معرفة الله
تتناول هذه المحاضرة العميقة لقداسة البابا شنوده الثالث مفهوم “معرفة الله” كجوهر الحياة الروحية. يوضح أن معرفة الله ليست مجرد معرفة عقلية أو نظرية أو دراسية، بل معرفة حقيقية ناتجة عن علاقة شخصية وخبرة روحية حيّة مع الله. فالمعرفة العقلية وحدها لا تكفي، ولا معرفة الكتب أو اللاهوت النظري تغني عن خبرة الاتحاد بالله في المحبة والطاعة.
التمييز بين أنواع المعرفة
يشرح البابا أن هناك نوعين من المعرفة:
-
معرفة نظرية: تعتمد على الفكر والمعلومات والكتب، مثل معرفة صفات الله أو قراءات لاهوتية. هذه المعرفة قد تكون صحيحة لكنها ناقصة إن لم تقترن بالحياة.
-
معرفة اختبارية: هي المعرفة الناتجة عن المعاشرة والعلاقة الشخصية مع الله، حيث يعلن الله ذاته للإنسان من خلال النعمة، فيتذوقه الإنسان بالخبرة القلبية وليس بالمفاهيم فقط.
الغاية من معرفة الله
المسيح حدّد الهدف الإلهي من المعرفة بقوله: “ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به، وأكون أنا فيهم”. أي أن الغاية من المعرفة هي أن يقودنا هذا الإدراك إلى محبة الله العميقة والاتحاد به. كل معرفة لا تصل إلى المحبة هي معرفة باطلة.
أمثلة عملية من الكتاب المقدس
يستشهد البابا بأمثلة توضح الفارق بين المعرفة السطحية والمعرفة الحقيقية:
-
آدم بعد السقوط عرف الله بالخوف لا بالمحبة.
-
الفريسي صلّى دون أن يعرف الله المتواضع والمحب.
-
كثيرون عاشوا بجوار المسيح ولم يعرفوه مثل مريم المجدلية وتلميذي عمواس.
-
أيوب قال في النهاية: “بسمع الأذن سمعت عنك، والآن رأتك عيناي” — إعلان الانتقال من المعرفة السمعية إلى الرؤية الاختبارية.
الخطورة الروحية للمعرفة النظرية
يؤكد البابا أن كثيرين يعرفون عن الله دون أن يعيشوا له، كمن يحمل كتبًا ولا يقرأها. فالمعرفة التي لا تغيّر القلب ولا تقود إلى التوبة لا تنفع. الله يُعرف بالمحبة، وبالطاعة لوصاياه، وبالسلوك في البر. “من قال قد عرفه وهو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب”.
ثمار المعرفة الحقيقية
المعرفة الحقيقية تقود إلى:
-
محبة الله والناس.
-
حفظ الوصايا.
-
الإحساس الدائم بحضور الله في كل مكان.
-
الوعي المستمر بأن الإنسان يقف أمام الله دائمًا.
ويشبّه البابا المعرفة بالله بأنها تبدأ هنا على الأرض، ولكنها تستمر وتنمو في الأبدية بلا نهاية.
البعد الروحي الأرثوذكسي
يرى البابا شنوده أن معرفة الله عطية إلهية تُمنح للقلب النقي، وتبدأ بالنعمة والتوبة والاتحاد بالمسيح. وهي رحلة تبدأ بالإيمان وتتعمق بالخبرة والعيش في وصايا الله، حتى تتحول إلى رؤية قلبية لله تشبع النفس وتملأها فرحًا سماويًا.
الخاتمة
معرفة الله هي البداية والنهاية في الطريق الروحي. هي دعوة إلى التوبة، إلى المحبة، إلى الاتحاد، إلى أن يصبح الله حاضرًا في القلب والعقل والكيان كله. فكل من يريد أن يعرف الله حقًا، عليه أن يقترب إليه، يعيش معه، ويسلك في وصاياه.



