السيدة العذراء وفضيلة الاحتمال

في هذه العظة الروحية العميقة يتحدث قداسة البابا شنوده الثالث عن فضيلة الإحتمال كإحدى أهم الفضائل المسيحية التي تُظهر ثبات الإيمان وعمق المحبة. يبدأ بالحديث عن السيدة العذراء مريم التي احتملت اليُتم، والتعب، والألم، بل واحتملت المجد العظيم دون أن تفتخر، إذ كانت تحفظ كل الأمور متأملة بها في قلبها. فهي النموذج الكامل في الصبر والتواضع.
يوضح قداسة البابا أن الإحتمال يتخذ صورًا متعددة:
-
إحتمال التعب في سبيل الخدمة ومحبة الآخرين.
-
إحتمال الظلم كما فعل يوسف الصديق الذي احتمل ظلم إخوته وإمرأة فوطيفار والسجن.
-
إحتمال الفقر مثل لعازر الفقير الذي نال أحضان إبراهيم بفضل صبره.
-
إحتمال المرض كما فعل أيوب الصديق الذي قال: “الخير من الله نأخذ والشر لا نقبل.”
-
إحتمال مشيئة الله بترك الإرادة الخاصة وقبول إرادة الله في كل أمر.
-
إحتمال الموت سواء كان بعد مرض طويل أو فجأة، فكلاهما يحتاج إلى تسليم وإيمان.
ويتحدث أيضًا عن إحتمال الكرامة والمجد، مؤكدًا أن هذا أصعب من احتمال الإهانة. فالإنسان قد يحتمل الإهانة بتواضع، لكن حين يُكرَّم أو يُرفَع، قد يسقط في الكبرياء. مثال ذلك قول القديس أنطونيوس: “هناك من يحتملون الإساءة ولا يحتملون الكرامة”. والإنسان الحقيقى هو من “يتطور دون أن يتغير ويكبر دون أن يتكبر”.
ويستعرض البابا صورًا أخرى من الإحتمال: احتمال التأديب من الآباء أو المرشدين، احتمال انتظار الرب كما انتظر إبراهيم وسارة، واحتمال التجارب والضيقات. كما يوضح أن الله نفسه قدوة في الإحتمال، إذ يحتمل خطايا البشر طويلاً بدافع المحبة والرأفة.
ويقدم أمثلة بشرية على الإحتمال: موسى الذي احتمل شعبه رغم تمردهم، داود الذي بكى على ابنه أبشالوم رغم خيانته، والأم التي تحتمل طفلها بحب. ويؤكد أن الإحتمال الحقيقي يجب أن يكون صادرًا عن محبة قلبية لا عن قهر أو غضب مكبوت. فالمحبة تحتمل كل شيء ولا تطلب ما لنفسها، بل تطلب خير الآخر.
ويختم البابا العظة بتوضيح أن الذي يحتمل هو الإنسان القوي، صاحب القلب الواسع والأعصاب الهادئة، لأن الإحتمال ضعفًا في الظاهر لكنه قوة في الداخل. ومن خلال الإحتمال نكسب الآخرين كما قال القديس يوحنا ذهبي الفم: “حوّل عدوك إلى صديق، فتفقده كعدو”. فالإحتمال علامة القوة والقداسة، وبه ننال إكليل الحياة الذي وعد به الرب محبيه الصابرين.



