النعمة للجميع

نتابع اليوم حديثنا عن النعمة، فنتكلم عن النعمة التي تحب الكل، وتهتم بالكل، ولا تحرم أحدًا من معونتها.
النعمة للجميع1
النعمة الإلهية تبحث عن كل أحد… لا يوجد إنسان في الدنيا لم يأخذ نصيبه منها. تعامل الكل بمبدأ تكافؤ الفرص. فلا يجرؤ أحد أن يشكو قائلًا إنه حرم من النعمة…
وسأضرب لكم أمثلة عن عناية النعمة بكل أحد…
أمثلة:
+ من الأمثلة اللطيفة لاهتمام النعمة بالكل، مثل الزارع الذي خرج ليزرع – إنكم تقرؤن ببساطة أن بعض البذار وقعت على الطريق، والبعض على أرض محجرة، والبعض وسط الشوك، والبعض في أرض جيدة… ولكننا من جهة النعمة نجد معنى عميقًا، نسأل فيه الرب قائلين:
أنت يا رب، كنت تعلم أن هذه الأرض محجرة لا تنبت نباتًا. ولا مجال لبذارك فيها. فلماذا ألقيت عليها بذارًا…؟!
يقول لك الرب: حتى الأرض المحجرة، لا أحرمها من نعمتي…
لابد أن الأرض المحجرة تأخذ فرصتها مثل الأرض الجيدة، وكذلك الأرض المملوءة شوكًا، لابد أن تزورها نعمتي، ولو يظهر نباتها قليلًا ثم يختنق…
إنني ألقي بذاري في كل موضع، حتى لو أكله الطير. أعطي كل إنسان فيضًا من نعمتي، وأترك الباقي لحريته…
في اختيار التلاميذ، نجد النعمة أيضًا لم تقتصر على المثاليين، إنما أعطت فرصة لإنسان شكاك مثل توما، وإنسان مندفع مثل بطرس. أعطت الفرصة لجهال العالم، وضعفاء العالم، وللمزدرى وغير الموجود، بل زارت النعمة إنسانًا خائنًا مثل يهوذا.
ومن جهة النبوة، زارت النعمة إنسانًا خائنًا محبًا للمال مثل بلعام، فتنبأ نبوءات صادقة عن المسيح. وكذلك زارت شاول الملك…
فتنبأ هذا الملك المرفوض حتى قيل “أشاول أيضًا بين الأنبياء”.
من جهة نعمة الرعاية، أتت النعمة إلى ديماس، فصار من تلاميذ بولس الرسول ومن خير معاونيه، ولابد أن كثيرين آمنوا على يديه…
أما كونه فيما بعد ترك الخدمة أو ترك الإيمان، “وأحب العالم الحاضر”، فهذا لا يمنع أنه أخذ نصيبه من النعمة.
لا يستطيع ديماس أن يقول “تركتني النعمة، ولم تفتقدني”. كلا، لقد أخذ نصيبه منها وكان نصيبًا وافرًا…
ولكن النعمة في عملها، لا تلغي حرية الإنسان…
نعمة الكهنوت زارت نسطور وأريوس وأوطاخي، وغيرهم من الذين سقطوا فيما بعد في هرطقات.
أنه مبدأ تكافؤ الفرص، الذي أعطت به النعمة النبوءة لبلعام وشاول، ودعت إلى التلمذة ديماس، وإلى الخدمة نيقولاوس. حتى لا يحتج أحد بأنه لم يأخذ فرصته من النعمة…
حتى الجمادات والعجماوات:
فكرت مرة كيف استطاع يوسف الصديق أن يخزن خلال السبع سنوات السمان قمحًا يكفي للسبع سنوات العجاف. ورأيت في ذلك عجبًا من أعمال النعمة، فقلت لنفسي.
كيف أمكن للقمح المخزون أن يستمر في المخازن سبع سنوات أو أكثر دون أن يسوس؟! أليس هذا عملًا من أعمال النعمة؟!
إنها النعمة التي حفظت القمح من السوس، كما حفظت الثلاثة فتية من أتون النار… كما تحفظ أجساد بعض القديسين من الدود، فتظل سليمة لمئات السنين وأكثر…!
إنها النعمة التي افتقدت الأرض، وباركت غلة العام السادس…
وأصبحت غلة العام السادس بالنعمة تكفي عامين. تمامًا كما قال الرب “مباركة تكون ثمرة أرضك. مباركة تكون سلتك ومعجنك” (تث28).
إنها نفس النعمة التي باركت كوز الزيت وكور الدقيق أيام إيليا النبي، فلم يفرغا طول مدة المجاعة…
وهكذا كثير من العامة يسمون الخبز (النعمة)…!
نعمة الله تفتقد حتى العصافير الصغيرة، “وواحد منها لا يسقط بدون أبيكم” يعطيها طعامها، وهي لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع…
نعمة الرب تهتم حتى بالدودة التي تحت الحجر، وتهتم بالفراشة الطائرة، وتهبها ألوانًا جميلة متناسقة. وتهتم بالزهور فتهبها جمالًا، حتى أن سليمان في كل مجده لم يكن يلبس كواحدة منها… إنها النعمة التي تهتم بالكل… كل إنسان لابد أنه أخذ نعمة في حياته.
الذي لم تعطه النعمة روحيات، ربما يكون قد أخذ من النعمة جمالًا، أو ذكاءً، أو قوة، أو موهبة من أي نوع.
أليس الذكاء نعمة من الله، قد يستغلها البعض استغلالًا شريرًا، وقد تنحرف عند بعضهم، ولكنها نعمة. والجمال أيضًا نعمة وإن انحرفت أحيانًا…ما أجمل قول الكتاب عن نعمة الله وسماحتها، “يشرق بشمسه على الصالحين والطالحين، ويمطر على الأبرار والأشرار”.
نعمة الله تجول تصنع خيرًا، ولا تتقيد باستحقاقات الناس، لو كانت النعمة تعطى حسب الاستحقاق، لصارت أجرًا وليست نعمة.
الأجرة هي أن يأخذ الإنسان ما يستحقه، ويحكمها العدل. أما إن كان الإنسان يأخذ – دون أن يستحق – فهذه نعمة، ويحكمها كرم الله وجوده ومحبته. إن النعمة هبة، عطية. وفينا نحن غير المستحقين، أظهر الله نعمته…
ماذا أقول أيضًا؟ أجرؤ أن أقول إن الشيطان نفسه لم تتركه نعمة الله. يكفي أنه أعطي نعمة للبقاء حتى الآن، ونعمة الحرية كذلك، فمازال يعمل، وله قوة كأسد زائر…
في قصة أيوب، نرى الشيطان يمنح النعمة لإمكانية الوقوف مع أولاد الله أمام الله، ويمنح النعمة التي يتحدث بها مع الله، والتي يستجيب بها الله لطلباته.. ولكنه خائن لهذه النعمة، وما يزال مقاومًا…!
الله يعطي نعمته للكل، لأنه أبو الخليقة كلها.
ونحن نذكر النعمة كثيرًا في صلواتنا، يكفي أنها في آخر صلاة الشكر، وفي البركة النهائية، وفي كثير من رسائل بولس الرسول وبطرس الرسول “نعمة لكم وسلام” “لتكثر لكم النعمة” “أنمو في النعمة” ويقول الكتاب “الناموس بموسى أعطي، وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا” “ونعمة فوق نعمة” إلى جوار النعمة التي يعطيها لنا الرب في أعين الناس.
الإنسان الذي يدرك نعمة الله، يعيش باستمرار في حياة الشكر، ويعيش باستمرار في حياة الاطمئنان والسلام. ولا يحيا في الناموس وإنما في الحب.
يشعر أن الله لا يعامله بطريقة رسمية، وإنما بالحب، فيبادله حبًا بحب. ويشكره على كل أعمال نعمته. وإذ يذكر عمل النعمة معه في الماضي، يطمئن على رعايتها له في المستقبل.
النعمة هي المربية التي تركها الله للعناية بأولاده على الأرض. وهي تفتقدنا في قيامنا مشجعة، وفي سقوطنا هادية.
وكما نأخذ نعمة على الأرض، سنأخذ في السماء نعمة أخرى فائقة للطبيعة، إذ يرفعنا الله فوق مستوى اللحم والدم…
إنها نعمة عظيمة ننالها فوق، حينما نصبح كملائكة الله في السماء. ماذا نقول عن كل “ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر؟!” أليس هذا هو من عمل النعمة.
الفداء نفسه من أعمال النعمة، لأننا لم نكن نستحقه…
إنه الخلاص المجاني الذي يقول عنه الكتاب “متبررين مجانًا بنعمته”. كذلك الأسرار المقدسة هي نعمة من الله فوق نعمة…
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – (العدد السابع والأربعون) 21-11-1975م↩︎




