الخدمة الروحية والخادم الروحي (5)

الخدمة الروحية والخادم الروحي (5)
تدريس العقائد في مراحل السن1
1- المرحلة الابتدائية هي مرحلة التسليم:
الطفل يتقبل فيها العقائد، دون أن يجادل أو يسأل يقبلها بالتسليم. ولذا فإن هذه المرحلة نافعة لغرس العقائد بعيدًا عن جو المناقشة: هي إرساء للأساس العقيدي، الذي يتسرب في أعماق النفس.
ولهذا أيضًا نعطي فيها كثيرًا من العقائد عن طريق الحفظ: يحفظها الطفل حتى لو لم يفهمها، يفهمها فيما بعد.
- المرحلة الاعدادية هي مرحلة التعليم والشرح.
العقل قد بدأ ينضج، وأصبح يتقبل الشرح، وإرساء الأساس الفكري، بطريقة إيجابية تحمل البراهين والأدلة والإثباتات. - المرحلة الثانوية هي مرحلة الجدل والمناقشة.
وهذا الجدل يناسب سن المراهقة. وفي هذا السن يظهر الشك أيضًا، وتكون التربية الكنسية قد استعدت له بما أرسبته في سن الطفولة من تسليم، وما قدمته في سن الإعدادية من تعليم وتفهيم.
في مرحلة المراهقة، نناقش الآراء المضادة ونرد عليها.
منهج المرحلة الإعدادية:
المرحلة الإعدادية من أحسن المراحل لغرس العقائد والمبادئ:
المرحلة الابتدائية مرحلة تسليم، الطفل فيها مستعد أن يتقبل كل شيء، ولكن ليس له نضوج فكري للتعمق فيما يسمع. والمرحلة الثانوية تتميز بالجدل والنقاش، وربما تحدي الأفكار والثورة عليها. أما المرحلة الإعدادية، فهي تقبل الفكر، مع نضوج أكثر من المرحلة الابتدائية، وعدم وجود الرغبة في التحدي والجدل…
في المرحلة الابتدائية نقدم التعليم عن طريق التسليم.
نقدم الإيمان والعقيدة فيقبلهما الطفل بدون نقاش، وليس المدرس محتاجًا أن يشرح أو يثبت.
وفي المرحلة الإعدادية نقدم التعليم ومعه قسط من التفهيم.
نشرح بطريقة إيجابية، ونثبت دون أن نتعرض للنقط المعارضة. إنها مرحلة وضع الأساس الإيجابي.
أما في المرحلة الثانوية فإننا نفسح مجالًا للردود والمناقشة..
لأنها مرحلة المراهقة، التي لا يقبل فيها الطالب من المعلومات إلا ما يقنعه ويرضي عقله وتفكيره. كما أن في الرد على الخصوم ما يشبع بعضًا من غرائزه…
درس المعمودية كمثال:
نقدم المعمودية في المرحلة الابتدائية كمدخل للإيمان المسيحي، ويناسب هذا الدرس بيان الطقس، وحبذا لو كانت معه وسائل إيضاح مشبعة، مثل فيلم أو شرائحslides. ويمكن تحفيظ الأولاد آية أو آيتين، لتثبيت الفكرة اللاهوتية. وفي المرحلة الإعدادية يمكننا أن نشرح موضع المعمودية، من الناحيتين العقيدية والطقسية، مع بيان الرموز وعمقها، وتحفيظ بعض نصوص كتابية، أطول وأشمل… في المرحلة الثانوية نشرح بأكثر عمقًا، ونبين الفروق العقائدية والطقسية ونرد عليها ردًا مشبعًا، ونقرأ فقرات من الكتاب، ونشير إلى بعض المراجع.
المثالية وبطل الأحلام:
لما كانت المرحلة الثانية تتميز بتركيز العواطف والأفكار، في الصور البطولية، والصور المثالية، والسوبرمان، وفتى الأحلام. وكل فتى وفتاة، تتفتح أحلامه على المستقبل، يضع أمامه صورة معينة يجب أن يقتدي بها ويجعلها مثله الأعلى. وقد ينحرف فيتخذ له مثلًا دنيوي الاتجاه..
لذلك نستعد من المرحلة الإعدادية فنقدم المثاليات الصالحة من سير القديسين، وأبطال الإيمان ورجال الكتاب.
منهج المرحلة الابتدائية
- محبة الله أولًا، قبل العقوبة والدينونة:
لم يكن من المناسب مطلقًا أن يبدأ تعريف الطفل بالله في هذه السن المبكرة بقصص العقوبة والدينونة التي تُخيف الطفل وتنفره من الله. لذلك لم يشأ أن يوجد المنهج في السنوات الثلاث الأولى أي ذكر لهذه العقوبات. بل ركزنا الاهتمام على القصص الدالة على محبة الله وعنايته ورعايته. في قصة الفلك راعيْنا أن يكون الهدف هو عناية الله بنوح البار وإنقاذه دون التعرض مطلقًا لأسباب نزول المياه… إن عناية الله ومحبته عنصر متكرر في منهج جميع سنوات المرحلة الابتدائية، مستندًا إلى قصص من العهدين القديم والجديد ومن تاريخ القديسين. أما العقوبة فتأتي فيما بعد كمظهر من صلاح الله وكراهيته للخطية، مع محبته للخاطئ وسعيه لإصلاحه. - قوة المسيح أولًا، قبل ذكر آلامه:
يخطئ بعض الخدام فيُدَرِسون للطفل الصغير آلام المسيح وما تحمله من إهانات ومتاعب. يجب أن يتأكد الطفل أولًا من قدرة السيد المسيح وقوته ولاهوته. لذلك أعطيناه فكرة واضحة عن قوة الرب من كل ناحية قبل أن نذكر آلامه: قوة الرب على الطبيعة، قوته في الشفاء، قوته في سائر معجزاته.. أما الآلام فتأتي فيما بعد، حينما يدرك الطفل معنى المحبة والبذل والتضحية.. - الصليب في المنهج:
ولكن هل تأجيلنا لشرح آلام المسيح يمكن أن يحرم الطفل من حديث الصليب وبركاته؟! كلا، بل يتعلم الطفل في السنة الأولى رشم الصليب، وفي السنة الثانية استعماله، وفي الثالثة قصة عن قوة الصليب في حياة القديسين. ثم تأتي قصة الصلب، ولكن كيف تُعرَض؟ نذكر أولًا قوة الرب عند القبض عليه: وقوع الناس، وشفاء أذن العبد. وأيضًا قوة الرب أثناء صلبه: الزلزلة، والظلمة، وشق حجاب الهيكل.. إلخ. ثم قصة الصلب.. - متى تُدَرَس قصص الشهداء؟ وكيف؟
الطفل الصغير يليق به أن يعرف أن الله منبع كل خير، وأن من يتبعه يعيش سعيدًا، لذلك لا نستطيع أن نقول له في بدء دراسته أن الذين آمنوا بالمسيح تعرضوا للذبح والرجم والصلب والحرق وتقطيع الاعضاء.. كلا، إن هذا يأتي فيما بعد عندما يتدرب الطفل على البذل من أجل الله…
ولكن هل إرجاء هذا معناه أن نحرم الطفل من قصص الشهداء؟ كلا، بل نقُص عليه أولاً معجزات الشهداء وما أجراه الله على أيديهم من آيات وما وهبهم من كرامة. ثم نتدرج إلى قصص آلامه مبتدئين بالمعجزات التي حدثت أثناء اضطهادهم. فمثلًا القديس مار جرجس- في منهج السنة الثالثة – نروي كيف قدموا له كأس السم فرشم عليه بعلامة الصليب وشربه فلم يؤذه، وكيف أدخلوه ليبخر للأصنام فسقطت كلها محطمة بصلواته وكيف آمنت الملكة وكثيرون بسببه.. وأخيرًا نتكلم عن آلام الشهداء ومعجزاتهم. - معجزات إقامة الموتى وإخراج الشياطين، وموضعها في المنهج:
هذه ناحية مخيفة بالنسبة للطفل، لم نتعرض لها في السنوات الثلاث الأولى، ثم تدرجنا في ذكرها، فمن جهة معجزات إقامة الموتى ذكر الكتاب ثلاثًا منها: أخفها إقامة ابنة يايرس لأنها طفلة نائمة في البيت، وهذه أُحذت في السنة الرابعة. أما في السنة الخامسة فوُضعت معجزة إقامة ابنة أرملة نايين، لأنه في نعش في موكب في الطريق. أما في السنة السادسة فيأخذ الطفل إقامة لعازر لأنها أصعب القصص عليه، فهي إقامة ميت مربوط بأكفان داخل مدفن عليه حجر كبير…
كذلك قصص إخراج الشياطين وردت في السنوات المتأخرة.. - محبة الطفل لقصص الملائكة:
في نفس الوقت الذي تحاشينا فيه قصص الشياطين، ملأنا المنهج بقصص الملائكة والسماء لمحبة الطفل الفائقة لهذا اللون الذي يُرضي روحه وخياله.
كذلك روعيت الحوادث الأخرى التي ترضي خيال الطفل مثل: معجزة التجلي، وصعود الرب إلى السماء، وصعود إيليا في مركبة نارية… - الأعياد في المنهج:
هذا العنصر من العناصر المهمة التي تربط الطفل بالكنيسة وطقوسها وصلواتها. وقد وضعنا في المنهج جملة أعياد في كل سنة هي: عيد النيروز- عيد الصليب – عيد الميلاد – عيد الرسل – عيد العذراء -عيد قديس الكنيسة أو قديس الفصل. وأحيانًا نضيف عيد البشارة أو عيد حلول الروح القدس.
وقد وزعنا ما يقال في كل من هذه الأعياد على السنوات الست بحيث نتحاشى التكرار الممل.
- العقيدة والطقوس والحقائق الإيمانية:
بدأ تدريسها بطريقة بسيطة، تكون أحيانًا عملية مثل تعليم رشم الصليب واستعماله، وأحيانًا عن طريق الترنيمة مثل: ترانيم الصليب والأجراس والقربان والقنديل. وأحيانًا عن طريق الحفظ مثل الصلاة الربية.
ثم دروس بدائية مثل محبة الكنيسة، وآداب الحضور فيها. واحترام الكهنة، والشموع والأنوار والصور والأيقونات…
ولما كانت السنوات الأخيرة من هذه الرحلة هذه سنوات الإيمان في حياة الطفل يتسلم فيها أي شيء بتصديق دون نقاش، لذلك وضعنا فيها – بطريقة مبسطة – بعض دروس عن أسرار الكنيسة وطقوسها وحقائق إيمانية عن الصلب والفداء وبعض العقائد الأخرى. - مقال لقداسة البابا شنوده الثالث، نشر في جريدة وطني، بتاريخ 25-3-2007م




