عيد الأم

عيد الأم1
إننا نحتفل بعيد الأم كل عام يوم 21 مارس وهو عيد الربيع.. وبهذه المناسبة أود أن أهنئ جميع الأمهات بهذا العيد، وبخاصة الحاضرات معنا اجتماعنا في هذه الليلة. وأرجو لهن جميعًا حياة سعيدة، مع أولادهن وأحفادهن وأبناء أحفادهن، لأني أرى أمامي الآن بعضًا من كبيرات السن، ليس كلكن طبعًا.
في الحقيقة إن الأمومة غريزة في المرأة، فكل زوجة تحب أن تكون أمًّا، وتحزن إن لم تنجب بنين.
مثال ذلك “حنة” زوجة ألقانة، التي بكت في صلاتها أمام الله، وهي تطلب منه أن يرزقها ابنًا، لكي تنذره لخدمته؛ وقد قَبِلَ الله صلاتها ووهبها صموئيل ففرحت به (1صم1: 10، 11).
كذلك “راحيل” – لما كانت عاقرًا – قالت لزوجها يعقوب أبي الآباء: “هَبْ لِي بَنِينَ وَإلاَّ فَأَنَا أَمُوتُ”(تك1:30).. إلى هذا الحد كانت راحيل تشتاق أن تكون أمًّا، وإلا فالموت أفضل لها!
ونلاحظ أن جدتنا الأولى لم تُدعَ (حواء) إلا بعد أن صارت أمًّا.. دُعِيَت “حَوَّاء، لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ“(تك20:3).. أما قبل ذلك فكانت “تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ”(تك23:2).
والعجيب في مجتمعنا أن الولادة الأولى للمرأة تكون اختبارًا لها! فإن ولدت أنثى يحزن زوجها، ويستاء من ولادتها!
بينما لا ذنب لها في ذلك، حسب رأي غالبية الأطباء، وحسنٌ أن الأم تحتمل غضب الأب وحزنه، وإن أراد أن (يواسيها!)، فإنه يقول لها “ماذا نفعل؟! نرضى بالأمر الواقع!”؛ كما لو كان يندب حظه في هذه الولادة!!
أما لو ولدت ابنًا ذكرًا، فإن الأب يفرح به، وسواء كان المولود ابنًا أو ابنة، فإنه يُنسَب إلى أبيه لا إلى أمه التي تعبت كثيرًا حتى ولدته.. وهكذا نقرأ في سلسلة الأنساب: “إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ…”(مت2:1)، دون ذكر للقديسة سارة التي ولدت إسحاق، ولا للقديسة رفقة التي ولدت يعقوب، على الرغم من طول احتمالهما للعقم حينًا، ثم لأوجاع الحمل والولادة بعد ذلك.
إن الأم هي مثال للعطاء والاحتمال: سواء في فترة الحمل وأوجاعه، أو في ساعة الولادة وآلامها، وما بعد ذلك أيضًا.
إنها تعطي الجنين مكانًا في بطنها، ينمو فيه ويتحرك، بل تعطيه من جسمها أيضًا لكي يتكوَّن: عظامه تتكون من الكالسيوم الموجود في جسدها، ودمه يتكوَّن من دمها، من الحديد الذي فيها، وجسمه يتكوَّن من بروتينها وأنسجتها، وكل جزء من تكوينه يأخذه منها حتى يكتمل.
ولذلك تضعف صحة الأم جدًّا من توالي الإنجاب في فترات متقاربة، وإن كان الجنين يتأثر بحالة دم الأم الذي يعيش فيه ويتغذَّى به، فإنه من الواجب الاهتمام بالأم كل الاهتمام في فترة حملها، فلا نعكر دمها بإثارات أثناء فترة حملها، ولا نرهق أعصابها وهي حامل.. كما يجب الاهتمام بغذائها، لأنها لا تتغذَّى وحدها، وإنما تغذي جنينها معها.
كذلك في فترة الرضاعة هي تعطي من لبنها ليتغذَّى ابنها وينمو، فتحتاج أيضًا إلى غذاء مضاعف وقوي.
ولذلك فإن الكنيسة تعفي المرضِعات من الصوم، والحبالى وبخاصة في الشهور التي يتكوَّن فيها الجنين وينمو.
والأم تظل تعطي طفلها وتحتمله، لفترة طويلة.
هي تعطيه وتحتمله في إرضاعه، وفي الاهتمام بنظافته، وفي تطعيمه ضد الأمراض في كل موعد محدد لذلك، وتحتمل كذلك صراخه وبكاءه وإيقاظه لها إن نامت، في أي وقت يريد.
وإن كبر تحمله على صدرها أو على كتفها زمانًا تختلف مدته، وتحتمل أيضًا أن يحرمها من عملها – إن كانت من النساء العاملات – بل إن حرمها أحيانًا من الذهاب إلى الكنيسة، ويحرجها بصراخه فتضطر إلى الخروج حفاظًا على هدوء الكنيسة. إلا في الكنائس التي توجد فيها Crying Room أو Glass Room لأجل الأطفال الصغار وأمهاتهم.
وتتعب الأم أيضًا في تعليم ابنها المشي، وحتى بعد أن يتعلمه، قد يصر الطفل على القفز إلى كتفها لتحمله.. كما تتعب الأم أيضًا في تعليم ابنها الكلام والنطق.
لهذا كله كانت الولادات المتتابعة المتقاربة عبئًا ثقيلًا على الأم، قد لا تحتمله صحتها ولا أعصابها ولا قدرتها.
مثال ذلك الأم التي تحمل جنينًا في بطنها، وابنًا آخر تحمله على كتفها، وفي نفس الوقت قد تجر ابنًا بيدها!!
لذلك يحسن أن الأم لا تنجب ابنًا إلا كل سنتين ونصف، حتى عندما تلد ابنًا جديدًا، يكون الابن السابق له قد قارب السنتين أو أكثر من سنة ونصف في عمره، حتى يسهل عليها تربيتهما.
نقول هذا لأن الأب غالبًا ما يكون مشغولًا في عمله، وليس لديه وقت لتربية الأطفال، ويقع العبء كله على الأم.
كما أن ترك تربية الأطفال إلى الحضانات أو الشغالات، ليس هو الأسلوب الصحيح أو المثالي في التربية.
قال أحد الآباء: “إن المرأة لا تُدعَى أمًّا بإنجاب البنين، بل بالحري بتربية البنين”.
الأم هي إشبين الطفل يوم عماده، هي التي تحمله وتقدِّمه للعماد، وتتلو نيابة عنه جحد الشيطان والقواعد الأساسية للإيمان. وبكونها إشبينة الطفل، تصير مسؤولة عن العناية به روحيًّا.
الملابس البيضاء التي يلبسها الطفل يوم عماده، رمز للولادة الجديدة التي وُلِدَ بها طاهرًا في المعمودية، والشريط الأحمر الذي يُربَط به (الزنار) رمز لدم المسيح الذي نال به نعمة المعمودية.
فيا ليت كل أم استلمت ابنها من المعمودية طاهرًا بلا خطية، أن تحافظ له على نقاوة حياته وتربيه تربية صالحة.
كنت قد حكيت لكم عن الأمهات القديسات اللائي قدمن للتاريخ أبناء بررة لهم شهرتهم.
وأشير هنا باختصار إلى بعض منهن:
يوكابد التي أنجبت موسي النبي، ومريم النبيه، وهارون رئيس الكهنة. مَن من الأمهات تستطيع أن تنجب ثلاثة بهذه العظمة؟
* أم القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية كبادوكية، التي أنجبت معه أخاه القديس أغريغوريوس أسقف نيصص، وأخاه القديس بطرس أسقف سبسطية، وأختهما القديسة ماكرينا مرشدتهم الروحية..
* ونحن في مصر نذكر الأم دولاجي في اسنا، والأم رفقة في سنباط، والأم يوليطة في طهطا.
* والقديس بولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس أسقف أفسس “أتذكر الإيمان العديم
الرياء الذي فيك. الذي سكن أولاً في جدتك لوئيس وأمك أفنيكي” (2تي5:1) أي أخذ إيمانه منهما.
قد تعتمد الأم في تربية ابنها على مدارس الأحد.. هذا من جهة التعليم العام، ولكني كنت أقول عن ذلك للأم:
إن كان طفلك يقضي في مدارس الأحد ساعة واحدة كل أسبوع، فهو يقضي معك 167 ساعة الباقية من الأسبوع.
فهو يأخذ منك بالأكثر، فما الذي تحكينه له من قصص القديسين ومن قصص الكتاب؟ وما الذي تُحفِظينه له من الآيات ومن التراتيل؟ وما الذي تُعَوِدينه إياه من تفاصيل الحياة الروحية؟
عليكِ واجب حياله في طفولته المبكرة قبل دخوله المدرسة، وفي طفولته المتأخرة في السنوات الأولى من المدرسة، ثم في فترات صباه أيضًا وشبابه، وإن ضَلَّ في تلك الفترة، فتذكري قصة القديسة مونيكا التي ظلت تبكي على ابنها أوغسطين، حتى قال لها القديس أمبروسيوس أسقف ميلان: “إن ابن هذه الدموع لا يهلك”.
حقًّا إن كانت كل الأمهات يهتممن بأبنائهن روحيًّا كما ينبغي، إذًا لكانت الكنيسة تمتلئ بالقديسين.
وفي تحيتنا للأمهات في عيدهن، نذكر الأمهات الراهبات.
فالراهبة ندعوها (تماڤ) Tamau أي أمي.
فالراهبات أمهات من الناحية الروحية، وقد وردت قصص عنهن في بستان الرهبان، ولعل من أشهرهن “الأم سارة” التي كان يسترشد بها بعض رهبان الإسقيط، ويكشفون لها أفكارهم.
وكذلك من المشهورات بين الراهبات “الأم سڤرنيكي”.
لا ننسَى أيضًا الأمهات إذا ترمَّلن.
فالأم إذا ترمَّلت بوفاة زوجها، يصير العبء كله في تربية الأبناء واقعًا عليها وحدها، وبخاصة أولئك الأمهات الأرامل اللائي يكرِّسن كل وقتهن وجهدهن لتربية أولادهن والعناية بهم.
وفي تحيتنا للأمهات في عيد الأم، يحسن أن نذكر وصايا الله في الكتاب المقدس الخاصة بإكرام الأب والأم.
الوصايا العشر كُتِبَت في لوحين: اللوح الأول يشمل الوصايا الأربع الأولى الخاصة بعلاقة البشر بالله، واللوح الثاني يشمل باقي الوصايا وهي خاصة بالعلاقات البشرية. وأولها (الوصية الخامسة) تقول: “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِتَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ”(خر12:20).
والقديس بولس الرسول يذكر هذه الوصية في (أف6: 1 – 3). ويقول إنها: “أول وصية بوعد” أي مصحوبة بمكافأة.
ومن الناحية السلبية، ما أكثر العقوبات على من لا يحترمهما. فيقول الكتاب: “مَلعُونٌ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ”(تث16:27). وأيضًا “مَنْ يَشْتِمُ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا”(مر10:7).
وفي سفر اللاويين بنفس المعنى: “كُلُّ إِنْسَانٍ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. قَدْ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ”(لا9:20).
ويقول الكتاب أيضًا: “اَلْعَيْنُ الْمُسْتَهْزِئَةُ بِأَبِيهَا وَالْمُحْتَقِرَةُ إِطَاعَةَ أُمِّهَا تُقَوِّرُهَا غِرْبَانُ الْوَادِي وَتَأْكُلُهَا فِرَاخُ النَّسْرِ”(أم17:30).
وكانت شريعة موسى تقول: “إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ ابْنٌ مُعَانِدٌ وَمَارِدٌ لا يَسْمَعُ لِقَوْلِ أَبِيهِ وَلا لِقَوْلِ أُمِّهِ وَيُؤَدِّبَانِهِ فَلا يَسْمَعُ لهُمَا” عقوبته أن “يَرْجُمُهُ جَمِيعُ رِجَالِ مَدِينَتِهِ بِحِجَارَةٍ حَتَّى يَمُوتَ. فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ بَيْنِكُمْ وَيَسْمَعُ كُلُّ إِسْرَائِيل وَيَخَافُونَ”(تث21: 18، 21).
على أن كلمة (أم) يمكن أن تُؤخَذ بالمعنى الرمزي غير الأم بالجسد، فتطلق كلمة الأم على المعمودية التي يولد منها المؤمن ولادة جديدة.
والكنيسة من الناحية الروحية هي أمنا جميعًا، فكلنا مثلًا أبناء الكنيسة القبطية، كما قال القديس أغناطيوس الأنطاكي: “لا يستطيع أن يدعو الله أبًا، إلا مَن يدعو الكنيسة له أمًّا”.
والقديس بولس الرسول يقول: “يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ”(غلا19:4).
وأبناؤنا في الكلية الإكليريكية، كانوا يعتبرون الكلية الإكليريكية هي أمهم، ويحتفلون بها في عيد الأم، باعتبارها أمهم في العلم. وكذلك يفعل أبناء إحدى الجامعات أو الكليات أو المدارس.
ولنا أم أخرى هي الوطن.. والذين في المهجر يعتبرون أن مصر هي الوطن الأم، وأن الكنيسة في مصر هي الكنيسة الأم.
ولجميع المسيحيين أم روحية، هي القديسة العذراء مريم.
والسيد المسيح له المجد – وهو على الصليب – اهتم بأمه العذراء، وحَوَّلَها إلى تلميذه الحبيب يوحنا ليعتني بها، قائلًا له: “هُوَذَا أُمُّكَ”(يو27:19). فإن كانت أمًّا لهذا الرسول، تكون أمًّا لنا جمعيًا.
ولا ننسَى أن الأب الكاهن – وهو خارج بالبخور من المذبح – يعطي البخور لأيقونة العذراء في الناحية البحرية من الهيكل، وهو يقول لها: “نعطيك السلام مع جبرائيل الملاك قائلين: السلام لك أيتها الممتلئة نعمة”.. “السلام لك أيتها الحمامة الحسناء التي ولدت لنا الله الكلمة”، “السلام لك أيتها الملكة الحقيقية، السلام لفخر جنسنا التي ولدت لنا عمانوئيل”.
كل ذلك تمجيد للقديسة العذراء كأم.. ونحن نذكرها في القداس الإلهي في مجمع القديسين، فنقول: “وبالأكثر القديسة المملوءة مجدًا، العذراء كل حين، والدة الإله القديسة الطاهرة مريم، التي ولدت الله الكلمة بالحقيقة”.
كذلك نحن نكرم أم الأم، ومَن في مستوى الأم.
كما تحدث القديس بولس الرسول عن لوئيس جدة تلميذه تيموثاوس (2تي5:1). وكما قال في رسالته إلى رومية: “سَلِّمُوا عَلَى رُوفُسَ الْمُخْتَارِ فِي الرَّبِّ وَعَلَى أُمِّهِ أُمِّي”(رو13:16). فاعتبر أن أم تلميذه هي أم له.. إنه درس لكل الآباء الكهنة في معاملة السيدات الكبار في السن.. وبنفس المعنى يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: “لاَ تَزْجُرْ شَيْخًا بَلْ عِظْهُ كَأَبٍ… وَالْعَجَائِزَ كَأُمَّهَاتٍ”(1تي5: 1، 2).
وهناك أم أخرى يجب إكرامها واحترامها، وهي الحماة.
فأم الزوجة تعتبر أمًّا للزوج، وكذلك أم الزوج تعتبر أمًّا للزوجة، ويسمونها في اللغة الإنجليزية Mother in Law أي أمًّا حسب الشريعة. ولعل أبرز مثال لذلك معاملة راعوث لحماتها نُعمَى.. إذ قالت لها: “لاَ تُلِحِّي عَلَيَّ أَنْ أَتْرُكَكِ وَأَرْجِعَ عَنْكِ، لأَنَّهُ حَيْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ وَحَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلَهُكِ إِلَهِي. حَيْثُمَا مُتِّ أَمُوتُ”(را1: 16، 17).
ملاحظة ملفتة للأنظار، أقولها في موضوع الأم وهي:
إن الله كما دُعِيَ الأب السماوي، كذلك شبَّه نفسه بالأم.
فقال إنه حتى لو نسيت الأم رضيعها، فإنه لا ينسانا (إش15:49). وقال: “كَإِنْسَانٍ تُعَزِّيهِ أُمُّهُ هَكَذَا أُعَزِّيكُمْ أَنَا”.. وقال في ذلك: “عَلَى الأَيْدِي تُحْمَلُونَ وَعَلَى الرُّكْبَتَيْنِ تُدَلَّلُونَ”(إش66: 12، 13).
وشبَّه نفسه حتى بالأم في الطيور، فقال لأورشليم: “كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا وَلَمْ تُرِيدُوا”(مت37:23).
نقطة أخرى جديرة بالملاحظة: قيل عن السيد المسيح إنه كان في صباه خاضعًا لأمه (لو51:2). هذا الذي يخضع له الملائكة ورؤساء الملائكة والشاروبيم والسارافيم، كان خاضعًا لأمه! إنه درسٌ لنا.
وهنا نسأل كيف يكرم الإنسان أباه وأمه؟
يكرمهما أولًا بالطاعة والخضوع.. كما يكرمهما بالنجاح في حياته.
وكما يقول الكتاب: “الاِبْنُ الْحَكِيمُ يَسُرُّ أَبَاهُ وَالاِبْنُ الْجَاهِلُ حُزْنُ أُمِّهِ”(أم1:10). بل هو خزي لأمه أيضًا.
تفرح الأم بابنها الناجح، وتفتخر بابنها الممتاز، وتخزى بسبب ابنها الفاشل.
كذلك من إكرام الوالدين: عدم إغضابهما بزواج لا يرضيان عليه.
كذلك قيل عن عيسو (ابن إسحاق ورفقة) إنه لما تزوج باثنتين من الحيثيات إنهما: “كَانَتَا مَرَارَةَ نَفْسٍ لإِسْحَاقَ وَرِفْقَةَ”(تك35:26). لذلك حينما يتزوج الابن، يحرص في اختيار زوجته أنها لا تكون مرارة نفس لأمه، بل تكون مثل راعوث مع نُعمَى.
وفي إكرام الوالدين، يجب أن يعترف الابن بجميلهما عليه.
يعترف بفضلهما عليه في كل شيء: في تكوينه، وفي تربيته، وفي تعليمه، وفي الاهتمام بصحته، وفي رعايته من كل ناحية، وفي حمايته، حتى قَدَّماه أخيرًا هدية للمجتمع كعضو نافع فيه.
وبقدر الإمكان يهتم بهما وبإعالتهما في كبرهما.
فهما يحتاجان إلى معونته حينما يبلغان سن الشيخوخة، ويحتاجان إلى مَن يعتني بهما من كل ناحية.
نقول ذلك لانتشار بيوت المسنين حاليًا، فالأبناء يكبرون ويتزوجون، ويسكنون في بيوت مستقلة عن والديهم، وبعضهم يعمل في بلاد بعيدة، وبعضهم يهاجر خارج الوطن، ويجد الوالدان نفساهما وحيدين، وفي سن تحتاج إلى الرعاية والعناية.. وحسنًا ما فعلته الكنيسة في إنشاء بيوت للمسنين، تقوم مقام الأبناء في العناية بالأم وبالأب في سن الشيخوخة.
آخر ما أختم به هذه المحاضرة، هو المحبة للوالدين من كل القلب.
فنتيجة لهذه المحبة، تكون الطاعة، والاحترام، والخضوع، والإكرام، والعناية، وإرضاء الوالدين من كل ناحية.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الواحد والثلاثون – العددان 13، 14 (4-4-2003م)



