ندوة عقيدة الثالوث القدوس بدير الأنبا بيشوي – وادي النطرون
قداسة البابا شنوده الثالث يشرح عقيدة الثالوث القدوس باعتبارها إيمانًا جوهريًا في المسيحية الأرثوذكسية، مبينًا أنها ليست فكرة ظهرت في مجمع نيقية، بل عقيدة أصيلة ممتدة منذ العهد القديم ومؤكدة في العهد الجديد من خلال ظهور الآب والابن والروح القدس معًا، خاصة في عماد السيد المسيح.
1. الجذور الكتابية للثالوث:
يوضح قداسة البابا أن الإشارات إلى الثالوث موجودة منذ سفر التكوين: «روح الله يرف على وجه المياه»، وأن الله خلق العالم بعقله (الابن) وبروحه، مما يعبّر عن شركة الأقانيم الثلاثة في الخلق والعمل الإلهي.
وفي العهد الجديد، تتجلّى الأقانيم الثلاثة بوضوح في معمودية المسيح حيث نسمع صوت الآب، ونرى الابن في الماء، والروح القدس نازلاً مثل حمامة.
2. شرح لاهوتي لمعنى “الابن” و”الكلمة”:
يفسّر البابا لفظ “الابن” بأنه عقل الله الناطق أو نُطقه العاقل، وليس ولادة جسدانية كما في المفاهيم البشرية أو الوثنية. الكلمة (اللوجوس) ليست مجرد لفظ، بل تعني المنطق والعقل الإلهي الذي به كان كل شيء. الله خلق العالم بعقله الناطق، أي بالابن، وأعطاه الحياة بروحه.
3. التوحيد في الثالوث:
المسيحية لا تؤمن بثلاثة آلهة، بل بإله واحد في ثلاثة أقانيم. الجوهر الإلهي واحد، لكن الأقانيم متميزة في الوجود والعلاقة، غير منفصلة في العمل. فالآب يرسل الابن، والابن يرسل الروح القدس، وكلهم واحد في اللاهوت والقدرة والأزلية.
4. الفَرق بين الثالوث المسيحي والتثليث الوثني:
يُبيّن البابا أن الثالوث المسيحي لا يتضمّن تناسلاً جسدانياً أو وجود “أم إلهية” كما في المعتقدات الوثنية أو كما أُسيء فهمه في بعض الديانات. فالله الآب لم يلد الابن جسدياً، بل ولادة عقلية أزلية لا زمن فيها ولا بداية.
5. وحدة الأقانيم ومساواتها:
الثالوث الإلهي متساوٍ في الأزلية، والوجود، والقدرة، والجوهر. لا يُمكن الفصل بين الأقانيم، لأن الله واحد بذاته، عاقل بعقله، حي بروحه. هذه هي الصورة الكاملة للوحدة في التعدد والتعدد في الوحدة.
6. تشبيهات توضيحية:
شبّه البابا الثالوث بالنار التي فيها ذات وحرارة ونور، وبالإنسان الذي له ذات وعقل وروح — كي يُفهَم الثالوث دون انفصال بين أجزائه. كذلك الولادة الإلهية تُشبه ولادة الفكر من العقل، خروج بغير مفارقة.
7. الرد على البدع والاعتراضات:
تصدّى البابا للأريوسية وشهود يهوه الذين ينكرون ألوهية الابن أو يعتبرونه “إلهاً أقل”. وأوضح أن الابن هو عقل الله، وبالتالي أزلي غير مخلوق، وإلا لكان الله بلا عقل قبل أن يخلقه، وهو أمر مستحيل.
8. البعد الروحي والعملي:
الإيمان بالثالوث ليس فكرة فلسفية بل اختبار حيّ لله الواحد العامل في حياة المؤمنين. فالمسيح يربطنا بالآب، والروح القدس يقدّسنا ويثبّت الإيمان فينا. الإيمان بالثالوث يقود الإنسان إلى العبادة الحقيقية والمحبة الإلهية الكاملة.


