل شيء، ويراقب. إنه ضابط للكل…
إن تأنى على الكرامين، فإنما لكي يتوبوا ويصلحوا طرقهم، لا لكي يعيشوا في عدم اكتراث ولا مبالاة. وإلا فماذا يقول الكتاب عن الذين تصرفوا كما لو كانوا هم أصحاب الكرم، وجلدوا البعض من عبيده، وأهانوا البعض وأرسلوه فارغا، وأخرجوا البعض خارجا، وقتلوا من قتلوه؟..
نعم، ماذا قال الكتاب عن أمثال هؤلاء؟.. قال: إنه،”يأتي ويهلك هؤلاء الكرامين، ويعطى الكرم لآخرين”.( لو 20). وقال لهم الرب: “ملكوت السموات ينزع منكم، ويعطي لأمة تصنع ثماره“..
ما أرهب هذا الكلام!! ليت كل من يسمعه يستيقظ، ويملأ وعاءه بالزيت قبل أن يأتى العريس. ليت كل من يسمعه يصنع له أصدقاء من مال الظلم قبل أن يقول له الرب: “لا تكن وكيلًا بعد”.
ليتنا نتأكد أننا لسنا أصحاب الكرم. فصاحب الكرم هو الله.
مقالة لينافة الأببا شنوده أسقف التعليم – صاحب الكرم ، الكرازة – السنة الثانية- العدد السادس: أغسطس 1966




