رابح النفوس حكيم1

تحدثنا في المرة السابقة عن موضوع “رابح النفوس حكيم” وذكرنا بضعة وسائل لربح النفوس، نضيف إليها اليوم عنصر اللطف في المعاملة.
إننا في عالم جوعان إلى العطف والحنان والمعاملة اللطيفة. ولقد ذكّرنا بولس الرسول أن اللطف من ثمار الروح القدس (غل5: 22).
فكيف يكون الإنسان لطيفًا في معاملته للناس؟
رابح النفوس حكيم1
لا تكن نقادًا:
هناك أشخاص لا يرون في غيرهم إلا النقط السوداء، ولا ينظرون إلى غيرهم إلا بمنظار أسود. فباستمرار ينتقدون، ويخسرون الناس بنقدهم..
أما الإنسان اللطيف فلا يدين كثيرًا، ولا ينتقد كثيرًا. وإذا انتقد فإنه ينتقد بلطف. لذلك يكسب الناس…
إن السيد المسيح، ديّان الأرض كلها، الذي سيدين الأحياء والأموات، قال “ما جئت لأدين العالم، بل لأخلّص العالم”. فإن أردت أن تربح الناس، أسلك كما فعل السيد المسيح، وبدلًا من أن تعكف على إدانتهم، اعمل على خلاصهم.
بدلًا من أن تحكم عليهم، أشفق عليهم. وبدلًا من أن توبخهم على أخطائهم، ساعدهم على التخلص من هذه الأخطاء.
في قصة المرأة الخاطئة التي ضُبطت في ذات الفعل، لم يستطع أن يكسبها الذين عاملوها بقسوة وحكموا عليها. أما السيد المسيح الذي قال لها “وأنا أيضًا لا أدينك، اذهبي بسلام”، فقد استطاع أن يربح نفسها.
الناس يحتاجون إلى عين مغمضة، لا تنفتح لتنظر إلى أخطائهم محلقة فيما يعملون. يحتاجون إلى عين، إن رأت خطأ تنساه…
يحتاجون إلى من يبصر الخطأ وكأنه لم يبصر، ويسمع وكأنه لم يسمع. لا يتأمل أخطاء الناس ولا يتحدث عنها، ولا يعايرهم بها، ولا يستصغرهم بسببها… وهكذا يربحهم.
لا تكن عينك مفتحة لأخطاء الناس، إنما مفتوحة لفضائلهم..
صدقوني، كما أن الناس جياع إلى العطف والحنان، هم أيضًا جياع إلى المديح وإلى التشجيع. فالشخص الذي تمدحه كثيرًا تكسبه، والذي تشجعه كثيرًا تكسبه، والذي تكتشف فضائله وتتحدث عنها تكسبه.
+ أسلوب المديح والتشجيع:
إن الشخص الذي يكسب الناس، هو الذي يرى نواحيهم الفاضلة، ويظهرها، ويمدحهم عليها. فيشعرون بمحبته وتقديره.
تصور أنك في اجتماع يحضره عضو لأول مرة، فتقدمه للحاضرين، وتشرح مواهبه وإمكانياته، وتاريخه وإنتاجه، وتُظهر فرحك بوجوده، لا شك أنك بذلك تكسبه، إذ يجد فيك صديقًا يحترمه ويقدّره.
ولكن ليس مديح الناس معناه تملقهم. كلا، وإنما لكل إنسان- مهما كان- ميزة. اكتشفها، وامدحها، بصدق وإخلاص.
لقد وجد السيد المسيح شيئًا صالحًا يستحق المديح في زكا العشار، وفي المرأة السامرية، وفي الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها… فاكتشف الجوهرة المدفونة في الطين، ونظفها، ومدحها، فربحها. ورابح النفوس حكيم.
يوجد كثيرون يتعبون ولا يجدون من يقدرهم، ويجاهدون ولا يجدون من يشجعهم. ارفع نفسية هؤلاء، فتربحهم.
مثل طفل يجتهد في دروسه ويحصل على درجات عالية، ولا يحس به أحد في المنزل، فيضطر أن ينبههم بنفسه إلى امتيازه. ما أسعد هذا الطفل بمن يكتشف تفوّقه ويشجعه، فيربحه…
لا تظنّوا أن التشجيع للصغار فقط. فالكبار أيضًا يحتاجون إليه.
كما يحتاج خادمك إلى تشجيع ليستمر في إخلاصه لك وفي تعبه، كذلك يحتاج رئيسك إلى تشجيع ليستمر في معاملته الطيّبة لك.
إن صاحب البيت تسعده كلمة تحية وتقدير يسمعها من بواب منزله فيقول إن هذا البواب هو أفضل بواب عرفه، لا من أجل تفانيه في عمله، بل لأجل الكلمة الطيّبة والمديح والشكر.
الناس يحتاجون دائمًا إلى كلمة طيّبة تسعدهم، فيحبون قائلها..
والإنسان الذي يملك لسانًا طيبًا، ووجهًا بشوشًا، وحسن معاملة للناس، يمكنه أن يربح الدنيا كلها ومن عليها…
من أجل حاجة الناس إلى كلمة طيّبة، أعطاهم الله الإنجيل ومعناه “بشارة طيبة” وبدأ الرب عظته على الجبل بالتطويبات. وكلمة طوبى معناها البركة والسعادة معًا… وكان السيد يشجع تلاميذه باستمرار، حتى أنه مدح الزرع الذي أتى بثلاثين فقط، وقال إنه زرع جيد، كالذي أتى بستين أو بمائة.
الشخص اللطيف الذي يربح الناس يشجع ولا يدين كثيرًا.
السيد المسيح لم يكن يدين كثيرًا مع أن جميع خطايا الناس، الخفيات والظاهرات، كانت مكشوفة أمامه ومعروفة، حتى مشاعر القلب وحتى الأفكار والنيّات والظنون…
فإن كان الله الذي يعرف كل الخطايا، وعن يقين، لا يوبّخ كثيرًا، فكيف بنا نحن، الذين لا نعرف الحقيقة تمامًا، وربما ما لدينا من انتقادات فيه الكثير من الظن أو الشك أو الظلم… وقد نحكم على الناس ظلمًا، فيكرهوننا، ولا نربحهم…
وحتى إن وجد في الناس خطأ يقيني، بالكلمة الطيبة نعالجه ونربحهم… ما أجمل قول الكتاب “شجعوا صغار النفوس”.
الصغير شجّعوه، والكبير قدّروه، والممتاز امدحوه، والضعيف لا تيئسوه.
الإنسان الحكيم الطيب. رابح النفوس، يوزع كلمات التشجيع والبركة على كل أحد. يوزع المعاملة الرقيقة وكلمات البركة على الكل “والفم الذي يبارك، لا يلعن”.
خذوا هذا التدريب للأسبوع المقبل مثلًا، أننا لا ننتقد أحدًا حتى أشر الناس، بل نكتشف فضائل الناس ونمتدحها. كل إنسان نعطيه حقه: الكرامة لمن له الكرامة، والمدح لمن له المدح. نمدح الناس على الخير الذي فيهم، دون أن ننظر إلى ما فيهم من شر، وبهذا نربحهم. تستطيع أن تكسب الناس بالتشجيع والتقدير، وأيضًا بالاتضاع.
+ اربح الناس بالاتضاع:
الناس لا يحبون الشخص الذي يتعالى عليهم، ويحدثهم من فوق بل يحبون المتضع. وما أصدق قول الشاعر:
لما صديقي صار من أهل الغنى أيقنت أني قد فقدت صديقي
هذا إذا كان صديقه قد كبر قلبه فتعالى عليه. أما إن ظل كما هو، على محبته وتواضعه وتبسطه، فلا يكون قد خسره. لما كان داود النبي قائدًا في بيت شاول، أحبّه عبيد شاول لأنه “كان يخرج بينهم ويدخل” أي مختلطًا بهم.
المتواضع لا يغطي على غيره، بل يعطيه فرصة ليظهر. ولا يكتسح غيره، بل يعمل بقول الرسول “مقدّمين بعضكم بعضًا في الكرامة”. وبهذا يربح غيره.
المتحدث المتواضع الذي يربح الناس، لا يأخذ الجلسة لحسابه، بل يعطي غيره فرصة ليتكلم، ولا يقاطعه، ولا يحقّر رأيه، ولا يهاجمه، بل يمتدح ما في حديثه من أفكار. وتكون له فضيلة “حسن الإصغاء”. فيحبه الناس لإصغائه. وعندما يتكلم يقول “أعجبني رأي فلان في كذا” “ومن النقط الجميلة ما قاله فلان” “أنا أوافق فلانًا على رأيه”…
المتواضع لا يتجاهل أحدًا، ولا يستصغر أحدًا. بل يحترم الكل، إذ يحبّه الكل بسبب اتضاعه.
السيد المسيح تواضع فدخل بيت زكا العشّار، وأعطى مقامًا لمتّى العشّار فجعله رسولًا، ودخل بيوت الخطاة، وسمح للمرأة الخاطئة أن تلمس قدميه وتمسحهما بشعرها، بل أعطى قدرًا للأطفال أيضًا. لذلك أحبه الكل، وربح الكل، وقادهم للملكوت.
الإنسان المتواضع الحكيم يربح الناس أيضًا بتنازله إلى ضعفاتهم.
من أمثلة تنازل الله لضعفات الناس، أنه زاره نيقوديموس ليلًا وسرًا، إذ كان نيقوديموس خائفًا من اليهود. فلم يجبره الرب على علانية لا يحتملها. وبهذا ربحه إليه.
تنازل الله أيضًا لضعف المجوس الذين كانوا يرصدون النجوم، فأظهر لهم قوة سمائية في هيئة نجم عجيب في تحركاته وسيره ووقوفه واتجاهه. فلما آمنوا، كلّمهم في حلم…
وتنازل الله للبشرية كلها بتجسده.
إن الذي يتنازل لضعف الناس يربحهم، أما الذي يعاملهم من برجه العالي. فلا يمكن أن يصل إلى قلوبهم ولا إلى أفكارهم.
فالفيلسوف الذي لا يتكلم إلا بأسلوب معقد، لا يتنازل فيبسط معلوماته للناس، لا يجتمع حوله سوى نفر قليل من مريديه وحوارييه وفاهميه، فلا يربح الكل. أما الحكيم المتواضع فإنه يقدم أعمق العلم في أبسط الألفاظ، فيربح الناس ويكثر فاهموه.
بولس الرسول تنازل إلى الناس، ليربح على كل حال قومًا، فقال “لم آت إليكم بسموّ الكلام لئلا يتعطل صليب المسيح”.
إن الذي يثق بذكائه وفهمه وحسن تصرفه للأمور، قد لا تعجبه أفكار وتصرفات الناس، فيكثر من توبيخهم حتى يخسرهم.
ينتهر هذا، ويوبخ ذاك، ويكلم هذا كلمة شديدة، وينصح آخر بأسلوب جارح. ويعلق تعليقات قاسية بخصوص طريقة تفكيرهم ومدى فهمهم وهكذا يخسر الكل لمقارنته في داخل قلبه بين ذكائه وضعف تفكيرهم.
أما المتواضع فيربح أقل الناس فهمًا، بكياسته ولباقته، وعدم تعاليه، ورفقه بكل أحد، وحرصه على شعور الكل.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد الحادي والأربعون) 10-10-1975م




