الآباء الكبادوكيين
يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث عن الآباء الكبادوكيين، وهم ثلاثة من أعمدة الكنيسة في القرن الرابع: القديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس النزينزي (الناطق بالإلهيات)، والقديس غريغوريوس النيسي، الذين كان لهم أثر لاهوتي ورعوي عظيم في تاريخ الكنيسة والدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي.
نشأة القديس باسيليوس الكبير
وُلد القديس باسيليوس في كبادوكيا عام 330م من أسرة عريقة في التقوى والعلم، فجده وجدته وأبواه وإخوته كانوا جميعاً من رجال ونساء الإيمان. أخته القديسة مكرينا كانت راهبة ومرشدة روحية أثّرت في حياة باسيليوس، وجعلته يختار طريق الزهد والرهبنة بعد أن كان متأثراً بمجده العلمي ونجاحه في البلاغة والتعليم.
دراسته وتكوينه
تعلّم باسيليوس في قيصرية والقسطنطينية وأثينا، وهناك كوّن صداقة روحية عميقة مع القديس غريغوريوس النزينزي، وكانا مثالاً للشباب المسيحي في حياة التقوى والعلم. وقد جمع بين ثقافة فلسفية عالية وتواضع روحي نادر، مما أعدّه لخدمة الكنيسة.
تحوله إلى الحياة النسكية
بعد عودته من أثينا وتأثره بأخته مكرينا، باع باسيليوس كل أملاكه ووزعها على الفقراء، وبدأ حياة النسك سنة 357م، فأسس أديرة ووضع قوانين للرهبنة تعد من أقدم القوانين الرهبانية في الكنيسة. كما زار أديرة مصر وفلسطين وسوريا ليتعلم من روحانيتها.
خدمته الأسقفية ودفاعه عن الإيمان
عُيِّن رئيساً لأساقفة قيصرية سنة 370م، فدافع بشجاعة عن الإيمان النيقاوي ضد الأريوسيين والإمبراطور فالنس. لم يخف التهديد ولا النفي، بل قال بثقة إن الله موجود في كل مكان، وإنه لا يملك شيئاً ليُصادر. قوته الروحية أخضعت حتى الملوك، وأظهرت أن سلطان الله أعظم من السلطة الزمنية.
خدمته الاجتماعية والرعوية
أسس القديس باسيليوس مؤسسات ضخمة لخدمة الفقراء والمرضى والمحتاجين، عُرفت باسم “الفيلوبتوكيا”، وجعل من عمل المحبة جزءاً أساسياً من الإيمان العملي. كان يبيع ممتلكاته لخدمة المحتاجين ويحث الأغنياء على العطاء.
مؤلفاته وتراثه
ترك القديس باسيليوس تراثاً ضخماً من الكتابات اللاهوتية والنسكية، منها كتاباته ضد الأريوسية، وكتاب “عن الروح القدس”، وتفسيره لسفر التكوين المعروف باسم “الهيكسايمرون”، بالإضافة إلى القداس الباسيلي الذي يُصلّى به حتى اليوم في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
وفاته وأثره
تنيّح القديس باسيليوس في أول يناير سنة 379م بعد حياة قصيرة لكنها مليئة بالجهاد والتعليم والقداسة. وقد رثاه صديقه القديس غريغوريوس النزينزي بكلمات مؤثرة. بقي باسيليوس مثالاً للعالم القديس، الذي جمع بين الفكر العميق والقداسة العملية.
الخلاصة الروحية
من حياة القديس باسيليوس نتعلم أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن العمل والخدمة، وأن القداسة تُبنى على التواضع والعطاء، وأن الدفاع عن العقيدة هو عمل محبة لله وللكنيسة. إنه نموذج للراعي الذي يجمع بين النسك والتعليم والرحمة.



