الآباء اللاتين – القديس أمبروسيوس أسقف ميلان
يتحدَّث قداسة البابا شنوده الثالث في هذا المقطع عن حياة وفضائل القديس أمبروسيوس، مبرزًا أعاجيبٍ في سيرة رسامته وعمق أثره اللاهوتي والراعوي في الكنيسة.
مناخ ومكان الميلاد والنشأة
وُلد أمبروسيوس في غال (فرنسا اليوم) سنة 340 م من أسرةٍ غنيةٍ متدينة، وكان والده حاكمًا في الإقليم، فتلقّى تربيةً علمية وقانونية أهلته أن يعمل مستشارًا وقاضيًا قبل أن يُدعى للخدمة الأسقفية.
اختيارُه الأسقفيُّ الاستثنائيّ
أُختير أمبروسيوس لكرسي الأسقفية بينما كان في صفوف الموعوظين، فتعمد ثمّ رُسم أسقفًا بعد ثمانية أيام — حادثة تُعدُّ من أعجب ما في تاريخ الرسامات، ومرَّ بعدها بقرارٍ حاسمٍ بترك أمواله للفقراء وللكنيسة.
عطاؤه الوعظي والثقافيُّ
امتاز أمبروسيوس بفصاحةٍ وبلاغةٍ خارقتين، فأخذ الناس بمواعظه اليومية والاحتفالية؛ واستفاد من مسيحيات الآباء الشرقيين (أوريجانوس، ديديموس، أثناسيوس، وباسيليوس) فجمع بين البلاغة والعمق اللاهوتي.
دوره في هداية أغسطينوس والتأثير الروحيّ
كان أمبروسيوس الذي عمَّد أغسطينوس وقرابته إلى الإيمان، وقد وصفه أغسطينوس في الاعترافات كالمعلم الذي قاد يده نحو الله بدون علمٍ سابق، لما لقيه من عطفٍ وبلاغةٍ روحانية.
موقفه الأخلاقيُّ من السلطان والعدل الاجتماعيُّ
لم يخشَ أمبروسيوس أن يوبّخ الأباطرة؛ واجه فالنتينوس وثيودوسيوس وغيرهم، ووقف صارمًا أمام إجرامٍ مثل ذبح أهل تسالونيكي فأجبر الإمبراطور على التوبة واعتراف العلني، كما نصح بتشريعات تحفظ الضعفاء من تعسف السلاطين.
مؤلفاته اللاهوتية والطقسية والترتيلية
ترك أمبروسيوس مؤلفاتٍ مهمة: عن الإيمان (خمس أجزاء)، عن الروح القدس، عن سر التجسد، تفسيرًا للإنجيل والمزامير، قوانين للنسك، ورسائل متعددة (قرابة 91 رسالة)، وله قداس وتراتيل لازالت تستخدم في ميلانو؛ اهتم بالبتولية والتوبة والأسرار الكنسية.
منهجه التأويلي والمصادر الكتابية
اعتمد أمبروسيوس طرقًا تفسيرية متعددة: الحرفية والرمزية والروحية، واستعمل أسفارًا أُبْرِزتْ لاحقًا في بعض التقاليد (طوبيا، يهودية، باروخ، سفر حكمتٍ كسيراخ) في تفسيراته.
الخلاصة الروحية
من سيرة أمبروسيوس نتعلم مزيجًا فريدًا من البلاغة والعناية الرعوية والشجاعة الأخلاقية؛ فهو نموذجُ الراعي الذي يخدم العلم والروح معًا، يدافع عن الحق ويحضُّ على الفضيلة، ويجعل من السلطة الروحية قوة تغيّر القلوب والمجتمعات.



