حياة يشوع 2

تكلمنا في العدد الماضي عن سر قوة يشوع النبي، وتتابع اليوم تأملاتنا في حياة يشوع، وفي قصة أريحا وراحاب الزانية:
حياة يشوع1
واجب سلبي، وواجب إيجابي:
الإنسان في الحياة الروحية عليه واجبان: أحدهما سلبي، والآخر إيجابي.
أما الواجب السلبي فهو الخروج من عبودية فرعون…
الخروج من عبودية الخطية ومن أسرها وسلبها. ويشير إلى ذلك الهروب من عبودية فرعون.
لابد من عمل إيجابي، وهو الدخول إلى أفراح الله، الدخول إلى الأرض المقدسة، إلى الحياة مع الرب…
أي لا يكفي أن تترك الخطية، وإنما يجب أن تتمتع بخيرات كنعان.
وكانت وظيفة يشوع هي الدخول إلى خيرات كنعان، التي ترمز إلى التمتع بالرب والعشرة معه، التمتع بعشرة الله، بالفرح والمحبة والسلام وباقي ثمار الروح القدس.
الحياة الروحية ليست مجرد سلبيات:
لات قتل، لا تسرق، لاتزن، لا تشته ما لقريبك… كل هذه أعمال الناموس، كما كتبها موسى في الشريعة.
لكن يشوع يذكرنا بالعمل الإيجابي، بالدخول إلى الأرض. مثل إنسان تاب، ترك الخطايا، وبقي عليه أن يذوق حلاوة الرب وعشرته. لا تكفيه التوبة، تعوزه المتعة الروحية…
كثيرون يعيشون في البرية، لا هم في عبودية فرعون، ولا هم في تنعمات كنعان. هم تائهون في القفر. لا يعيشون في الخطية، ولا في العشرة الإلهية. يعوزهم إنسان كيشوع (الذي تفسير اسمه “مخلص”) على اسم الرب يسوع مخلصنا، لينقلهم من عبودية الشيطان إلى أفراح أولاد الله.
الحكمة إلى جوار المواعيد:
على الرغم من أن يشوع كان قد أخذ وعودً من الله، وكان لابد أن الله سيدفع أعداءه إلى يديه، وينجح خططه كلها، إلا أنه مع ذلك سار بنظام سليم في طريق حكيم، بخطوات مرتبة، لكي يصل إلى غرضه.
ان وعود الله ليست لونا من التواكل، وهي لا تمنع أن نسلك بحكمة وترتيب، والكتاب يقول “ليكن كل شيء بلياقة وحسب ترتيب”. فلا نعتمد على الإيمان وحده، دون ان نعمل العمل المفروض علينا عمله.
لذلك فإن يشوع أرسل أولًا رجلين لكي يختبرا الأرض ويرفعا إليه تقريراً عنها… وجمع الشعب وألقى عليه الإرشادات والتوصيات اللازمة قبل البدء العمل. ولم يكتف بهذا، وإنما قدس الشعب أيضًا لكي يدخلوا مقدسين، ولكي لا يكون في جيش الله خطية أو نجاسة، حتى لا يهلك الشعب كله بسبب نجاسة البعض. وحتى في عبور الأردن سلك بكل حكمة وترتيب.
القديسة راحاب الزانية:
أما الرجلان اللذان أرسلهما، فدخلا بيت راحاب الزانية.
وفي الواقع أن راحاب الزانية هي أشهر شخصية يقدمها لنا الكتاب في قصة أريحا، في مستهل الدخول إلى كنعان…
لم يذكر الكتاب اسم ملك أريحا، ولا اسم قائد الجيش، ولا أحد من عظماء المدينة، ولا الكهنة الذين كانوا فيها. وإنما ذكر شخصية واحدة عظيمة هي راحاب…!
راحاب الزانية قدمها لنا الكتاب كأقوى شخصية في البلد، ليس عند الناس بل عند الله…
عندما تفتح سجلات الله في اليوم الأخير، عندما تقرأ اسماء المكتوبين في سفر الحياة، عندئذ سنرى عجباً…
ان الله له مقاييس أخرى، غير مقاييس الناس. ربما كانت راحاب محتقرة عند الناس، ولكنها كانت عند الله ممجدة وكريمة.
عندما دخل يشوع إلى أريحا، كان البيت الوحيد الذي خلص، هو بيت راحاب الزانية، البيت الذي كان يتدلى منه الحبل القرمزي رمزاً إلى دم السيد المسيح ورمزاً للخلاص…
من كان يفكر أن البيت الوحيد الذي يخلص هو بيت راحاب الزانية؟! ربما كان البعض يظنون أن يشوع عندما يدخل أريحا، سيحرق راحاب وبيتها بالنار، ولا يبقي عليها ولا على هذا البيت، لكي يطهر المدينة من النجاسة الموجودة فيها…! لكن حدث العكس تمامًا..
بيت راحاب هو البيت الوحيد الذي خلص… لم يقف الأمر عند هذا، وإنما كل من لجأ إلى هذا البيت خلص أيضًا.
أخذت وعدًا بخلاصها، وخلاص أبيها وأمها وأهلها وأصدقائها ومعارفها، وكل من يلجأون معها إلى هذا البيت…
بل لا أبالغ إذا قلت إن بيت راحاب الزانية كان شبيهًا بفلك نوح في تلك المدينة.. كل من يدخله يخلص…!!
ما هذا الجبروت؟! لقد صارت راحاب شفيعة، شفيعة في كل من خلص على يديها من الناس. كانت سبب خلاص لكثيرين، وسبب بركة، ونالت المواعيد.
بل أكثر من هذا، إن راحاب صارت جدة للسيد المسيح.
أتى المسيح من نسلها. وقد أوردها متى في سلسلة الأنساب، إذ ولدت بوعز أحد أجداد داود… ولعل البعض يتعجب كيف يأتي المسيح من نسل هذه المرأة، فنقول له:
إن المسيح أخذ طبيعتنا الفاسدة، لكي يقدسها، ويقدم لنا طبيعة طاهرة نقية. فولد من نسل راحاب، ومن نسل امرأة أوريا أيضًا. وامرأة أوريا كانت قد أخطأت هى أيضًا…
لكن ليس المهم في الخطأ، إنما في التوبة. كثيرون اخطأوا، لكنهم لما تابوا صاروا أبيض من الثلج.
رحاب تمثل الذين أتوا إلى الرب في الساعة الحادية عشر، واختطفوا الملكوت مثل اللص اليمين.
كانت لراحاب صفات ممتازة… ويصورها لنا الكتاب كشخصية قيادية.
دخل الرجلان إلى بيتها، فتولت قيادة الموقف، وتولت عملية التخطيط، وصارت هي قائدة الميدان، تدبر، وتلقي الأوامر وتنظم.
الرجلان اللذان أرسلهما يشوع، لا شك أنهما كانا في منتهى الكفاءة. لكنهما في يدي راحاب كانا كطفلين تحت إرشادها. تأمرهما فيطيعان، ولا يتصرفان إلا حسب مشورتها.
حقا ان راحاب كانت من قبل زانية ولكنها قابلت الرجلين في منتهى الحشمة والوقار، لم يخطئ إليها أحد منهما، ولم تخطئ هي إلى أيهما، بل على العكس تحدثت إليهما حديثًا مملوءًا بالإيمان، مفعمًا بالثقة بعمل الله. وتصرفت بحكمة عميقة.
كان لها إيمان لم يكن موجودًا في أريحا كلها.
لا تظنوا أن الفضائل وقف على أولاد الله فقط، فكثير من الناس الأشرار ليسوا شرًا خالصًا، وإنما قد يجد الله فيهم بعض النقط البيضاء المضيئة، فيتعهدها بالعناية والاهتمام، وينميها، فيخلصون.
كثير من الزانيات والزواني كانت لهم عاطفة قوية ولكنها منحرفة نحو الحب الجسدي، فلما توجهت نحو الحب الروحي، والحب الإلهي صارت طاقة عجيبة في عالم الروح.
نفس العاطفة، بكل قوتها، تحولت من حب العالم إلى حب الله.
وإذا بهؤلاء الزواني بعد تغيرهم، تحولوا ليس فقط إلى تائبين وإنما إلى قديسين عظام ومرشدين لكثيرين…
من أمثلة هؤلاء القديسة مريم القبطية تحولت من زانية إلى تائبة، ثم إلى راهبة، ثم إلى سائحة قديسة تبارك منها القديس زوسيما القس، ووصلت إلى درجات عالية من النسك والعبادة ومحبة الله لم يصل إليها الآلاف والملايين.
نفس الوضع يمكن أن نقوله بالنسبة للقديسة بيلاجية، والقديس أوغسطينوس…
أوغسطينوس كان أيضًا إنسانًا عاطفيًا مفعمًا بالحب والحساسية والرقة، وكل هذه المواهب كانت منحرفة نحو الفساد، فعدل الله مسارها وتحول الشاب الفاسد إلى قديس عميق ورجل تأمل من الطراز الأول، ونبعًا صافيًا من ينابيع الروحيات..
إن الله لا ييأس من أحد، ويمكن أن يستخدم كل الطاقات الكبيرة المنحرفة، بأن يحول انحرافها إلى العكس.
وهكذا كانت راحاب، كانت تؤمن بالله وعمل الله..
وقد سمعت من قبل عن معجزات الله، فتأثرت في عمق. كانت تؤمن أن أسوار أريحا لا يمكن أن تقف أمام عمل الله وقوته. بل كانت ترى انتصار الله رؤية العين. وتطالب من الرجلين بعد أن يسيرا في موكب نصرته أن يذكراها وبيت أبيها.
وهنا نجد أنها – إلى جوار الإيمان – كانت لها فضيلة إكرام الوالدين. فلم تشأ أن تخلص وحدها وتترك والديها…
وكانت ذكية وذات حيلة، تستطيع أن تدبر الأمر في مهارة. إن أولاد العالم لهم أيضًا مواهبهم بمبدأ تكافؤ الفرص. وهذه المواقف عندما يتسلمها الله، ويوجهها بنفسه، وعندما يلمسها الروح القدس، تكون حينئذ وزنات في يد الله يعمل بها لأجل ملكوته…
وكانت راحاب من النوع الذي يستفيد من الأحداث المحيطة.
لقد سمعت أخبار المعجزات، فاتعظت واستفادت. سمعت عن الأحداث فشغلت قلبها معها، واتخذتها سببًا للتوبة…
كثيرون رأوا معجزات ظهور العذراء ولم يتوبوا حتى الآن.
اليهود عرفوا معجزة منح البصر للمولود أعمى فلم يستفيدوا، وقالوا للرجل “ألا تعرف أن الذي شفاك رجل خاطئ”؟! وفي ذلك قال أبو الآباء إبراهيم عن أسرة الرجل الغنى الذي في الجحيم ((وإن قام واحد من الموتى لا يصدقون)) … أما راحاب فكانت من النوع الذي يستفيد ويتعظ…
وكانت راحاب من النوع الذي يقيم عهدا مع الرب، ويجعل للعهد علامات. ولذلك كان حبلها القرمزي رمزا…
لقد رأت الخلاص قريبًا، فانتهزت الفرصة، ودخلت في عهد واتفاق. وقامت بدورها في هذا العهد على أكمل وجه، وعرضت نفسها للموت. ولكنها كانت تبحث عن الخلاص، وتتمسك به، وتدبر أمر مستقبلها وتعمل من أجل مصيرها…
ان الله لم ينظر إلى ماضي راحاب الملوث بالخطية، إنما نظر إلى حاضرها المؤمن وإلى سعيها نحو الخلاص، فقبلها إليه. أما خطاياها السابقة، فقد ذابت في لجة رحمته…
إنها درس كبير في التوبة والخلاص. وفي قبول الله للخطاة، وفي تغير الحياة وتجديدها. لقد استيقظت راحاب أخيرًا. ورآها الله في يقظتها، فبسط عليها بهاءة.
كان الله على موعد مع قلب راحاب تلك الليلة.
كان واقفًا على الباب يقرع. وقد فتحت له القديسة التائبة.
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السادسة (العدد السادس) 7-2-1975م


