شرح قانون الإيمان-3

شرح قانون الإيمان-3-[1]
نور من نور
السيد المسيح هو نور، بالمعنى اللاهوتي وليس بالمعنى المادي، لأَنَّ اَللهُ رُوحٌ (يو4: 24).
وهو النور الحقيقي، وليس مثلما قال عن تلاميذه أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ (متى5: 14). فالبشر عندما ينيرون، إنما يستمدون نورهم من الله، النور الحقيقي، كمثال القمر الذي لا ينير بذاته، إنما يستمد نوره من الشمس.
وقد قيل عن يوحنا المعمدان: “لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ، بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ. كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِيًا إِلَى الْعَالَمِ” (يو1: 7، 8، 9). ويقصد بالنور الحقيقي هنا المسيح الذي يشهد له المعمدان.
والسيد المسيح قال: “أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ” (يو8: 12).
ونحن نخاطب السيد المسيح بلقبه “النور الحقيقي” في صلاة باكر، فنقول “أيها النور الحقيقي الذي يضئ لكل إنسان آت إلى العالم. أتيت إلى العالم بمحبتك للبشر، وكل الخليقة تهللت بمجيئك”…
نور من نور: أي الابن الذي هو نور، من الآب الذي هو نور. فولادة الابن من الآب، كولادة النور من النور.
وقد ورد عن الآب في الكتاب إنه نور، “إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ” (1يو1: 5). وقيل أيضًا “الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ” (1تي6: 16).
إله حق من إله حق
المقصود أن يكون له لاهوت حقيقي، لا مجرد لقب…
فقد استخدمت كلمة (إله) في الكتاب في غير معنى اللاهوت. كما قال الله لموسى “أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ” (خر7: 1). وهنا كلمة (إله) بمعنى سيد، وليس معناها مثلًا الله الخالق أو القادر على كل شيء.. وبالمثل قال الله لموسى عن أخيه هارون: “وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا، وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلهًا” (خر4: 16). (فمًا) هنا ليست بالمعنى الحرفي، وكذلك (إلهًا).
في هذه الأمثلة لم يكن موسى إلهًا حقيقيا لفرعون وهارون!
وإنما أُعطيَّ له هذا اللقب بمعنى (سيد) كما تستخدم كلمة (رب) أحيانًا بمعنى سيد وليس بمعنى إله.
وبنفس الوضع قال الرب: “ألم أقل إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ” (مز82: 6). وهنا آلهة مجرد لقب، لا تعني اللاهوت، بدليل أنه قيل بعدها مباشرة “ولكنكم مثل البشر تموتون، وكأحد الرؤساء تسقطون” فالذين يموتون ويسقطون ليسوا هم آلهة حقيقيين.
ونفس اللقب قيل في أول المزمور ولا يعني (إله حقيقي). “اَللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ اللهِ. فِي وَسْطِ الآلِهَةِ يَقْضِي”. (مز82: 1)
تعبير الجمع من الطبيعي أنه لا يدل على لاهوت حقيقي. لأنه لا يوجد سوى إله واحد. وتعبير الجمع هذا قيل أيضًا عن آلهة الوثنيين، التي تدعى بهذا اللقب، ولكنها ليست آلهة حقيقية وكما قيل في المزمور عن الرب: ” مَهُوبٌ هُوَ عَلَى كُلِّ الآلِهَةِ. لأَنَّ كُلَّ آلِهَةِ الأُمَمِ شياطين (أَصْنَامٌ)” (مز96: 4، 5).
أما السيد فهو إله حق. أي إله حقيقي.
وقد وردت آيات كثيرة في الكتاب المقدس عن لاهوت المسيح.
منها (رو9: 5) حين قال الرسول عن اليهود: ” وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ، الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلهًا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ”. وكذلك الآية الأولى من إنجيل يوحنا: ” فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.”(يو1:1). وكذلك قول الرسول لأساقفة أفسس: ” لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ ” (أع20: 28). وطبعًا عبارة (دَمِهِ) تعني تجسده.
كذلك من الآيات الواضحة عن لاهوت المسيح، قول الكتاب: “عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ” (1تي3: 16).
ويلاحظ في كل الآيات الأخيرة لفظ (الله) وليس مجرد إله. وهذه الآيات ترد بوضوح على شهود يهوه…
كذلك وردت في الكتاب المقدس آيات كثيرة تثبت لاهوت المسيح من حيث ألقابه وأعماله الأخرى.
مثلما قيل عنه أنه الأول والآخر، الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ” (رؤ1: 8، 17، رؤ22: 13). هذا لقب واضح من ألقاب الله. كما ورد في (إشعياء44: 6). فالله وحده هو الأول، إذ ليس كائن يسبقه، كما قال: ” أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ. أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ” (أش43: 11).
ومن الصفات الأخرى التي شرحها الكتاب وتثبت لاهوت المسيح
إنه خالق، وغافر للخطايا، وموجود في كل مكان، وفاحص القلوب وعالم بالأفكار، وإنه رب، وإنه القدوس، والديان.. إلى آخر هذه الصفات الإلهية.
ولسنا الآن في وضع بحث كامل عن لاهوت المسيح، فهذا يستلزم كتابًا كاملًا، إنما أردنا أن نقول إن ما ورد في قانون الإيمان، إنما هو مستمد من روح الكتاب ونصوصه.
المسيح إله حق من إله حق، أي من الله الآب.
فلاهوت المسيح لاهوت حقيقي كلاهوت الآب تمامًا.
مولود غير مخلوق
فهو مولود من الآب، ولادة طبيعية، ولكنه غير مخلوق. فالمخلوق له بداية، وهو لا بداية له، إنما هو أزلي بأزلية الآب. وإن كان حسب الجسد قد ولد في ملء الزمان، إلا أنه من حيث اللاهوت مولود منه قبل كل الدهور، منذ الأزل.
مساو للآب في الجوهر
المقصود بهذه العبارة هو الرد على الفهم الخاطئ لقول السيد المسيح: ” لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي”. فالآب ليس أعظم من الابن في الجوهر، أو في اللاهوت، أو في الطبيعة، لأن لاهوت الابن هو نفس لاهوت الآب.
لذلك ذكر قانون الإيمان أنه مساوِ للآب في الجوهر، أي ليس الآب أعظم، بل نحن نقول أيضًا الثالوث المقدس المساوي، أي الذي يتساوى فيه الثلاثة أقانيم.
إن جوهر اللاهوت هو هو، لذلك يقول البعض “واحد مع الآب في الجوهر”. والمعنى واحد، ولكننا ملتزمون هنا بنص قانون الإيمان حسب مجمع نيقيه المسكوني المقدس.
وعبارة مساوِ للآب في الجوهر، تعني في كل الصفات الإلهية
أي مساوِ له في الأزلية، وعدم المحدودية، ومساوِ له في القدرة على كل شيء، الوجود في كل مكان… إلخ.
وباختصار مساوِ له في اللاهوت، في الطبيعة اللاهوتية.
ويكفي في هذا المجال قول السيد المسيح “ أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ “. (يو10: 30) تلك العبارة التي لما سمعها اليهود أرادوا أن يرجموه. وقد كرر السيد المسيح هذه العبارة بنفس المعنى في (يو17: 22) في قوله للآب: ” كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ”.
وقد قال السيد المسيح كلمات كثيرة بنفس المعنى
مثل قوله في توبيخ فيلبس الرسول على سؤاله: ” أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا” فأجابه ” أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟”. (يو14: 9).
أما عبارة ” أَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي” (يو14: 28) فقد قالها عن إخلائه لذاته في تجسده وليس عن لاهوته…
قالها عن تواضعه، في أخذه شكل العبد، وليس عن جوهر لاهوته الذي هو نفس جوهر الآب..
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الحادية عشرة – العدد الثاني والخمسون 26-12-1980م




