الإيبارشية الخالية

الإيبارشية الخالية
نود في هذا العدد أن نقول كلمة صريحة نحاول أن نلقي بها قبسا من النور على
الإيبارشية الخالية
إنه مبدأ واضح الذي وضعه آباؤنا الرسل القديسون عندما قالوا بروح الله:
اختاروا أنتم.. فنقيمهم نحن. (أعمال 6).
هل كان هذا شططًا من الرسل ومبالغة منهم في حقوق الشعب؟! هل رأى آباؤنا الرسل أن اختيار الشعب لخدامه يعتبر انتقاصًا لكرامة الرسل واعتداء على حقوقهم الرعوية؟!
وعندما اختار الشعب سبعة رجال منهم وقدموهم للرسل، هل امتعض الرسل وظنوا أن الشعب يفرض عليهم أشخاصًا؟! أم أنهم وافقوا على رغبة الشعب في محبة أبوية وسماحة رسولية، وتم الأمر في هدوء وسلام:
الشعب له أن يختار، والرسل هم الذين يضعون اليد.
من حق الشعب أن يختار راعيه
المتملقون ومشورة اخيتوفل:
أما الآن أكثر المتملقين الذين يتظاهرون بحرصهم على السلطان الرسولي، مقدمين مشورة خاطئة ضارة وخيمة النتائج يقولون فيها: ما شأن الشعب أن يختاروا؟! ليس لهم أن يفرضوا أحدًا! عليهم أن يخضعوا ويطيعوا.. وهكذا يثيرون الجو، ويعكرون الماء الصافي، ويسيئون العلاقات، ويحولون الإيبارشية الخالية إلى ميدان صراع… ناسين في كل هذا قوانين كنيستنا الأرثوذكسية التي تعطي الشعب كامل الحق في اختيار راعيه.. وناسين أيضًا المشورة الصالحة الجميلة التي قدمها الشيوخ المحنكون البررة للملك رحبعام بن سليمان حينما قال لهم “كَيْفَ تُشِيرُونَ أَنْ أَرُدَّ جَوَابًا إِلَى هَذَا الشَّعْبِ؟”. “فكلموه قائلين: “إِنْ صِرْتَ الْيَوْمَ عَبْدًا لِهَذَا الشَّعْبِ وَخَدَمْتَهُمْ وَأَجَبْتَهُمْ وَكَلَّمْتَهُمْ كَلاَمًا حَسَنًا، يَكُونُونَ لَكَ عَبِيدًا كُلَّ الأَيَّامِ“. (1مل12: 6، 7).
ياليت رحبعام كان قد سمع تلك المشورة الحكيمة، ورفض مشورة الأحداث الذين صوروا له الكرامة في طريق خاطئ كان وخيم العواقب..
ما معنى أرثوذكسيتنا؟
أننا كنيسة أرثوذكسية. فما معنى أرثوذكسيتنا؟ إن الارثوذكسية ليست اسمًا ولا لقبًا وإنما هي حياة، وهي أيضًا إيمان وعمل بما ورثناه من قوانين وتقاليد وضعها لنا الآباء القديسون…
إن أهملنا القوانين والتقاليد ونظم الآباء، أي فرق حينئذ يكون بيننا وبين البروتستانت الذين ينكرون القوانين والتقاليد ونظم الآباء؟! هم ينكرونها نظريًا، ونحن ننكر وجودها عمليًا!! ثم بعد ذلك نقول أننا أرثوذكس!..
أننا نحب كنيستنا الأرثوذكسية. لا نحب فيها حجارتها وبناءها ومناراتها وشكلياتها الخارجية، وإنما نحب أرثوذكسيتها، نحب قوانينها وتقاليدها الحكيمة التي وضعها آباؤنا القديسون الذين كانوا يفصلون كلمة الحق بالاستقامة.. هؤلاء الذين سنقابلهم في الأبدية، حين يقومون في هيبتهم القدسية ويدينون هذا الجيل.. بأي وجه نراهم أن كسرنا قوانينهم ووصاياهم؟..
صلاة التحليل..
يقف الكاهن في القداس الإلهي ويقول “عبيدك يا رب خدام هذ اليوم.. وضعفي، يكونون محاللين من فم الثالوث الأقدس… وأفاوه آبائنا الرسل.. والقديس كيرلس والقديس باسيليوس والقديس غريغوريوس.. ومن أفواه ال318 المجتمعين بنيقية وال150 بالقسطنطينية وال200 بافسس..
هؤلاء الذين نأخذ من أفواههم الحل: ما الذي قالوه في اختيار الأسقف؟؟ وإن كسرنا ما قد قالوه، فكيف نأخذ من أفواههم الحل؟؟!! وكيف نكمل القداس!؟!
نسأل بعد ذلك ما هي الأرثوذكسية؟ هي هذه: أن نطيع آباءنا القديسين، وننفذ تعاليمهم، فنحن خلفاؤهم والمفروض أن نسير على نهجهم، في نفس الطريق وبنفس الطريقة.
إذًا فليصمت أولئك المتملقون الذين يتملقون السلطان وينسون القانون. قوانين الكنيسة- كما شرحنا مرارًا في هذه المجلة- تنادي بمبدأ هام هو:
من حق الشعب أن يختار راعيه
فكيف يعبر الشعب عن رأيه؟ هنا وتجابهنا وقائع عمليه منها:
مهزلة التزكيات:
إذًا أريد (تعيين) إنسان ما- أيا كان- أسقفًا لإيبارشية- أراد الشعب أو لم يرد- فما أسهل أن تكتب له تزكية! وما أسهل جمع أسماء وإمضاءات.
هناك من يوقعون بإمضاءاتهم بعامل الصداقة أو المجاملة لجامعي التوقيعات، أو ضجرًا أو هروبًا من كثرة إلحاح هؤلاء. وهناك من يضعون إمضاءهم جهلًا بالمرشح أو انسياقًا وراء من يدعو له. وهناك من يوقعون في عدم اكتراث أو إهتمام بالكنيسة ورعايتها، ونقصد بهؤلاء كثيرين من المسيحيين بالاسم، ممن لا يحضرون الكنيسة إلا في أيام الأعياد. أمثال هؤلاء لا مانع لديهم من التوقيع على أكثر من تزكية لأشخاص مختلفين!!..
وللأسف الشديد إن الأصوات في التزكيات تعد ولا توزن. فما أسهل جمع مئات من إمضاءات هؤلاء الغرباء على الكنيسة، الذين إذا وزنت أصواتهم لا يتفق وزنها إطلاقًا مع عددها، ولا تعبر عن رأى الكنيسة في شيء.
وهناك طائفة من الخائفين، يشعرون- أو يقنعهم غيرهم- بأن فلانًا من المرشحين سيكون أسقفًا مهما عارض فيه الكل. فمن الخير لهم أن يحنوا رؤوسهم للأمر الواقع، وإلا فويل لهم من الغضب الآتي… هؤلاء الخائفون قد لا يكتفون بالخضوع للأمر الواقع، أو الأمر الذي سيقع، وإنما قد يتحولون إلى دعاة يهتفون لمن سيأتي: كسبًا لمحبته، أو خوفًا منه.. وقد يجمعون له التزكيات، وينبهونه لمن يرفضون… إلخ.
وهكذا تتحول الإيبارشية الخالية إلى معركة أعصاب..
من أجل هذا كله نادينا في عدد سابق- ومازلنا ننادي- بأن أفضل طريقة لانتخاب الأسقف هي الاقتراع السري، حتى يعبر كل ناخب عما في ضميره، في غير مجاملة لأحد، ودون خضوع لأية تأثيرات خارجية..
من هو الشعب؟
ليس الشعب واحدًا أو اثنين من الأعيان يقيمان في القاهرة. وليس هو واحدًا أو اثنين من كهنة الإيبارشية أو أراخنتها مكنتهم ظروفهم من المجثيء إلى القاهرة. وليس الشعب واحدًا أو اثنين من المقربين إلى البطريركية. وليس هو أحد أصدقاء هذا المرشح أو ذاك..
إنما شعب الإيبارشية هو كل جماعة المؤمنين العابدين فيها، يمثلهم من يوفدونه من كهنة الإيبارشية أو الأراخنة الحقيقيين أو القادة الروحيين. فلا يصح مطلقًا أن يأتي واحد إلى البطريركية ليتكلم عن الإيبارشية كلها، بينما هو لا يعبر إلا عن رأي نفسه وحده. لا يصح أن يتكلم أو يتفاوض في هذا الموضوع الخطير إلا موفد رسمي من الإيبارشية يعبر عن رأيها هي صادق التعبير في حدود الرسالة التي جاء بها، لا يتعداها…
إن قوانين الكنيسة تأمر بأن “يقام الأسقف باختيار الشعب كله إياه”، “وكل الشعب والكهنة يشهدون له”، “يختار من كل الجماعة”، “بأمر كل الشعب معًا..”، “وقد رضى به شعبه الذي يقدم عليه”، “ويقول كل الإكليروس والشعب إنا نؤثره”.
من حق الشعب أن يختار راعيه
(انظر اللسقوليه البابا 36، وقوانين الرسل: 21، 52 والقانون الثاني لأبوليدس، وقوانين كيرلس بن لقلق).
هذا هو الوضع الكنسي الأصيل. أما الشكليات التي يراد بها مجرد إلباس الوضع ثوبًا كنسيًا، فهي لا تريح ضمير أحد.
مغزى الرفض المتكرر.
على أن الشعب قد يجمع على اختيار شخص معين يثق به ويستريح إلى رعايته، ويتقدم به إلى البطريركية.. فيرفض هذا الشخص. فيتقدم الشعب بثان، فيرفض الثاني. ويتقدم بثالث، فيرفض الثالث.. وهكذا دواليك. وقد يتقدم الشعب بثلاثة أشخاص مرة واحدة، أو بخمسة، فيرفض الجميع.. وتتأزم الأمور..
ثم تلوح البطريركية بمرشح لها قد لا يوافق عليه شعب الإيبارشية.. وتبذل محاولات لجمع تزكيات لهذا المرشح، وتجرى اتصالات، ومقابلات، واقناعات.. فإذا رفضه الشعب، يطلب إليهم أن يتقدموا بمرشح آخر غير الخمسة. فإذا قدموا المرشح السادس يرفض!
وأما هذا الرفض المتكرر يتساءل البعض:
هل الأسقف يسام بالتعيين أم باختيار الشعب؟
ويبقى السؤال بلا جواب. أو له جواب. وليفهم القارئ..
مقالة لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم، الإيبارشية الخالية، بمجلة الكرازة – العدد السابع سبتمبر 1965




