عيد الأم وعيد الأسرة

بمناسبة
عيد الأم وعيد الأسرة[1]
أول حقيقة أن المرأة مهمة بالنسبة إلى العالم.
هناك كلمة عجيبة سجَّلها سفر التكوين في قصة الخليقة، وهي أن الله خلق كل شيء حسنًا. ولكن وسط هذه الصورة العجيبة الرائعة للخليقة، رأى الله أن هناك شيئًا لم يكن حسنًا. وفي هذا قال الكتاب: “لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ”(تك18:2).
كانت هذه هي نقطة النقص الوحيدة في الخليقة، وأكملها خلق الله للمرأة. وبعد ذلك “وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا“(تك31:1)، على أننا نلاحظ شيئًا مميزًا في خلق المرأة:
خلقها الله في طبيعة معدَّلة ألطف مما خُلِق منه الرجل.
لقد خُلِق آدم من تراب، وخُلِقت المرأة من جسد الرجل أي أنها خُلِقت على مرحلتين: من التراب صنع الله الرجل، ومن الرجل صنع المرأة.
وليس صحيحًا ما يقال إن المرأة فُرِضَت على الرجل!!
أي أن آدم لم يكن محتاجًا إليها وفُرِضَت عليه، فوجد إلى جواره امرأة، كلَّا، فقد كان آدم محتاجًا إلى حواء. فكل المخلوقات الحية كانت تتآلف معًا في الحياة الاجتماعية. وأما آدم “فَلَمْ يَجِدْ مُعِينًا نَظِيرَهُ”(تك20:2). وهذا الاحتياج الداخلي في قلب آدم، صعد إلى الله فاستجاب وخلق له هذا المعين نظيره، أي في نفس المستوى، ومثله على صورة الله ومثاله (تك27:1).
وأخذ الله ضلعًا من آدم – بدون ألم – وصنع منه حواء.
ذلك لأن الألم لم يُعرَف إلا بعد الخطية، وهكذا أوقع الله عليه سُباتًا وانتزع منه الضلع، فقام الله بأول عملية تخدير في العالم ووُجِدَت حواء، وفرح بها آدم، وقال عنها: “هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ”(تك23:2).
وهكذا نرى أن آدم وحواء كانا جسدًا واحدًا قبل أن يتزوجا.
لأنهما من جسد واحد.. ونلاحظ في قصة الخليقة أن حواء، وإن كانت من الناحية الجنسية والجسدية تختلف عن آدم، إلا أنها كانت مساوية له في الطبيعة، وفي السلطة، وفي البركة، وفي المواهب.
هي في نفس الصورة الإلهية، حسبما قيل إن الله خلقهما على صورته “ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ”(تك1: 27 – 28). أي باركهما معًا، وأعطاهما معًا نفس السلطان على جميع حيوانات البرية وطيور السماء وسمك البحر.
هذه الأنثى سميت أولًا امرأة، لأنها من امرئ أُخِذَت. ولكنها بعد الخطية، بعد أن أنجبت بنين، دعاها آدم حواء لأنها أم كل حي: “دَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ حَوَّاءَ لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ”(تك20:3).
ونلاحظ أن المرأة في التاريخ كان لها وضع قيادي.
فبين النساء كانت هناك ملكات، سواء منهن من صرن هكذا بالوراثة أو من تزوجن ملوكًا. فــ “الملكة أستير” لم تصر قائدة لأنها زوجة ملك فحسب، بل نجد لها موقفًا قياديًّا لكل الشعب اليهودي في أيامها.
- وفي تاريخ مصر نسمع عن “الملكة حتشبسوت”، التي كان كل إخوتها الملوك تحت قوة تفكيرها وقوة شخصيتها.
- كذلك فإن “الملكة كليوباترا”، كان تحت سلطتها جميع الملوك الذين عاصرتهم.
- ومعروف أن المرأة من أول حياتها قامت بعمل قيادي، حتى بالنسبة إلى الرجل، فبِغَض النظر عن أن حواء قادت آدم إلى طريق الخطأ، إلا أنها – على أي الحالات – قادته وكان لها تأثير عليه. أي أن مواهب القيادة كانت لها منذ البدء. أقول هذا لأثبت أن موهبة القيادة لا تنقص المرأة.
من هذه الأمثلة، “أبيجايل” التي قادت داود النبي.
وقد مدح داود حكمتها، وقال لها: “مُبَارَكٌ عَقْلُكِ، وَمُبَارَكَةٌ أَنْتِ، لأَنَّكِ مَنَعْتِنِي الْيَوْمَ مِنْ إِتْيَانِ الدِّمَاءِ وَانْتِقَامِ يَدِي لِنَفْسِي”(1صم33:25)، وقال لها أيضًا: “اصْعَدِي بِسَلاَمٍ إِلَى بَيْتِكِ. انْظُرِي قَدْ سَمِعْتُ لِصَوْتِكِ وَرَفَعْتُ وَجْهَكِ”(1صم25: 33، 35).
إن “أبيجايل” في هذه القصة، قادت – ليس رجلًا عاديًّا – إنما رجلٌ كان نبيًّا، وقائدًا لجيش، وكان روح الرب قد حَلَّ عليه من قبل، وكان مسيحًا للرب.
نذكر أيضًا “دبورة” في العهد القديم.
هذه التي كانت قاضية لإسرائيل، تجلس تحت النخلة التي دُعِيَت باسمها “نَخْلَةِ دَبُورَةَ“، “وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَصْعَدُونَ إِلَيْهَا لِلْقَضَاءِ“، وكانت أيضًا نبية لله (قض4:4).
وكما قادت الشعب، قادت “باراق بن أبينوعم” قائد الجيش أيضًا، الذي رفض أن يذهب إلى الحرب بدونها. وقال لها:”إِنْ ذَهَبْتِ مَعِي أَذْهَبْ، وَإِنْ لَمْ تَذْهَبِي مَعِي فَلاَ أَذْهَبُ“(قض8:4). وذهبت معه ونسب إليها الانتصار والقضاء على سيسرا.
نذكر أيضًا “القديسة ماكرينا” التي قادت إخوتها القديسين روحيًّا.
فكانت هي الأم الروحية للقديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية كبادوكية، وكذلك كانت القائدة الروحية لأخيها القديس غريغوريوس أسقف نيصص، ولأخيها القديس بطرس أسقف سبسطية، كما صارت الأم الروحية لدير راهبات.
نذكر أيضًا قديسات مُرشِدات في الرهبنة.
منهن “القديسة ميلانيا” الراهبة المعروفة، التي كانت مرشدة روحية للقديس مار أوغريس. و“القديسة الأم سارة”، التي كان رهبان الإسقيط يأتون إليها للاسترشاد بها، ويكشفون لها أفكارهم.
ولا ننسى أيضًا “القديسة دميانة” الراهبة والشهيدة، التي قادت أباها الوالي إلى التوبة عن جحوده وإلى الاستشهاد، وكانت تقود أربعين عذراء وتشجعهم.
من القيادات النسائية أيضًا “القديسة مونيكا”.
التي بأمثولتها الطيبة، وبصلواتها ودموعها، قادت ابنها أوغسطينوس إلى حياة الإيمان والتوبة.
إنني لا أقصد بهذه الأمثلة قيادة نساء لرجال فحسب، إنما أقصد بصفة عامة أن المرأة لا تنقصها روح القيادة.
المرأة أيضًا لا تنقصها الشجاعة والإيمان.
فنحن نقرأ في التاريخ عن شهيدات في منتهى الشجاعة، احتملن عذابات لا تُطاق. والمعروف أن المرأة – عمومًا – مشهورة بالاحتمال.
- ومن أمثلة هؤلاء “الأم دولاجي” التي ذبحوا أطفالها على حجرها، وهي تشجعهم على الاستشهاد.
- و“الأم صوفية” التي شجعت بناتها الثلاث على الاستشهاد.
- كذلك “القديسة ثيئودورا” التي اقتادوها إلى بيت للدعارة لإفسادها، فأنقذها شاب كان يرتدي ملابس جندي، وأعطاها هذه الملابس لينقذها فخرجت بها، ثم اكتشف أمره. فلما اقتيد إلى القتل ورأته، جرت وراءه قائلة: “أتريد أن تسرق مني إكليلي؟!” فقبضوا عليها وقادوها إلى الاستشهاد.
- لا ننسى أيضًا “القديسة كاترين” وتأثيرها، وغيرها كثيرات.
- كما لا ننسى شخصية “القديسة يوستينا”، وكيف خاف الشيطان من مجرد ذكر اسمها، وكيف قادت الساحر كبريانوس إلى الإيمان.
النساء أيضًا كن مُبادِرات وظاهرات في محيط الخدمة.
- تبعن المسيح، وصرن له تلميذات.
- وذكر إنجيل لوقا بعضًا منهن. ثم قال: “وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ”(لو3:8).
- ولا ننسى “فيبي” تلميذة بولس الرسول التي كانت شماسة وشهادته لها بأنها: “هِيَ خَادِمَةُ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي كَنْخَرِيَا كَيْ تَقْبَلُوهَا فِي الرَّبِّ كَمَا يَحِقُّ لِلْقِدِّيسِينَ”(رو16: 1، 2). وكيف: “أَنَّهَا صَارَتْ مُسَاعِدَةً لِكَثِيرِينَ”(رو2:16)، كما كانت تكتب بعض رسائل القديس بولس.
- كذلك لا ننسى بيوت العذراى والأرامل وخدمتهن (1تي5).
والمعروف أن بعض النساء في العصر الرسولي وَهَبن بيوتهن لتكون كنائس.
- منهن “أم مرقس الرسول” التي صار بيتها أول كنيسة في المسيحية. ويُذكَر في (أع12:12) عن القديس بطرس الرسول لمَّا خرج من السجن متجهًا إلى التلاميذ في بيت “أم مرقس الرسول”، فيقول الكتاب عنه: “ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ مُنْتَبِهٌ إِلَى بَيْتِ مَرْيَمَ أُمِّ يُوحَنَّا الْمُلَقَّبِ مَرْقُسَ، حَيْثُ كَانَ كَثِيرُونَ مُجْتَمِعِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ“.
- ويقول القديس بولس الرسول في آخر رسالته إلى رومية: “سَلِّمُوا عَلَى بِرِيسْكِلاَّ وَأَكِيلاَ الْعَامِلَيْنِ مَعِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، اللَّذَيْنِ وَضَعَا عُنُقَيْهِمَا مِنْ أَجْلِ حَيَاتِي، اللَّذَيْنِ لَسْتُ أَنَا وَحْدِي أَشْكُرُهُمَا بَلْ أيضًا جَمِيعُ كَنَائِسِ الأُمَمِ، وَعَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِمَا”(رو16: 3 – 5).
لا ننسى قبل كل هؤلاء “القديسة العذراء مريم”. التي لما سمعت القديسة أليصابات صوت سلامها، امتلأت من الروح القدس، وارتكض الجنين بابتهاج في بطنها (لو1: 41 – 42).
القديسة العذراء التي نقول عنها في التسبحة: “ارتفعتِ يا مريم فوق الشاروبيم، وسموتِ يا مريم فوق السارافيم”. نذكرها في ألحاننا قبل رؤساء الملائكة.
إن العذراء مريم تمثل البتولية، وأليصابات تمثل الزواج، وحَنة النبية تمثل الترمُّل. وكلهن اجتمعن في قصة ميلاد المسيح.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة والعشرون – العددان 9، 10 (13-3-1998م)





