الآباء اللاتين – القديس أوغسطينوس
يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث في هذه المحاضرة عن سيرة القديس أغسطينوس، فيعرض تاريخه، وتوبته، ومؤلفاته، وتأثيره اللاهوتي والروحي، مبينًا كيف تحوّل من الفلسفة إلى الإيمان، ومن البحث العقلي إلى عمق الحياة الروحية.
النشأة والبداية
وُلد أغسطينوس سنة 354 م في شمال أفريقيا (الجزائر)، وتنيّح سنة 430 م، بعد حياة طويلة امتدت 76 عامًا. تلقّى تعليمه في قرطاجنة، وتفوّق في البلاغة والفصاحة، وكان ذكيًا رقيق الطبع. نشأ بعيدًا عن والديه، فعاش في طياشة الشباب، وانشغل بالفلسفة الأفلاطونية وبالبدعة المانوية.
البحث عن الحقّ والتوبة
انتقل أغسطينوس إلى ميلانو حيث التقى بالأسقف أمبروسيوس الذي أثر فيه بوعظه العميق، فبدأ يفكر في المعمودية والتوبة. تأثر بدموع أمه القديسة مونيكا التي صلّت كثيرًا من أجله، وبمرارة الخطية التي اختبرها، وبقراءة سير القديسين خاصة سيرة القديس أنطونيوس، ورسائل بولس الرسول، وسفر إشعياء. كل هذه العوامل كانت نداءً داخليًا قاده إلى الرجوع إلى الله.
العماد والتحول الروحي
اعتمد أغسطينوس سنة 387 م وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وبدأ حياة جديدة قوامها الصلاة والتأمل. قال لله: “كنت معي ولكني لم أكن معك، تأخرت كثيرًا في حبك أيها الجمال الفائق.” أدرك أن الله يسكن في داخله، فشكر الرب قائلاً: “حللت قيودي فلك أذبح ذبيحة التسبيح.”
صفاته الروحية والعقلية
جمع أغسطينوس بين العقل الفيلسوف والقلب المؤمن، وبين الذكاء والتواضع. عُرف كرجل صلاة وتأمل، وكرّس حياته بعد توبته للرهبنة والتعليم والخدمة. باع أمواله بعد وفاة أمه ووزعها على الفقراء، وعاش فقيرًا ناسكًا.
كتاباته اللاهوتية والفكرية
ترك القديس أغسطينوس تراثًا ضخمًا من 260 مؤلفًا تشمل الرد على الهرطقات، وكتبًا لاهوتية وروحية مثل الاعترافات ومدينة الله وعن الثالوث وعن النعمة. تميز كتاب الاعترافات بتواضعه إذ اعترف بخطاياه أمام العالم كله ليكون مثالًا في الصدق والتوبة. أما كتابه التراجعات (Retractationes) فأظهر فيه اتضاعًا عميقًا إذ راجع أفكاره القديمة وصحح ما وجده خطأً.
فكره اللاهوتي ومواقفه
دافع أغسطينوس ضد الهرطقات كالمانوية والبيلاجيانية، وشرح مفهوم النعمة والخطيئة الأصلية بعمق روحي وفكري. كما خاض مناقشات مع القديس جيروم بروحٍ وديعةٍ متواضعةٍ منتصرةٍ بالمحبة لا بالجدال.
البعد الروحي لتعاليمه
يمثل أغسطينوس مسيرة التوبة الحقيقية: من ظلمة الشهوات إلى نور الإيمان، ومن الكبرياء إلى الاتضاع. لقد أدرك أن الفلسفة لا تخلّص الإنسان، بل النعمة الإلهية وحدها. لذلك يُعدّ “قديس النعمة” في فكر الكنيسة، إذ أبرز دور عمل الله في خلاص النفس البشرية.




