القـديسة العـذراء مـريم

إجابة ثلاثة أسئلة حول…
القـديسة العـذراء مـريم1
+ السؤال الأول:
كيف يمكن أن ندعو العذراء بالكرمة في صلاة الساعة الثالثة، ونقول لها “أنت هي الكرمة الحقانية الحاملة عنقود الحياة”… بينما السيد المسيح هو الكرمة، وقد قال بوضوح “أنا الكرمة وأنتم الأغصان” (يو15: 1، 5).
+ السؤال الثاني:
كيف ندعو العذراء في صلاة نصف الليل “الهجعة الثالثة” قائلين لها “يا باب الحياة العقلي” بينما الباب هو المسيح… وهو الذي قال عن نفسه “أنا باب الخراف” (يو10: 7).
+ السؤال الثالث:
كيف نصلي للعذراء في القطع الثالثة من الأجبية؟ هل هذا يجوز، بينما الصلاة لله وحده؟
+ إجابة السؤال الأول
عن العذراء الكرمة الحقانية
تلقيب العذراء بالكرمة لا يتعارض مع لقب السيد المسيح إطلاقًا، فهو الكرمة بمعنى، وهي الكرمة بمعنى آخر. هو الكرمة حينما نكون نحن الأغصان، ونحن كلنا منه…هو الرأس ونحن الأعضاء.
أما العذراء فهي – حسب مدائح الكنيسة التي “وجد فيها عنقود الحياة، ابن الله بالحقيقة” – هي الكرمة التي لم تشخ ولم يفلحها أحد ما. ونحب هنا أن نسجل ملاحظة هامة وهي:
السيد المسيح كثيرًا ما يمنحنا بعض ألقابه:
1- فهو يقول انه هو الراعي (يو10: 11، 12)
وهذا اللقب يطلقه داود في مزاميره على الرب “الرب لي راع” (مز22: 1) ويلقب به الرب في سفر حزقيال (خر34: 15) ومع ذلك فإن الرب يقيم بعض أولاده رعاة، مع اهتمامه بأن تكون الكنيسة كلها ” رعية واحدة لراع واحد” (يو10: 16) فيقول لبطرس الرسول ” ارع غنمي… ارع خرافي ” (يو21: 15، 16).. وفي العهد القديم يقول الرب “وأعطيكم رعاة حسب قلبي” (أر3: 15). وقد أصبح لقب الراعي خاصًا بالأساقفة خلفاء الرسل “ليرعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه” (أع20: 28).
2- السيد المسيح لقب نفسه بالنور، وقال “أنا هو نور العالم” (يو8: 12)، (يو9: 5). ومع ذلك يقول لتلاميذه “أنتم نور العالم” (مت5: 14). “فليضيء نوركم هكذا قدام الناس” (مت5: 16). لا شك أنه نور بالمعنى المطلق. وهم نور، لأنهم يستمدون النور منه وبنوره يضيئون للآخرين. كذلك هو الراعي بالمعنى الكامل للكلمة. أما هم فرعاة باعتبارهم وكلاء لله، مفوضين منه لعمل الرعاية.
3- قيل عن السيد المسيح أنه هو الأسقف “هو راعي نفوسكم وأسقفها” (1بط2: 25) … ومع ذلك فإن خلفاء الرسل اقيموا من الروح القدس أساقفة (أع20: 28).
4 – قيل عن السيد المسيح أنه الكاهن “كاهن إلى الأبد على طقس ملكي صادق” (مز110: 4) (عب5: 6) … وما أكثر الآيات التي في الكتاب المقدس عن الكاهن العظيم ورئيس الكهنة. وعن الكهنة الذين أعطاهم الرب كهنوتًا أبديًا في أجيالهم (خر40: 15). “كهنتك يلبسون البر” (مز132: 9، 16). وقد قدس الرب الكهنة (لا8: 12) وألبسهم ثيابًا مقدسة للمجد والبهاء (خر28: 2). وفي العهد الجديد نرى القديس بولس يدعو نفسه كاهنًا (رو15: 16). إن السيد المسيح كاهن بمعنى أنه قدم ذاته ذبيحة عنا… أما الكهنة من البشر فهم خدام ووكلاء السرائر الإلهية، يقدمون ذبيحة السيد المسيح وما كان يرمز إليها قبلًا.
5- قيل عن المسيح انه ابن الله (1يو4: 14).. وقيل عنا أيضًا أننا أبناء الله (1يو3: 1). ولكنه ابن من جوهر الله وطبيعته ولاهوته. أما نحن فأبناء بالمحبة، بالتبني… لذلك دعي السيد المسيح بالابن الوحيد (يو3: 16).
كذلك في معنى الكرمة:
السيد المسيح هو الكرمة. وقد أطلق الكتاب على الكنيسة كلها لقب الكرمة، فقد أنشد الرب عنها في سفر إشعياء نشيد الكرمة (إش5: 1 – 7) حيث يقول الرب احكموا بيني وبين كرمي. ماذا يصنع أيضًا لكرمي “وأنا لم أصنعه له”. ويقول “كرم الرب الجنود هو بيت إسرائيل” (أش5: 7). ونفس المعنى ينطبق على مثل (الكرم والكرامين)، الذي قاله الرب (مت21: 33 – 41). وفي هذا المثل: الكرم هو الكنيسة. والكرامون هم الرعاة. وأما الله فهو صاحب الكرم.
ونحن نلقب الكنيسة بالكرمة مقتبسين نصًا من الوحي الإلهي في المزامير فنقول للرب “ارجع واطلع من السماء. انظر وتعهد هذه الكرمة التي غرستها يمينك” (مز80: 14، 15)
فهل وصف الكنيسة بالكرمة نسلب فيه مجد الله، بينما هذا هو اللقب الذي منحه لها المسيح. وهل تلقيب الشعب بالكرمة سلب لمجد الله؟ بينما هو تعليم الكتاب نفسه؟! أم هي مجرد رغبة في مهاجمة الكنيسة التي يقول عنها الكتاب “غنوا للكرمة المشتهاة. أنا الرب حارسها. أسقيها في كل لحظة” (اش27: 2، 3).
بل إن لقب الكرمة يطلق على كل أم مباركة كما يقول المزمور “امرأتك مثل كرمة مخصبة في جوانب بيتك” (مز128: 3). ليس غريبًا إذن أن نلقب العذراء القديسة بالكرمة.
+ إجابة السؤال الثاني
العذراء باب الحياة وباب الخلاص
السيدة العذراء لقبها الكتاب المقدس بالباب. فقال عنها سفر حزقيال النبي أنها باب في المشرق دخل منه رب المجد وخرج (حز44: 2).
فإن كان الرب هو الحياة، تكون هي باب الحياة.
والرب قد أعلن أنه الحياة في قوله “أنا هو الطريق والحق والحياة ” (يو14: 6).. “أنا هو القيامة والحياة” (يو11: 25). فما دامت العذراء هي الباب الذي خرج منه المسيح، إذن تكون هي باب الحياة.
وبنفس الطريقة تكون هي باب الخلاص. لأن الرب هو الخلاص. إذ قد جاء خلاصًا للعالم، يخلص ما قد هلك” (لو19: 10).
وليس غريبًا أن نلقب العذراء بالباب. فالكنيسة أيضًا لقبت بالباب منذ أقدم العصور. إذ قال أبونا يعقوب أبو الآباء عن المكان المقدس الذي دشنه كنيسة وعرف باسم بيت إيل، “أي بيت الله قال عنه “ما أرهب هذا المكان. ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء” (تك28: 17).
+ إجابة السؤال الثالث
أيليق أن نصلي للعذراء!
نحن لا نصلي للعذراء… ولكننا نكلمها أثناء صلاتنا، نتوسل إليها أن تتشفع فينا. ونحن لا نخاطب العذراء فقط، إنما نخاطب الملائكة، ونخاطب الطبيعة، ونخاطب الناس.
وكل هذا يعتمد على نصوص كتابية من الوحي الإلهي نفسه… وهذه المخاطبة لا تعتبر صلاة… فلماذا أمنا العذراء بالذات لا نخاطبها.
1- إننا نخاطب الملائكة في صلواتنا فنقول “باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه” (مز103: 20 – 21)، “وسبحوا الرب من السموات. سبحوه في الأعالي. سبحوه يا كل جنوده” (مز148: 1، 2).
2– ونحن نخاطب الطبيعة في صلواتنا فنقول “سبحيه أيتها الشمس والقمر سبحيه يا جميع كواكب النور. سبحيه يا سماء السموات، ويا أيتها المياه التي فوق السموات… سبحي الرب من الأرض يا أيتها التنانين وكل اللجج النار والبرد الثلج والضباب، الريح العاصفة الصانعة كلمته… الجبال وكل الآكام” (مز148: 3 – 9).
3- ونحن ننادي مدينة الله المقدسة أن تسبح الله. فنقول “سبحي الرب يا أورشليم… سبحي إلهك يا صهيون. لأنه قوى مغاليق أبوابك، وبارك بنيك فيك” (مز147: 12، 13) ونقول في مزمور آخر: “أعمال مجيدة قد قيلت عنك يا مدينة الله” (مز87: 3) والبعـض يفسر هذا الكلام أنه موجه للعذراء…
4- ونحن في صلواتنا نخاطب الناس فنقول “يا جميع الأمم صفقوا بأيديكم. هللوا للرب يا كل الأرض” (مز46: 1). “هلموا وانظروا أعمال الرب التي جعلها آيات على الأرض” (مز45). “لا تتكلوا على الرؤساء ولا على ابن آدم، حيث لا خلاص عنده (مز146: 3). “باركوا الرب يا جميع أعماله في كل مواضع سلطانه” (مز103: 22). ونقول في مزمور آخر “سبحوا الرب أيها الفتيان. سبحوا اسم الرب” (مز112: 1). ونقول أيضًا: “قدموا للرب يا أبناء الله، قدموا للرب أبناء الكباش. قدموا للرب مجدًا وكرامة. قدموا للرب مجدًا لاسمه. اسجدوا للرب في دار قدسه” (مز28: 1 -3).
5- والإنسان في صلواته أيضًا يخاطب نفسه، فيقول: “باركي يا نفسي الرب وكل ما في باطني ليبارك اسمه القدوس، باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته. الذي يغفر جميع ذنوبك. الذي يشفي كل أمراضك. الذي يفدي من الحفرة حياتك” (مز103: 1-5). ونقول في مزمور آخر “لماذا أنت حزينة يا نفسي؟ ولماذا تزعجينني؟ توكلي على الله”(مز42: 5) وفي قطع صلاة نصف الليل، يخاطب المصلي نفسه ويقول “توبي يا نفسي ما دمت في الأرض ساكنة”.
6- بل نحن في صلواتنا نلتفت إلى الشياطين وكل قواتهم ونخاطبهم. فيقول المصلي “ابعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم. فإن الرب قد سمع صوت بكائي… فليخز وليضطرب جدًا جميع أعدائي. وليرتدوا إلى ورائهم بالخزي سريعًا هلليلويا” (مز6). فهل نحن نصلي لكل هؤلاء؟ هل نحن نصلي للملائكة، وللطبيعة، وللناس، ولأنفسنا، وللشياطين…حاشا…. إنما نحن نخاطبهم أثناء صلاتنا وهذا أمر مقبول، وتعليم كتابي… ومن روح المزامير التي قال عنها بولس الرسول “متى اجتمعتم، فكل واحد له مزمور” (1كو14: 26)، “مكلمين بعضكم بعضًا بمزامير وتسابيح وأغاني روحية، مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب” (أف5: 19)، “معلمون ومنذرون بعضكم بعضًا بمزامير وتسابيح وأغاني روحية” (1كو3: 16).
ما دمنا نخاطب كل هؤلاء في صلواتنا – حسب تعليم الوحي الإلهي – فليس خطأ إذن أن نخاطب أمنا العذراء أثناء الصلاة، ولا تعتبر هذه المخاطبة صلاة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 2-10-1988م




