داود النبي جـ1 – متعدد المواهب

شخصية داوود النبي
تأمل قداسة البابا شنوده الثالث في شخصية داود النبي، موضحًا أنه يمثل الشخصية الإنسانية المتكاملة التي تجمع بين القوة والوداعة، والعظمة والبساطة، والقيادة والعبادة. فقد كان داود راعيًا، ملكًا، نبيًا، شاعرًا، موسيقيًا، وقائدًا عظيمًا — جمع في حياته صفاتٍ تبدو متناقضة، لكنها انسجمت في قلبٍ محب لله.
الجمال والجبروت معًا
كان داود رقيق المشاعر كالشاعر والموسيقي الذي يترنم بالمزامير، وفي الوقت نفسه جبار بأس انتصر على الأسود والدببة وجليات. جمع بين الحنان في صداقته ليوناثان، وبين الحزم في مواجهته لنابال. كان جميل الوجه ورقيق القلب، لكنه قوي في الروح والجسد، يجمع بين الجمال الإنساني والبطولة الإيمانية.
البساطة والهيبة
رغم كونه ملكًا، احتفظ بتواضعه، فكان يرقص أمام تابوت العهد ببساطة وفرح، بينما كان يملك من الهيبة ما جعل كثيرين يسجدون أمامه. جمع بين الفرح الروحي والدموع، وبين الاتضاع والعزة؛ إذ قال عن نفسه: “أنا دودة لا إنسان”، ومع ذلك واجه ميكال بثقة قائلاً إن مجده أمام الرب أعظم من مجد بيت أبيها.
داود الراعي
بدأ داود حياته راعيًا، وتعلم من الرعي الوداعة وطول الأناة والرحمة. لذلك اختار الله كثيرين من الرعاة ليقودوا شعبه، لأن الرعاية تعلم الحنو والصبر والهدوء. كما قال الرب في حزقيال: “أنا أرعى غنمي وأربضها”، فجعل القادة الروحيين أيضًا يُدعون “رعاة”.
اختيار الله له
اختاره الله وهو صغير السن وأصغر إخوته، بينما تجاهله أبوه يسى حتى لم يدعه لحضور الذبيحة. لكن الله لا ينظر إلى المظهر بل إلى القلب، فقال لصموئيل: “الإنسان ينظر إلى العينين، أما الرب فينظر إلى القلب.” رأى الله في قلب داوود محبته العميقة رغم ضعفه البشري، فعرف أنه سيخطئ أحيانًا، لكنه سيتوب سريعًا بقلب نادم.
ملك بلا مملكة
بعد مسحه ملكًا، لم يتسلّم العرش فورًا، بل عاد ليرعى الغنم متضعًا دون تذمر، بينما كان روح الرب قد فارق شاول. صار داوود ملكًا بالمسحة لا بالعرش، وخادمًا لمسيح الرب شاول، يعزف له بالعود حتى يهدأ من الروح الرديء. هنا يظهر تواضعه العجيب، إذ كان يحمل سلاح شاول المادي، لكنه في الوقت ذاته يحمل سلاح الله الروحي الذي يهزم الشيطان.
احترامه لمسيح الرب
رغم اضطهاد شاول له، لم يمد داود يده إليه، قائلاً: “كيف أمد يدي إلى مسيح الرب؟” وحتى بعد موته، رثاه بدموع قائلاً: “كيف سقط الجبابرة!” فكان مثالاً في الاحترام والوفاء، حتى لمن أساء إليه.
التجارب التي كوّنته
مر داود بتجارب كثيرة — من حسد إخوته، واضطهاد شاول، وتمرد أبشالوم، ومشاكل الحكم والأسرة. لكن الله سمح بهذه التجارب لكي تحمي مواهبه وتزيده عمقًا واتضاعًا. فكما قال بولس الرسول: “لكي لا أرتفع بفرط الإعلانات أعطيت شوكة في الجسد.”
تعلم داود من الألم الصلاة والبكاء، فكانت مزاميره تنبع من الأعماق: “من الأعماق صرخت إليك يا رب.” دخل أولًا مدرسة الرعي، ثم مدرسة الألم، التي جعلته أكثر عمقًا في علاقته بالله.
الدرس الروحي
من خلال حياة داود نتعلم أن الله ينظر إلى القلب لا إلى المنظر، وأن التجارب تصنع العمق الروحي. فالعظمة الحقيقية ليست في الملك أو القوة، بل في القلب الذي يعرف أن يتوب ويحب الله. كان داود إنسانًا مثلنا، لكنه جعل محبة الله محور حياته، لذلك صار نموذجًا للمؤمن الذي يسقط ويقوم، ويظل محبوبًا عند الله.
للمساعدة في ترجمة أفضل يمكن التواصل مع المركز.


