خرج الزارع ليزرع

أحدثكم اليوم عن مثل الزارع. قال الرب إن الزارع خرج ليزرع، فألقى بذاره: فوقع البعض على الطريق، وجاءت الطيور فأكلته. ووقع البعض على أرض محجرة، وإذا لم يكن له عمق نبت قليلاً ثم احترق وجف. وسقط البعض على الشوك، فطلع الشوك وخنقه. وسقط البعض على أرض جيدة، فأعطى ثمراً ثلاثين وستين ومائة.
(متى 13). فلنتأمل مثل هذا الزارع – الرب – الذي خرج ليزرع.
خرج الزارع ليزرع1
الزارع هو ربنا يسوع المسيح، يجول في الأرض يزرع خيراً، ويلقي كلمة الحياة في قلوب الجميع. نعمته تعمل في الكل.
الكل له فرصة من النعمة، تلقي بذارها في قلبه.
أنا متعجب يا رب، كيف بلغ من تحننك ومن عدلك، إن ألقيت بذارك حتى على الأرض المحجرة، وعلى الطريق وعلى الشوك!؟
كنت أظن أنك ستلقي بذارك على الأرض الجيدة فقط! ولكنك لم تحرم أحداً من عملك … أنت يا رب خرجت لتزرع، ولم تخرج لكي يلتقط الطير بذارك، أو لكي يخنقها الشوك. ولكنك على الرغم من هذا، أردت أن تعطي فرصة متكافئة لكل أحد! لا تيأس من أحد، محبتك لا تفشل أبداً …
فليطمئن إذن كل أحد، إن الله سوف لا يتركه …
+ على الطريق، في موضع مسلوك:
سقط بعض البذار على الطريق، حيث المكان مداس من أرجل كثيرة، وحيث الطيور تلتقط … وصدق داود حينما قال للرب، لكي يظهر لك جسدي في أرض مقفرة، وموضع غير مسلوك (مز 62)
إن كلمة الرب – لكي تنمو – تحتاج إلى جو من الهدوء والخلوة، غير مداس من الناس ومن الأفكار والحواس … بعيداً عن الثعالب الصغار المفسدة للكروم، وعن الطيور التي تلتقط البذار، وعن سجّس الحواس التي تشغل الفكر … مكان مغلق لا تدوسه طياشة الأفكار والرغبات.
لهذا فإن داود لما وجد هذا الموضع شكر الرب قائلاً: “سبحي الرب يا أورشليم، سبحي إلهك يا صهيون، لأنه قوى مغاليق أبوابك، وبارك بنيك فيك”(مز 147). ولهذا أيضاً، حسناً قال الرب عن عروس النشيد (نش 4: 12).
“أختي العروس جنة مغلقة، عين مقفلة، ينبوع مختوم”.
وأنت أيها الأخ اسأل نفسك: هل قلبك طريق مسلوك، تختطف طيوره ما يلقى فيك من بذار؟
يحدث أحياناً أن يحضر البعض اجتماعًا روحيًا، ويتأثرون بالكلمة، ويعزمون على تغيير حياتهم. وما أن يغادروا الاجتماع، حتى يقضوا الوقت تحدثًا مع أصدقائهم في شتى الموضوعات، ويتبدد تأثرهم الروحي، وتلتقط الطيور بذارهم!
وقد يذهب إنسان إلى الاعتراف بقلب نادم منسحق وبمشاعر روحية صادقة، ولكنه فيما قبل الاعتراف أو بعده، تضيع تأثراته الروحية في أحاديث ولقاءات مع الناس، كالطيور تلتقط بذاره!
كم من عمل روحي عملته فيك النعمة، وضاع بمقابلة أو محادثة، أو انشغال، أو تراخ أو تسليات، التقطت بذاره …؟!
إن كانت كلمة الرب قد ألقيت فيك على الطريق، فهذا الطريق ابحث له عن طريقة، تشق فيه مكانًا للبذور، وتخلصه مما يحوم حوله من الطيور. الله قادر أن يغيره.
+ على الأرض المحجرة:
الله المنبت العشب على الجبال، الذي يفجر من الصخرة ماءًا، هو أيضًا يلقي بذار نعمته على الأرض المحجرة.
إن استمرت هذه الأرض محجرة، سيظهر النبات قليلًا، ثم يجف ويحترق، إذ ليس له عمق. ولكن الله قادر أن يمر بأنهاره على هذه الأرض فترطبها وتشق فيها طريقًا.
ربما كان موسى الأسود قبل توبته أرضًا محجرة صلبة صخرية، ثم تغير، وتحول إلى القديس موسى الطيب المحبوب.
قد ترمز الأرض المحجرة أيضًا إلى العبادة الشكلية السطحية.
التي ليس لها عمق، التي قد تصل إلى العقل فقط، ولا تدخل إلى القلب والمشاعر والعواطف والأعماق …
كثيرون سمعوا المسيح، ولم يدخلوا كلامه إلى أعماقهم. وكثيرون يقرأون كلامه في الإنجيل، دون أن يدخلوا إلى أعماقه، ودون أن يدخلوه إلى أعماقهم.
كثيرون علاقتهم بالرب مجرد علاقة عقلية وليست روحية. هؤلاء – كما قال الرب في المثل- “يقبلون الكلمة بفرح”، ولكن إلى حين، ثم يعثرون..
إن مجرد “قبول الكلمة بفرح” لا يكفي. قد يكون تأثرًا وقتيًا أو سطحيًا. المهم أن تتحول الكلمة إلى حياة …
ينبغي أن يثبت الإنسان في الرب، بعمق، وحينئذ سوف لا يجف ولا يحترق، لأن عصارة الكرمة ستسري في عروقه.
+ وسط الأشواك:
هناك نوع ثالث من البذار سقط وسط الأشواك، فطلعت وخنقته. وفسر الرب ذلك بأن هموم هذا العالم وغناه تخنق الكلمة.
وكم من مؤثرات روحية أرسلتها النعمة إليك، في عظات وقداسات، وقراءات، وألحان … ثم تلاشى هذا التأثر واختنق بهموم العالم.
لا شك أن الله يعمل في قلبك باستمرار، ويلقي بذاره فيك. ولكن لماذا لا تثمر؟ لماذا كلما يظهر نباتك تخنقه الأشواك، فلا يظهر؟ اجلس إلى نفسك، وادرس ماذا يعطل عمل النعمة فيك …
هل هموم الدنيا تشغل قلبك وفكرك ووقتك واهتمامك، ولا تترك لكلمة الرب فرصة أن تثمر في داخلك؟
هل أحداث العالم وأخباره ودواماته قد استطاعت أن تدخل إلى أعماقك وتخنق العمل الجواني في داخلك؟
ابحث ما هي الأشواك التي تحيط بك، وحاول، أن تتخلص منها. قل لها: “طوبى لمن يمسك أطفالك، ويدفنهم عند الصخرة”.
أنا حزين على بذار الرب التي يلقيها في أرض لا تثمر …
لقد كانت بذارًا مقدسة في يدك الإلهية يا رب. ألقتها كفك إلى قلوب الناس، ولكنها لم تثمر … خنقتها الأشواك … متى تجمع هذه الأشواك، وتحرقها تحت الشمس؟
أما أنت أيها العابد المشتاق الى الله، فلا تلتصق بالأرض التي تنبت لك شوكًا وحسكًا. لا تقف في كل الدائرة. أهرب لحياتك. لا تنشغل بغير الله، ولا تسمح لأمور العالم الباطل أن تصل إلى أعماقك. ليكن العمق لله وحده …
+ الأرض الجيدة:
هذه هي الأرض التي قاومت كل العناصر المضادة: انتصرت على الأشواك والأحجار، ولم تضربها الشمس بالنهار، ولا القمر بالليل، فلم تجف ولم تحترق … بل أزهرت وأثمرت، وأعطت ثلاثين وستين ومائة …
لابد أن تعطي ثمرًا، لكي تكون أرضًا جيدة. “كل شجرة لا تعطي ثمرًا تقطع وتلقى في النار”.
إن قصة الأرض الجيدة تدلنا على أمرين: عمل النعمة، واستجابة الإنسان. يد الله التي تلقي البذرة، والتربة البشرية التي تغذي البذرة وترويها وتتفاعل معها. لو كان الأمر متوقفاً على عمل النعمة فقط، لأثمرت كل بذرة تخرج من يد الله، بدون اعتبار لطبيعة الأرض …
هل أرضك فيها دسم يغذي البذرة، هل هي تفتح قلبها للبذار وتقبلها في داخلها؟ أم هي لا تنفتح للبذار كأرض الطريق، أو هي تخنق النبات كأرض الأشواك؟ ما أجمل ما قيل عن السيدة العذراء.
“كانت تحفظ كل هذا الكلام متأملة به في قلبها”.
هذا هو العمل الجواني. وهذا هو الفرق بين أذن وأذن. الأذن الجيدة هي التي توصل الكلمة إلى الفكر، ثم إلى القلب، ثم تتأمل به الروح.. من له أذنان للسمع فليسمع …
هناك أشخاص سمعوا كلام المسيح، وشكوا فيه، أو ثاروا عليه، أو جادلوه، أو رفضوه، وهكذا فعلوا مع الأنبياء.
سمعوا بولس الرسول، فقالوا: “ماذا يريد هذا المهزار أن يقول؟”. وسمعوا لوطًا البار، “فكان كمازح في وسط أصهاره”. هؤلاء لم تكن أرضهم جيدة.
وأما أصحاب الأرض الجيدة، فلما سمعوا “نخسوا في قلوبهم”.
إن كلمة الله هي هي، قوية وفعالة. ولكن هناك آذانًا للسمع، وآذانًا لا تسمع. أما أنتم فطوبى لآذانكم لأنها تسمع. المسألة إذن تتوقف عليكم أنتم، ومدى استجابتكم لعمل الله فيكم.
كلمة سمعها الشاب الغني من فم المسيح نفسه، فمضى حزينًا. ونفس الكلمة سمعها شاب غني آخر هو الأنبا أنطونيوس من فم أغنسطس عادي، فلم يمض حزينًا، وإنما مضى وباع كل ماله..
لذلك فإن السيد المسيح ختم مثل الزارع بقوله: “من له أذنان للسمع فليسمع” … ثم قال “لأن قلب هذا الشعب قد غلظ، وآذانهم قد ثقل سماعها”(متى 13: 9، 15). العيب إذن ليس في البذار، إنما في الأرض التي لا تتقبلها.. ليس العيب في الكلمة، إنما في الأذن التي تسمعها. لذلك …
“إن سمعتم صوته، فلا تقسوا قلوبكم” إنها النعمة والاستجابة.
إن كلمة الرب وصلت من أقصاء المسكونة إلى أقصائها، ولكن ليس بنفس التأثير. المسيح دخل بيت مريم ومرثا، ولكن كلا من الأختين كان لها تأثر خاص مخالف لأختها..
السيد المسيح شبه الذين يسمعون كلامه بنوعين: نوع على الصخر، ونوع مبني على الرمل. الاستعداد مختلف فيمن يسمع … ليتنا نعد قلوبنا لاستقبال الرب، واستقبال كلمته.
يوحنا المعمدان سبق مجيء المسيح لكي يعد طريق الرب، ويهيئ للرب شعبًا مستعدًا”، حتى إذا ما سقطت البذار على الأرض، أتت بثمرها في حينه، وأصعدها الرب كمقدارها بنعمته.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد الخامس عشر) 9-4-1976م


