إليكم يا أولادي الجزء الثاني

| الكتاب | إليكم يا أولادي الجزء الثاني |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، مارس 2019م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 9907/ 2018 |
طُرس البركة لقداسة البابا تواضروس الثاني
وإن مات فهو يتكلم بعد..
غزارة المعرفة وعمقها في حياة المتنيح قداسة البابا شنوده الثالث جعلته يترك لنا تُراثًا
ورغم أنه نُشر أكثر من 150 كتابًا بأحجام متنوعة وفي موضوعات عديدة تغطي مساحات كبيرة من المعارف المسيحية الروحية والكنسية والآبائية، والتي تُرجمت معظمها إلى العديد من اللغات، حتى صار اسمه معروفًا عالميًا أنه "مُعلم الأجيال".. إلا أنه ما زال يوجد الكثير مما لم يُنشر بعد. وننشر لكم بعضًا من ذلك التُراث الخالد والذي لم يُنشر من قبل..
ونقدم لكم كتاب:
إليكم يا أولادي – الجزء الثاني
وسوف تجد عزيزي القارئ متعة خاصة وأنت تستمع لصوت قداسته عبر الصفحات وبعد رحيله.. يُعلِّمنا ويروينا من فيض معرفته وروحياته وخبراته العميقة.
تقديري ومحبتي لكل من ساهم في إخراج هذه الكتب إلى النور.. خاصة مركز "معلِّم الأجيال لحفظ ونشر تُراث البابا شنوده الثالث" في كنيسة السيدة العذراء مريم بالزيتون بالقاهرة.
نفَّعنا الله ببركة صلواته لأجلنا كنيسةً وشعبًا وضعفي. ونعمته تشملنا جميعًا..
البابا تواضروس الثاني
بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ 118
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
حياة الشكر
حياة الشكر
إن حياة الشكر مرتبطة بأمور أخرى تسبقها وتندمج معها.. فحياة الشكر تلزمها حياة الإيمان بالله في صفات معينة بدونها لا يمكن أن نصل إلى حياة الشكر. فلا بد أن تؤمن أولاً أن الله صانعٌ للخيرات، وثانيًا أنه محبٌ للبشر. فالله لا بد أن يصنع خيرًا - لا يستطيع أن يصنع إلا الخير- وهو باستمرار يصنع خيرًا معك ومع باقي الناس..
ولا بد أن تؤمن ثالثًا أن الله قادرٌ على كلِّ شيء، هو يحبك ويريد أن يصنع معك خيرًا، وهو قادر على صنع الخير.. هذه الصفات الثلاث تجعلك تثق بأن الله يصنع دائمًا خيرًا.
وهنا تُقابلنا مشكلة، وهي أن الله مع أنه يصنع الخير، إلا أنه أعطى حرية للناس، والناس قد يصنعون شرًا.. فربما يأتيك الشر من الناس فاعلي الإثم وليس من الله. وهنا لا بد أن تؤمن رابعًا أنه توجد صفة أخرى لله تضعها إلى جوار هذا فتستريح وهي صفة الله كضابط للكل، يراقب كل أحد.. فالحرية التي أعطاها للناس لا تعني أنه تخلَّى عن إدارته للكون، وترك كل إنسان يفعل كما يريد. إنما الله يعطي الحرية ويرقب ويقود ويلاحظ كل شيء، ويغيِّر ما يحتاج إلى تغيير، ويمنع ما يراه ضارًا.. هو ضابط الكل.
هذه الصفة تريحك من جهة حرية الناس وحرية الشياطين وأيضًا حريتك الشخصية.. لأن الشر الذي يأتيك ربما يكون صادرًا عن حرية الناس الأشرار أو عن حريتك الشخصية التي بها تضر ذاتك، أو عن محاربة الشياطين.. والله ضابط الكل يتدخَّل في كل هذه الأمور وينفِّذ مشيئته الصالحة الطوباوية.
فالله لا يمنح الحرية مطلقة.. وإلاّ هلك العالم. حتى الشياطين الأشرار الذين هم بطبيعتهم الملائكية الروحية لهم قوة تفوق الطبيعة، إلا أنهم ليسوا أحرارًا فيما يعملون.. ففي قصة أيوب مثلاً نلاحظ أن الشيطان كانت حريته محدودة. كان يقترح أمورًا، والله يسمح له أو لا يسمح، ويضع له حدودًا وقيودًا معيَّنة.. قال له أولاً: "هوذا كل ما له في يدك، وإنما إليه لا تمد يدك" (أي 1: 12).
وفي المرة الثانية سمح أن يمد يده إلى جسد أيوب دون عقله أو نفسه.. حتى الشيطان، يحدد له الله عمله ويقيِّده ولا يترك له الحرية المطلقة.. فلهذا اِطمئن، لأن الله صانع الخيرات، محب البشر، ضابط الكل، يرعاك ويهتم بك ولا يسمح أن يأتيك ما يضرك. وإن آمنت بهذا لا بد أن تشكره على عنايته.
_____________________
الشر وصانع الخيرات
وهل نشكر الله على الشرور التي يسمح بها؟!.. طبعًا نشكره، نحن نشكر الله على كل حال ومن أجل كل حال وفي كل حال. اشكر الله الذي يستطيع أن يحوِّل الشر إلى خير.. بعين الإيمان انظر إلى هذه المتاعب في ضوء تدخل الله وتحويله لها إلى الخير..
وإليك المثل: يوسف الصديق، فعل به إخوته شرًا، باعوه كعبد.. ولكن الله الذي يُخرج من الجافي حلاوةً استطاع أن يحوِّل هذا الشر إلى خير. لذلك قال يوسف لأخوته أخيرًا: "أنتم قصدتم لي شرًا، أما الله فقصد به خيرًا" (تك 50: 20).
امرأة فوطيفار الشريرة أرادت بيوسف شرًا، ولفَّقت له تهمة كاذبة ألقت به في السجن.. ومع ذلك فالله حوَّل هذا الشر إلى خير بالنسبة ليوسف شخصيًا ولأرض مصر وللعالم كله..! هذا لأن يوسف كان سبب بركة لمصر في المجاعة وللعالم المحيط بها الذي انتفع من تدبير يوسف لها.
فلو آمنت بالله أنه يحوِّل الشر إلى خير ستعيش في حياة شكرٍ كاملٍ، على كل ما يحل بك.
لذلك لا تتعب أبدًا.. إن كان الذي يحدث لك خيرًا في ذاته، فسيصلك هذا الخير. وإن كان شرًا، فإن ضابط الكل سيقابله في الطريق ويحوِّله إلى خير ليصلك خيرًا.
الصبر وحياة الشكر
إننا بحياة الإيمان نرتاح ونشكر الله على كل أعماله الصالحة معنا. وإلى جوار هذا لا بد أن تكون صبورًا وطويل الأناة.
لأن هناك أعمالاً تتحوَّل إلى خير في مدى زمني طويل يحتاج منك صبرًا. ففي قصة يوسف الصديق بيعه كعبد لم يتحوَّل إلى خير في نفس السنة. إلقاؤه في السجن لم يتحوَّل إلى خير في نفس السنة..
ولكن بالمدى الزمني وبمرور الوقت رأينا الخير الذي نتج عن ذلك. فعليك أن تكون طويل الأناة واثقًا في حكمة الله ورحمته وتدخله في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.
_____________________
الأهواء الشخصية وحياة الشكر
من الأمور المهمة في شعور الإنسان بالخير والشر وما يترتب عليه من شكر أو تذمُّر؛ رغباتنا الداخلية ونوع تقييمنا للأمور..
كتب القديس يوحنا ذهبي الفم مقالاً جميلاً عنوانه "لا يستطيع أحد أن يضر إنسانًا ما لم يضر هذا الإنسان نفسه".. بدون فهم هذا الموضوع لا نستطيع الوصول إلى حياة الشكر. ما الذي يستطيع إنسان - أو حتى شيطان - أن يضُرك به..؟
لو كنت أنت إنسانًا قديسًا، صالحًا، بارًا، تحب الله.. سيكون لك هدف واحد فقط هو الالتصاق بالله ورغبتك هي فقط في ملكوت السموات. وهذا لا يستطيع أحد أن يضُرك فيه. أما إذا جعلت لنفسك أهدافًا ورغباتً أخرى أضفتها إلى الله، فهذه هي التي تضُرك.
قلبك من الداخل - المحب لهذه الرغبات - هو الذي يضُرك وليس الناس. قد يستطيع أحد أن يأخذ منك مالاً، فإذا كنت لا تهتم بالمال في كثرته أو قِلته فلا تُضَر. قد يستطيع أحد أن يزُجَ بكَ في السجنِ، فإذا كنت لا تهتم إلا بحرية ضميرك وفكرك وقلبك في علاقتك مع الله، ولا تهتم بالمكان الذي تعيش فيه ولا بالحالة الأرضية، عند ذلك سوف لا تشعر بضرر.
فبولس الرسول كان في أعماق السجن وكان يرتِّل بفرح.. ماذا يصنع بك الناس من الخارج؟ أيقتلونك؟ وماذا يضُرك؟ هذا إن كان لا هدف لك سوى الحياة مع المسيح؟!
الشهداء عُذِّبوا وقُتِلوا، ولم يشعروا أنهم قد أصيبوا بضرر، لأن الضرر الوحيد هو الانفصال عن الله وهذا يتعلَّق بالقلب من الداخل وليس بالناس.. يوسف الصديق صار عبدًا ولم يتعب، لأن الحرية لم تكن هي هدفه، كذلك السجن لم يفصله عن الله.. الضرر الوحيد هو انفصالك عن الله، وهو لا يأتي إلاّ بانحراف إرادتك الشخصية نحو الشر، وتكون أنت الذي آذيت نفسك وليس إنسان آخر.
التجارب وحياة الشكر
قد يفقد الناس حياة الشكر عندما يقعون في أحزان ومتاعب متنوِّعة. أما رجال الله القديسون الذين لا تُتعبهم كل هذه الأمور، ولا يُتعبهم إلا الانفصال عن الله، فكل ضيقات العالم لا تُتعبهم. هم يعيشون في شكرٍ دائمٍ في كل حال، في الفقر وفي الغنى، في السعةِ وفي الضيقِ، في المرضِ وفي الصحة، في الموت وفي الحياة.. دائمًا يشكرون لأن الهدف الوحيد وهو الالتصاق بالله، لم يفقدوه في كل هذه الحالات. لذلك هم فرِحون متهلِّلون شاكرون..
لو ضاع مني كل شيء وبقي لي الله وحده، فأنا معي كل شيء. لأن الله هو الكل في الكل، فما الذي يحزنني؟
يقول بولس الرسول: "لذلك أُسَرُّ بالضعفات" (2كو 12: 10) لماذا؟ لأن الضيقات تقربني إلى الله أكثر، وتجلب أكاليل أكثر.. فما الذي يُحزنني؟ أشكر الله على كل حال.. في الصحة وفي المرض.. ولماذا أشكر الله في المرض؟ لأنه ليس شرًا في ذاته.
لعازر المسكين المذكور في قصة "الغني ولعازر"؛ كان مُثقلاً بالأمراض، وكانت عنده قروح كثيرة والكلاب تلحس هذه القروح.. لكن هذا كله لم يكن شرًا في ذاته ولم يفصله عن الله، بل على العكس كان للفائدة. فعندما اتكأ في أحضان إبراهيم، قُدِّم عنه تقريرًا أنه استوفى بلاياه على الأرض لذلك هو يتعزَّى (لو 16: 25) هكذا فلتشكر الله في المرض لأنك قد تستوفي به البلايا وتأخذ نصيب لعازر المسكين.
لا نعلم ما نصلي لأجله
قال القديس باسيليوس الكبير: "وإن كنت مريضًا لا تطلب من الله الصحة، لأنك لا تعرف ما هو المفيد لك؛ الصحة أم المرض". طبعًا نحن بضعفنا البشري نطلب الصحة لكننا لا نعرف روحيًا ما هو المفيد.. ربما يتعبني المرض على الأرض لكنه يضمن لي ملكوت السموات إذا كان استغلالي له حسنًا.
من المعروف عن المهاتما غاندي أنه كان يكره الطب والمستشفيات، لا نريد مناقشة الرأي كله وإنما نعرض فقط وجهة نظر غاندي في المستشفيات إنها تعطي الإنسان صحة جسدية ربما يغضب بها الله.. وربما ينهمك بها في الشر ويخسر الله! ولذلك كان غاندي يهتم بالعلاج الروحي والنفسي أكثر من العلاج الجسدي. ما معنى أن شابًا مريضًا يُعطَى صحة يستغلها في الزنى والفسق؟! ما معنى أن إنسانًا شريرًا يُعطَى صحة يستغلها في الظلم والسرقة والفساد! هل كانت هذه الصحة للفائدة أم للضرر؟ فالمهم إذًا الصحة الروحية..
حُكي في بستان الرهبان عن أحد الرجال الأثرياء والنبلاء أن كانت له ابنة وحيدة مريضة مشرفة على الموت، فطلب من أحد الآباء القديسين أن يُصلِّي من أجلها لتُشفى. فحاول القديس أن يعتذر بشتَّى الطرق، ولكن الرجل ألح عليه، فصلى القديس وعاشت الفتاة. إلا أنها سلكت في سيرة شريرة أضاعت بها كرامة أبيها، لدرجة أنه عاد إلى القديس وقال له: "صلِّ لكي يأخذ الله الفتاة".. فأجابه: "أنت طلبت مشيئتك الخاصة"!
نحن لا نعرف يا إخوتي ما هو المفيد لنا. ومع ذلك كثيرًا ما نطلب الصحة، ولا يكون طلبنا هذا خاطئًا، ولكن لو تمسَّكنا به نخطئ. بولس الرسول أُعطيَ شوكة في الجسد لئلا يرتفع من فرط الإعلانات. وقد طلب إلى الله أن يفارقه هذا المرض إذ قال: "تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني" (2 كو 12: 8). ولكنه لم يستجب! رفض الله صلاة بولس الرسول قائلا: "تكفيك نعمتي" (2كو9:12) فالمرض كان صالحًا له.
_____________________
الإرادة البشرية والتدبير الإلهي
إن مشكلتنا في حياة الشكر هي أننا نريد أن ندبِّر أمورنا بعقليتنا وطريقتنا الخاصة، فإذا لم نُعطَ طلباتنا نغضب. وقد لا نغضب ولكن أيضًا لا نشكر وهناك فرق بين إنسان شاكر وبين إنسان غاضب. فإذا شكرنا الله فمعنى ذلك أننا نرى الخير في كل عمل الرب معنا.
وإذا كان الله يقول في كتابه المقدس: "من يعرف أن يعمل حسنًا ولا يعمل، فذلك خطية له" (يع 4: 17). فبالحري - يعمل هو الخير إذ باستطاعته أن يعمله - وبالضرورة لا بد أن أؤمن بأن الله يصنع خيرًا معي وهو فعلاً يصنع ذلك.
ولماذا إذًا تنتابني أتعاب؟! كل ذلك بسبب إرادتي أنا المنحرفة. لأن الله يصنع دائمًا معي خيرًا، لكنه لا يرى من الخير أنه يسلبني هذه الإرادة التي بها أضر نفسي أحيانًا. أما هو فينبغي أن أشكره في كل حين.. إن كانت حالتي سيئة، فكان ممكنًا أن تكون أسوأ لو تخلَّت عني نعمة الله. الله يصنع معي خيرًا، ولكنني لا أصنع خيرًا مع نفسي. فينبغي أن أشكر الله وألوم نفسي.. ولنطرق بعض نواحي تفصيلية.
لماذا أشكر الله...!!
لعل من أجمل القطع الروحية التي سمعتها وقرأتها في حياتي في نواحي الشكر هي القطعة الموجودة في القداس "الغريغوري" وأولها "قدوس قدوس أنت أيها الرب وقدوس في كل شيء"، التي يبدأ فيها الكاهن نيابة عن الشعب في شكر الله على كل شيء إذ يقول: "خلقتني إنسانًا كمحب للبشر ولم تكن أنت محتاجًا إلى عبوديتي بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك. من أجل تعطفاتك الجزيلة كونتني إذ لم أكن. أقمت السماء لي سقفًا وثبَّت لي الأرض لأمشي عليها. من أجلي ألجمت البحر. من أجلي أظهرت طبيعة الحيوان. أخضعت كل شيء تحت قدمي. لم تدعني معوزًا شيئًا من أعمال كرامتك.. إلخ". ومن هذه القطعة نستطيع أن نتأمل في عدة أمور تستوجب الشكر.
أُشكر الله لأنه خلقك
من منا يشكر الله لأنه خلقه وأنعم عليه بالوجود؟ توجد أشياء كثيرة ننساها، ليتنا نتذكرها.. هل تشكر الله لأنه أوجدك؟ كان ممكنًا ألاّ تُخلق على الأرض. الله لم يكن مطالبًا بأن يزيد العالم واحدًا! كان ممكنًا أن تكون والدتك عاقرًا ولا تلد بنين، وكثير من النساء عواقر. إن مجرد ولادتك نعمة عظمية من الله إذ يقول في المزمور: "هوذا البنون ميراث من عند الرب" (مز 127: 3)، كان ممكنًا ألاَّ يعطي والداك هذا الميراث، أو أن ينجبا أخوتك فقط ولا ينجباك أنت بالذات..
أُشكر الله لأنه خلقك في اليوم السادس
الله قبل أن يخلقك صنع من أجلك أشياء كثيرة.. نحن نشكر الله ليس لأنه خلقنا فقط، بل أيضًا لأنه خلقنا في اليوم السادس.. لماذا؟ لأنه أعد كل شيء لراحتنا قبل أن يخلقنا. لذلك نقول في القداس: "أقمت السماء لي سقفًا وثبَّت لي الأرض لأمشي عليها. من أجلي ألجمت البحر! من أجلي أظهرت طبيعة الحيوان، أخضعت كل شيء تحت قدمي".
فالله أعد كل شيء قبل أن يخلق الإنسان؛ خلق السماء وزيَّنها بالشمس والقمر والكواكب وخلق النور، خلق الأرض والنبات والحيوان.. خلق الإنسان بعد أن أعد له كل نواحي الراحة، بعد أن ضبط القوانين الطبيعية سواء قوانين الفلك والسماء أو القوانين الأرضية من جهة الأمطار والرياح والحرارة والرطوبة.. إلخ. بعد أن دبَّر كل شيء خلق الإنسان.. أُشكر الله من أجل الطبيعة التي خلقها لك، وأشكره لأنه خلقك، واشكره من أجل المواهب الإنسانية التي أعطاك إياها.. الذكاء والعقل والنطق والمشاعر والحواس.. من أجل كل الأشياء الطبيعية التي كثيرًا ما ننساها عندما نشكر الله.
أُشكره لأنه خلقك مسيحيًا
أُشكر الله أيضًا لأنه جعلك تولد مسيحيًا فإن كثيرين يشتهون هذا الإيمان ولا يجدونه. بل ويتعبون من أجله كثيرًا، ولا يستطيعون الوصول إليه، إذ تقف أمامهم كثير من المشاكل العقائدية والمتاعب والمشاكل الاجتماعية وغير الاجتماعية.. أما أنت فوُجدت في هذا الإيمان وفي هذه العقيدة.. أُشكر الله على هذا.
أُشكره لأنه وهبك الصحة والحواس وجميع الأعضاء
أُشكر الله أيضًا على الصحة التي أنت فيها، من منا يشكر الله لأنه يبصر؟ لكن إذا تعبت عيناك وبدأت تعالجهما، تبدأ في الشعور بنعمة البصر التي لم تشكر الله عليها من قبل. أنا لا أبدأ أشكر الله على رجليَّ التي أسير بهما حسنا إلا بعد أن أبدأ في التعب وأبتدئ أحتاج إلى عصا استند عليها! أنت لم تشكر الله لأن معدتك تهضم الطعام جيدًا، ولكن إذا حدث لها تعب أو نقص في العصارات! أو أُصبت بقرحة في المعدة.. حينذاك تبدأ تشعر أنك كنت في نعمة لم تشكر عليها!
صدق الحكيم في قوله: "الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يعرفه إلاَّ المرضى". نحن لا نحس قيمة الشيء الذي عندنا إلا عندما نفقده، فنندم لأننا لم نشكر عليه.. كثير من الناس يشتهون الوضع الذي أنت فيه ولا يجدونه.. فاشكر الرب.
أُشكره لأنه يعطيك فرصة الحياة من أجل التوبة
أُشكر الله لأنك لا زلت في الحياة.. قال أحد الكتاب كلمة تستحق التسجيل: إن ملايين الملايين من الذين في الجحيم يشتهون ساعة من حياتك أنت على الأرض.. على الأقل يتوبون فيها، يقدمون لله اعترافًا وانسحاقًا ويكسبون ملكوت السموات..
أما أنت فعندك حياة طويلة لا تشكر عليها. ولو حلَّت بك سكتة قلبية تقول: "يا رب دقيقة واحدة فقط أشكرك عليها، دقيقة واحدة أتوب فيها.. لا توجد.. ضاعت الفرصة! وعندما تذهب إلى الجحيم تقول: لو كان أعطاني الله دقيقة أقول فيها عبارة العشار.. ولو أقول عبارة اللص اليمين.. ولو أقدم توبةً"!
ملايين الملايين من الذين في الجحيم يشتهون دقيقة واحدة من عمرك، ولا يجدون. لو أن الله أخذ منك الروح الآن، ألا تشتهي هذه الدقائق، وتتمنَّى لو أعطاك الله نصف ساعة فقط! وتقول: اعترف فيها بكل شيء بالتفصيل حتى بالذي أخجل منه، حتى بما لا يقال، حتى بما يقف على لساني.. أقوله بدون حرج وآخذ عنه حِلاً.. لو أعطاني الله نصف ساعة أتصالح فيها مع من أخاصمهم، وأعتذر لهم، وأقدم لهم مائة ميطانية (سجود) تحت أرجلهم، حتى لو كانوا هم المخطئين.. نصف ساعة يا رب..؟ لا يوجد.. أُغلق الباب!!
لماذا إذًا لا تشكر الله على الحياة التي لك؟ وعلى هذه الساعات التي ما زالت لك في العمر وتستطيع أن تعمل فيها الكثير، وتضمن ملكوت السموات، تتوب وتحيا حياة روحية؟ ألا تشكر الله إلاَّ إذا أنزل لك كنزًا من السماء؟! وما أدراك.. ربما إذا أنزل لك كنزًا من السماء، يكون سببًا في هلاكك وتفقد الملكوت بسببه!
أُشكره لأنه يهيء لك الحياة في بيئة مسيحية
هناك أشياء كثيرة تستحق الشكر، لا نشكر الله عليها.. من منكم يشكر الله لأنه موجود الآن في الكنيسة؟ كثير من الشبان في هذه اللحظة في أماكن اللهو المختلفة وفي خطايا كثيرة، وأنتم موجودون في الكنيسة. فمن منكم يشكر الله؟ لمجرد وجوده، حتى لو كان لا يفهم الكلام أو لا ينسجم منه..
أُشكر الله على هذا. من منا يشكر الله لأنه أوجد له بيئة مسيحية صالحة من أبوين مباركين لم يمنعاه عن طريق الرب؟ وهيأ له بيئة مسيحية من خدام في الكنيسة يعتنون به حتى وصل إلى هذا الوضع من المعرفة الروحية والسلوك الروحي؟..
توجد أشياء كثيرة تستلزم الشكر ونحن لا نشكر عليها.
أُشكره لأنه يرعى كل أمور حياتك
يوجد أيضًا عنصر آخر هو إحسانات الله إليك.. الإحسانات الشخصية في حياتك عمومًا وفي حياة أحبائك. كم مرة طلبت من الله طلبًا واستجاب؟ في ضيقات أنقذك منها، في امتحانات أنجحك فيها، في مشاكل وفي قضايا كانت نتيجتها في صالحك، في أمراض شفاك منها، في خطايا لم تُكشف أمام الناس..
أريد أن أذكِّركم بمثل بسيط.. في سنة 1947م كان مرض الكوليرا منتشرًا وكان يحصد بالآلاف. وأغلقت كثير من المدن خوفًا من نقل العدوى وكان الرعب حالاً في البلاد.. دخلت مرة إحدى هذه المدن المغلقة بتصريح بعد التطعيم ضد الكوليرا طبعًا، ولم أسمع أحدًا يضحك، ولا يبتسم، ولم يكن يُسمع صوت راديو ولا أغاني.. وكانت المدينة حزينة مكتئبة. وكثيرون صلوا وقالوا: "يا رب لو أنقذتني من الكوليرا، سأبقى مثل مارجرجس، مثل الملاك ميخائيل، مثل الأنبا أنطونيوس أب الرهبان".. وأنقذنا الله من الكوليرا وعشنا إلى الآن، من منا يشكر الله لأنه نجا من الكوليرا؟ راحت ونُسيت وضاعت.
ومن هذا كثير... نحن ننسى إحسانات الله. وعندما ننساها يقل شكرنا وأيضًا تقل محبتنا. لأنك إذا تذكَّرت جميل أحد عليك تحبه. وعندما تنسى هذا الجميل تفقد المحبة.
لذلك من التداريب الجميلة أن يجلس الإنسان إلى نفسه ويعد إحسانات الله إليه.. خذ ورقة طويلة واجلس أُكتب إحسانات الله إليك منذ ولادتك إلى الآن، وإحساناته إلى أحبائك، وعدد الصلوات التي استُجيبت في حياتك، والخيرات التي أتتك بدون صلوات من الله رأسًا.. عِدَّها كلها ثم قف واشكر الله على كل أمر واحدًا فواحدًا.
أُشكره من أجل الفداء العظيم
يوجد أمرٌ أعظم من هذا كله بكثير ولا يقاس إلى جواره آخر، ويحتاج إلى شكر ليلاً ونهارًا.. وهو الخلاص العظيم الذي قُدِّم إلينا على الصليب.. من منَّا يشكر المسيح لأنه صُلِب من أجلنا؟ لأنه تجسَّد من أجلنا وسكب دمه من أجلنا؟ إن حكم الموت الذي وقع على البشرية، ما كان ممكنًا لأحد أن يخلُص منه بدون تجسُّد الابن وبدون صلبه وموته.. فالإنسان أخطأ إلى الله. وكانت خطية غير محدودة لأنها موجَّهة ضد إله غير محدود، وعقوبتها غير محدودة: إن قُدِّمت من أجلها كفَّارة، فلا بد أن تكون كفَّارة غير محدودة. ولا يوجد غير محدود إلا الله.. فكان لا بد أن يتجسَّد الله وأن يموت عنا، والله دفع هذا الثمن..!!
لو فرضنا أن الله لم يدفع هذا الثمن، فماذا تكون النتيجة؟ كلُّنا إلى الهلاك الأبدي، ولكن المسيح أنقذنا جميعًا. من منَّا كل يوم وكل ليلة يذكر صليب المسيح ويشكره لأنه دفع الثمن نيابة عنَّا؟ بدون هذا الثمن ما كان ممكنًا أن تنفع الأعمال الصالحة ولا التوبة ولا أي شيء.. الله فيما نحن خطاة، فيما نحن محكوم علينا بالموت، مات المسيح من أجلنا ونحن فُجَّار. أعطانا خلاصًا لا نستحقه ولم نبذل فيه جهدًا.. خلاصًا مجانيًا على الصليب "متبرَّرين مجانًا بنعمته" (رو 3: 24).. مَن منا يشكر المسيح على هذا؟
لقد وضعت لنا الكنيسة أن نذكر هذا الأمر في مناسبات عديدة حتى لا ننساه.. في كل سنة تقيم لنا أسبوع الآلام، أسبوع البصخة ويوم الجمعة العظيمة بذكرياته الجميلة المؤثِّرة حتى لا ننسى الصليب. فهل يكفي هذا التذكار السنوي؟ لا يكفي، لأننا ننسى.
ماذا تعمل الكنيسة؟ جعلت كل يوم جمعة في الأسبوع صومًا لنتذكر فيه صليب المسيح لئلا ننسى.. فهل يكفي هذا التذكار الأسبوعي؟ لا يكفي أيضًا. جعلت لنا الكنيسة صلاة الساعة السادسة من كل نهار وفيها نقول: "يا من في اليوم السادس وفي وقت الساعة السادسة سُمِّرت على الصليب من أجل الخطية.. إلخ". لا بد أن نتذكَّر هذا الصليب كل يوم لكي نمتلئ بحياة الشكر، وفي كل يوم نشكر الله لأنه أعطانا خلاصًا هذا مقداره.. وإلا نكون غير شاعرين بهذا الخير ولم نفهمه.
أُشكره من أجل عطيته السماوية
من منَّا يشكر الله لأنه أعطانا هذا الكتاب المقدس؟ أليست هذه نعمة تستحق الشكر! عاش العالم في ظلمة الوثنية زمنًا طويلاً لم توجد فيه كلمة خلاص واحدة، والله أرسل لنا الأنبياء وأرسل لنا الرسل وعلَّمونا وأفهمونا، وتركوا لنا هذه الذخيرة العظيمة..
في صلاة القداس الغريغوري يقول الكاهن: "أعطيتني علم معرفتك" ويقول أيضًا: "أرسلت لي الناموس عونًا" نحن نشكر الله من أجل أنبيائه ومن أجل رسله ومن أجل كتابه المقدس ومن أجل هذا التعليم. لو عاش الإنسان حياة الشكر، سيشكر الله على كل شيء..
وأخيرًا شكر بلا حدود
فأنا لا أستطيع مطلقًا أن أحصي إحسانات الله.. أو أن أحصرها، أو أن أعطيك قائمة بها. إنما ذكرت فقط بعض الأمور الجوهرية التي تنير لنا السبيل. أما أنت لو عشت حياة الشكر، تستطيع أن تشكر الله عن كل نَفَس تتنسمه، على كل خطوة تخطوها، على التوبة، على قيامك من سقطتك، على جميع مواهبه لك، على روحه القدوس الذي يعمل فيك، على نعمته التي تفتقدك كلما تسقط وكلما تخطئ، وتفتقدك في حالة قوتك لكي تزيدك قوة وتنميك.. تشكر الله على كل حال، ومن أجل كل حال.
_____________________
حياة الشكر تستلزم الاتضاع
ولكي تشكر جيدًا تحتاج في حياة الشكر إلى الاتضاع والانسحاق. فالشخص المتضع يشعر أنه لا يستحق شيئًا.. لذلك هو يشكر على كل شيء. لو اعتبرت أنك تستحق أشياء كثيرة، لأوصلك هذا إلى حياة التذمر والضجر.. لماذا؟ من أجل الكبرياء وليس من أجل الضيقات الخارجية!
الإنسان في كبريائه يشعر أنه يستحق أشياء كثيرة، يستحق حياة أفضل، فيتذمر على ما هو فيه.. لو كان متضعًا، لشعر أنه لا يستحق شيئًا، فكل ما يُعطى له من الله مهما كان قليلاً يشكر عليه، لأنه لا يستحقه. الرجل الفقير الذي تعطيه مبلغ قليل يشكرك عليه لأنه شاعر أنه لا يستحق، ليس له عليك شيء.. فكل ما تعطي له - حتى كسرة خبز- يشكرك عليها..
فلو كان لك هذا الشعور تقول: "يا رب ليس لي عليك شيء ولا أطالبك بشيء، كل شيء من عندك حسن. القليل حسن لأني لا أستحقه، والكثير حسن لأني لا أستحق حتى القليل" فتعيش في شكر دائم.
يقول القديس مار اسحاق عبارة خطيرة: "الشخص الذي لا يشكر على القليل كاذب هو إن قال إنه يشكر على الكثير، والذي لا يشكر على الدرهم، لا يستطيع أن يشكر على الألف دينار" الشكر عنده غير موجود.. الذي لا يملك الشكر في طبيعته، يتذمر لو أعطيته ألف دينار، ويقول غيري عنده مليون دينار. تقول له: أنت أصبحت وزيرًا، يقول: ولماذا لا أصير رئيس وزراء! لا يوجد شكر بالمرة.
من الذي يشكر؟
الشخص المتضع الذي يشعر أنه لا يستحق شيئًا على الإطلاق. فكل ما يعطى له من الله يشكر عليه، والمتضع لا يشعر فقط أنه لا يستحق شيئًا من الخير؛ بل أكثر من هذا يشعر أنه يستحق عقوبات كثيرة وتأديبات عنيفة..
ولو أعطيت له جميع البلايا يشكر، ويقول: أنا استحق بلايا أكثر من هذه لأني إنسان خاطئ.
إنها لرأفة عظيمة من الله أن يعطيني هذه فقط! مثال لذلك أن مجرمًا ارتكب جرائم مرعبة، وحكم عليه القاضي بالأشغال الشاقة المؤبدة. فصرخ في المحكمة وقال له: أشكرك!! لماذا؟ لأني أستحق الإعدام! يا لك من قاض رحيم وحنون.. إن هذا المجرم شاعر بخطيئته، ويعرف أن جريمته تستحق الإعدام. إنه يذهب إلى المحامي أيضًا ويشد على يده في حرارة، يقول له: "أشكرك يا أستاذ على المجهود الكبير الذي بذلته من أجلي، وجعلتني أصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.. كانت رأسي في المشنقة وأنت أنقذتني..!"
هكذا يكون الإنسان المتضع: كلما تأتيه بلية، يقول: أشكرك يا رب. أشكرك لأنك حنون جدًا وتعطيني عقوبات خفيفة للغاية.. يا لشفقتك العجيبة..! حقًا يا رب، إن يدك عليَّ لا عصاك. قد تعترض وتقول: نفرض أن الله أعطى له ضيقة لا تُحتمل، مرضًا من الأمراض المؤلمة التي لا تُحتمل، فكيف يشكر الله ولا توجد ضيقة أعظم من هذه؟
إنه يجيب: "لا.. هناك توجد البحيرة المتقدة بالنار والكبريت. فإن كنت آخذ عذابات على الأرض لا تُحتمل، فهذا أفضل من العذاب الأبدي الذي لا يُحتمل".. فالإنسان المتضع هو الإنسان الشاكر.
إن حياة الشكر تحتاج إذًا إلى إيمان بالله. وإلى الغرض الواحد، أعني ألاَّ يكون للإنسان هدف سوى محبة الله فقط والالتصاق به، لذلك لا يهتم بأي شيء آخر بل يشكر على كل شيء.
وحياة الشكر تحتاج إلى ذاكرة لا تنسى إحسانات الله..
وتحتاج إلى اتضاع وإلى محبة.. لو كانت بينك وبين الله محبة، تشكره على كل شيء، تشعر أن كل شيء هو من يده المملوءة حنانًا ومن قلبه المملوء محبة.. فتبقى سعيدًا به.
حياة الشكر تصل بالإنسان إلى حياة السلام والفرح، ولا شيء ينزع فرحه منه.
الاتضاع
الاتضاع
إن التواضع من أهم الصفات المسيحية وكذلك أيضًا المحبة، وأية فضيلة من الفضائل مهما كانت، إذا خلت من التواضع لا تكون فضيلة، وإذا خلت من المحبة لا تكون فضيلة، وجميع الفضائل بدون تواضع ومحبة غير مقبولة أمام الله.
والاتضاع بالنسبة للفضائل مثل الخيط الذي يدخل في حبة السبحة، وكل حبة لا تُدخِل فيها الخيط تنفصل عن السبحة، وكما أن الخيط يدخل في كل حبة، كذلك الاتضاع يدخل في كل فضيلة وبدونه لا تصير الفضائل فضائل.
قال السيد المسيح له المجد: "تعلَّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29). كان يستطيع أن يقول تعلَّموا مني الرحمة، التبشير، الحكمة، المعجزات.. أشياء كثيرة لأنه صاحب كل الفضائل، ولكنه قال: "تعلَّموا مني الوداعة والتواضع". الإنسان المتواضع محبوب من جميع الناس ومحبوب من الله أيضًا، والإنسان المتواضع يتضع أمام الله وأمام الناس، وهناك درجة أكبر من هاتين؛ وهي تواضع الإنسان أمام الشياطين.
القديس الأنبا أنطونيوس، إن هذا القديس العظيم وصل إلى درجة التواضع أمام الشياطين، فعندما كانت تأتي الشياطين لمحاربته كان يقول لهم: "أيها الأقوياء، ماذا تريدون مني أنا الضعيف؟".
إنه لم يسمح لنفسه أن يشتم حتى الشياطين بل كان يقول لهم كلام مديح! "أيها الأقوياء، ماذا تريدون مني أنا الضعيف؟ أي شيء هو مقداري حتى تتحايلون في إسقاطي؟ إني كقذارة ووسخ كل شيء، أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم"، وعندما كانت الشياطين تسمع هذه الكلمات المملوءة اتضاعًا، كانوا يحترقون كالدخان.
إن الشيطان يتعب من الاتضاع لأنها الفضيلة التي لا يستطيع مطلقًا أن يتقنها، لأنه سقط بالكبرياء، إذ يقول في إشعياء النبي: "وأنت قلت في قلبك: أصعد فوق مرتفعات السحاب. أصعد إلى السماوات. أرفع كرسيي فوق كواكب الله، أصير مثل العلي، لكنك انحدرت إلى الهاوية" (إش 14: 13-15).
كما أنه أسقط الإنسان الأول أيضًا بالكبرياء، إذ قال لحواء: "بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر" (تك 3: 5) إن حواء اشتهت مجد الإلوهية فتعرَّت من المجد البشري أي المجد الذي كان للإنسان قبل الخطية.
والاتضاع هو الفضيلة الأولى في المسيحية، لذلك فإن السيد المسيح في عظته على الجبل قال: "طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات" (مت 5: 3). والمقصود بالمساكين بالروح؛ هم المتضعون.
وفي إحدى المرات كان القديس الأنبا أنطونيوس سائرًا في الطريق، فأبصر فخاخ الشيطان مبسوطة على الأرض كلها، فارتعب وارتمى على الأرض أمام الله وقال: "يا رب من يفلت منها؟"، فأتاه الصوت من السماء يقول: "المتضعون يفلتون منها".
القديس مكاريوس الكبير
ظهر الشيطان للقديس مكاريوس الكبير وقال له: "ويلاه منك يا مقار أي شيء أنت تفعل وأنا لا أفعل مثله؟ أنت تصوم وأنا لا آكل.. أنت تسهر وأنا لا أنام.. أنت تسكن البراري والقفار وأنا مثلك، ولكن بشيء واحد تغلبني"، فقال له مكاريوس: "بماذا أغلبك؟" قال له: "بالاتضاع وحده تغلبني".
_____________________
أهمية الاتضاع
الاتضاع هو السلاح الذي لا يستطيع الشياطين أن يقاوموه، ولذلك عندما تكبر الإنسان وسقط، وأرد الله أن يخلصه لبس الاتضاع ونزل، اتضع وأخذ صورة العبد صائرًا في شبه الناس.
ما أحسن الكلمات التي قالها مار اسحاق عن الاتضاع: "أريد يا إخوتي أن أتكلم عن الاتضاع ولكني خائف كمن يتكلم على الله، لأن الاتضاع هو حُلَّة اللاهوت، الحُلَّة التي لبسها اللاهوت عندما أتى إلى جنسنا.
وسائل الاتضاع
لقد سمعنا كثيرًا عن الاتضاع، ولكن المهم كيف يكون الإنسان متواضعًا؟ من الوسائل التي يتضع بها الإنسان هي أن ينسى مركزه مهما كان، ويأخذ المتكأ الأخير.
طلب مني طالب إكليريكي رُسِمَ كاهنًا نصيحة فقلت له: "كن ابنًا وسط إخوتك، وأخًا وسط أولادك، أي عند ما تجلس مع إخوتك الكهنة كن ابنًا لهم، انزل درجة. وعندما تجلس وسط أولادك، اعتبرهم إخوتك، ارفع من هو أقل منك، وانخفض أمام الذي يتساوى معك". لأنه عندما ينسى الإنسان مركزه يسير في طريق الاتضاع.
الاتضاع في حياة بعض القديسين
الأنبا باخوميوس
القديس الأنبا باخوميوس أب الشركة الذي كان تحت إمرته حوالي 10 أديرة بكل ما فيها من رهبان. خرج مع بعض تلاميذه للحصاد وكل واحد حمل طعامه وأدواته. وأراد أحد الرهبان أن يحمل لوازم القديس باخوميوس معه ولكنه رفض وقال له: "لا يحدث هذا أبدًا، لا بد أن أحمل لوازمي مثل أي واحد منكم، إذا كان قد قيل عن المسيح أنه شابه إخوته في كل شيء، فكيف أنا الحقير ارتفع فوق إخوتي".
القديس يوأنس القصير
الأنبا يوأنس القمص كان رئيسًا لجميع أديرة برية شيهيت، وكان القمص الوحيد في البرية، وكانت البرية مقسَّمة إلى مناطق كل منطقة لها رئيس قس يرأس العديد من الرهبان، ورئيس القساوسة قمص واحد هو قمص شيهيت أي تحت إمرته رهبان كثيرون جدًا.
وفي إحدى المرات خرج الرهبان إلى الحصاد، وكانوا موزعين العمل بينهم، وكان أحدهم أمامه عمل كثير وشديد وغير قادر على إتمامه، وهناك راهب آخر لا يوجد أمامه إلا عمل خفيف.
فقال الأول لزميله صاحب العمل الخفيف أن يساعده فرفض، فاشتكاه للأنبا يوأنس القصير. فقال الأنبا يوأنس له: "يا ابني ساعد أخوك". فرفض الراهب أن يسمع له وقال له: "إنت مالك، إيه اللي دخَّلك وسطينا، أنت رئيس علينا" وصار يتكلَّم بغير أدب وبصوت مرتفع.
وما كان أسهل على الأنبا يوأنس القصير أن يطرده من الدير، ومن البرية وانتهى أمره. ولكن القديس عندما وجد هذا الشاب قد غضب ضرب له ميطانية وقال له: "اغفر لي، أنا لم أرد مطلقًا أن أُغضبك". فرفض أن يقبل منه الميطانية. فضرب له ميطانية أخرى فرفض قبولها أيضًا، ثم ضرب له ميطانية ثالثة وقال له: "من أجل المسيح اغفر لي، فقد أخطأت إليك".
وذهب الأنبا يوأنس إلى قلايته وحبس نفسه فيها، وأخذ يصوم ثلاثة أيام، ثلاثة أيام؛ أي يأكل كل ثلاثة أيام أكلة واحدة. وكان الذي يمر على قلايته يسمعه وهو يصرخ ويقول: "اغفر لي يا رب لأني أغضبت واحد من خليقتك".
من يستطيع أن يعمل مثل هذا؟!
من ينسى مركزه وسلطانه ورئاسته إلى هذا الحد؟ من يصرخ ويقول: "اغفر لي يا رب لأني أغضبت واحد من خليقتك؟!".
_____________________
القديس بينوفيوس
هو أحد الآباء الذين عاشوا في منطقة البرلس، وقد زاره الأب يوحنا كاسيان وكتب قصته. كان أبًا عظيمًا رئيسًا لدير فيه حوالي 200 أو 300 راهب، وكان شيخًا وقورًا قديسًا يصنع المعجزات والعجائب، وقد نال احترامًا كبيرًا من أهل المنطقة كلها.
وفي إحدى المرات قال في نفسه: "هوذا أنا في العالم أنال كرامات واحترامات من الناس، وأخشى أن يأتي اليوم الأخير ويقول لي الرب أنك استوفيت خيراتك على الأرض". ترك القديس الدير وذهب إلى مكان بعيد في أقصى الصعيد، في أحد أديرة القديس الأنبا باخوميوس بالقرب من إسنا، وكانوا يسمعون عنه ولكنهم لم يعرفوا شكله، وعندما وصل قال لهم: "أريد أن اترهبن". فقالوا له: بعد أن عجزت وأخذت حظك في الدنيا، تريد أن تكون قديسًا في أواخر أيامك!! فقال لهم: "اقبلوني". فقالوا له: "لا تنفع مطلقًا"، وطردوه قائلين: "أنت لا تقدر على جهاد الرهبنة، ولا على الصوم والصلاة والعبادة لأنك عجوز". ولكنه وقف على باب الدير وظل واقفًا لمدة ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب...
وعندما لاحظوا صبره وإصراره قبلوه. وقالوا له: "إننا سنقبلك تحت التجربة"، وسلموه لشاب يعمل في حديقة الدير، وصار هذا الشاب يكلفه بأعباء كثيرة جدًا. وقال القديس في قلبه: "هذه هي حياة التواضع التي أشتاق إليها.. وحياة الطاعة التي كنت أتمناها". وكان يطيع الشاب كما تطيع الأرض من يطأها بقدميه، وكان يحمل السماد ويحضره للشاب ليضعه للنبات.
وأثناء الليل عندما كان ينام الرهبان، كان ينظف دورة المياه ويعمل الأعمال التي يشمئز الرهبان منها كأن يحمل صفائح الزبالة والمياه القذرة... وظل يعمل هكذا في الخفاء وهو مسرورًا ومقتنعًا بأن هذه هي حياة التواضع التي تؤهله للملكوت.
وبعد ثلاث سنوات من الجهاد والعمل الشاق حضر للدير أحد الزوار فلاحظ أن ذلك الفلاح العجوز يشبه بينوفيوس، فأخذ يتأمل فيه ولكنه استبعد أن يكون هو القديس العظيم المحترم ذو الشيبة الصالحة والدرجة الكهنوتية المعظَّمة. وظل ينظر إليه وينصت له وهو يردد المزامير أثناء عمله فتأكد أنه القديس بينوفيوس.. وعندئذ ارتمى الزائر على الأرض عند قدمي الفلاح العجوز، وصار يقبل قدميه.. فاستغرب الواقفون جميعًا من المنظر، ولكنه قال لهم: "أي فلاح، وأي عامل.. إنه القديس بينوفيوس" فأتوا إليه معتذرين عما بدا منهم، وأخذوه بكرامة عظيمة وأرجعوه إلى ديره.
وبعد قضاء فترة في ديره، لم يعجبه الحال واشتاق إلى حياة الاتضاع والبعد عن الرئاسة، فهرب إلى أورشليم، وفي بيت لحم صار يعمل عند القديس يوحنا كاسيان. وتكرر نفس الوضع، إذ أبصره أحد الزوار فقال: "هذا هو القديس بينوفيوس العظيم". فأخذوه بكرامة عظيمة، وأرجعوه إلى ديره ثانيًا.
وعندما حضر يوحنا كاسيان إلى القديس بينوفيوس الذي كان يعمل عنده سأله بعض الأسئلة في الحياة الروحية، وكتب الإجابة عنها ومنها قوله: "الأفضل أن أعيش خاضعًا لغيري... خير من أن أعيش آمرًا غيري، لأن حياة الاتضاع أفضل".
هذه عيِّنة من الذين أبغضوا حياة الكبرياء والنفخة أولئك الذين كانوا ينسون مراكزهم، ويبتعدون عن الرئاسات والمناصب استفادوا من حياة الاتضاع.
_____________________
القديس تادرس
كان القديس تادرس تلميذًا للقديس الأنبا باخوميوس أب الشركة، وكان الساعد الأيمن له، كما كان ناضجًا في الروح منذ صباه لدرجة أن الأنبا باخوميوس كان يعهد إليه بتعليم الشيوخ، وكان مملوءًا من كل حكمة وعمل صالح وكملاك الله.
وفي إحدى المرات مرض الأنبا باخوميوس مرضًا شديدًا وظنوا أنه سيموت، واجتمع الرهبان حوله فوجدوا أنه لم يبق فيه شيء. وقالوا من يخلف الأنبا باخوميوس؟! لا يوجد غير القديس تادرس.. فعرضوا عليه ذلك - أي يقبل الرئاسة بعد موت أبيه - فقال لهم: "أنا راهب صغير لا أستحق لأني ضعيف". وظل يعارض في هذا الأمر ولكنهم ضغطوا عليه فعارض أيضًا، فضغطوا عليه وأخيرًا قبِل، وبعد ما قبِل أن يخلف الأنبا باخوميوس شفي القديس من مرضه وعرف ما حدث. فنادى الأنبا باخوميوس القديس تادرس وقال له: "تعال يا تادرس، ورثت خلاص، ستصبح رئيس، أحببت الرئاسة، حسنًا يا ابني جميع المسئوليات التي تحت يدك تُعفَى منها، سلِّم جميع عهدتك ولا دخل لك بشئون الدير منذ الآن ولا بأي دير آخر، إحبس نفسك في قلايتك ولا تخرج منها".
ودخل القديس قلايته وحبس نفسه فيها لمدة سنتين، وكان يبكي بكّاءً مُرًا لا لأنه أعفى من المسئوليات، ولكن لأنه فقد ثقة أبيه ووقع في هذه الغلطة.
وبعد ذلك قال القديس باخوميوس: "إن تادرس استفاد من هاتين السنتين اللتين ذُلَّت فيهما نفسه أكثر من جميع سنوات الرهبنة". كما قال داود النبي: "خير لي يا رب أنك أذللتني حتى أتعلم وصاياك"(مز 119: 71). فبعدما خرج من قلايته، احتاج أحد الأديرة إلى خباز فانتدبه الأنبا باخوميوس ليكون خبازًا لهذا الدير.
وعند ذهابه إلى الدير ليشتغل فيه خبازًا - وكان هو الذي أسس هذا الدير وعين له رئيسًا وأمينًا للدير- قابله اثنان من الرهبان وكانوا لا يعرفونه فسألوه عن وجهته فأخبرهم بذهابه إلى الدير ليشتغل فيه خبازًا، فنصحوه ألاَّ يندمج مع الخبازين الأردياء فشكر لهم هذه النصيحة، ثم سألوه عن مدة رهبنته فأخبرهم بأنها مدة قليلة.
وذهب القديس تادرس إلى الدير. فارتج الدير كله لحضوره. وخرج رئيس الدير والوكيل والأمين لاستقبال هذا القديس العظيم، لدرجة أن الراهبين اللذين قابلاه أولاً استغربوا وسألوا عن شخصيته، فعرفوا أنه تادرس تلميذ القديس باخوميوس. ومع كل هذا كان تادرس يشتغل بهدوء وصمت مطيعًا لأوامر الموجودين معه، كما كان قدوة صالحة يتعلم منه الناس في سكون.
كان القديسون يتركون المراكز ولا يهمهم الرئاسات، وكانوا يكسبون الناس بالاتضاع أكثر مما يكسبون بالمراكز، كما كانوا يخفون فضائلهم عن الآخرين بكافة الوسائل.
أعرف راهبًا عجيبًا كان يعمل العمل ويتعب فيه تعبًا كثيرًا ويتقنه إتقانًا عظيمًا، ولكي لا يأخذ مديحًا من الناس لأجل تعبه وإتقانه، كان يأتي في نهاية العمل ويشرك شخصًا آخر ليعمل معه ولو شيئًا بسيطًا. وعندما يأتي الناس ليمتدحوه على العمل يقول لهم: "ربنا يبارك في أبونا فلان، هو الذي عمل هذا العمل"، بذلك ينسب المديح إلى غيره.
_____________________
القديس الأنبا لونجينوس
عاش هذا القديس قرب دير الزجاج غرب الإسكندرية، وكانت شهرة قداسته تملأ الأرض كلها، ومع ذلك كان يعيش في بساطةٍ بعيدًا عن المظاهر.
وفي إحدى المرات كان القديس لونجينوس يحتطب (يجمع حطبًا) بجانب الدير، وكانت هناك امرأة مريضة وتعبانه وقالت في نفسها: اذهب إلى القديس لونجينوس لكي يصلي عليَّ، ويدهني بالزيت فأُشفَى. وعند مرورها عليه وكانت لا تعرفه - ولا تظن أن القديس يحتطب كما وجدته رجلاً بسيطًا - فسألته عن القديس فقال لها: "ماذا تريدين منه؟". قالت: "أريد أن يصلّي عليَّ لكي يشفيني الله". فقال لها: "هل تظنين أن هذا المرائي يستطيع بصلاته أن يشفيكي؟". فقالت له: "فماذا أفعل إذًا؟". قال لها: "اذهبي يا ابنتي والله قادر أن يشفيكي. أما لونجينوس فلا يستطيع أن يعمل لك شيئًا".
فشفيت المرأة من لحظتها. ولما رجعت وأخبرت الناس عن قصتها مع الرجل، وكيف قال لها: "الله قادر أن يشفيكي". سألوها عن شكله ومنظره، فشرحت لهم شكل هذا الشخص، فقالوا كلهم: "هو لونجينوس بالذات الذي قال لك ذلك".
إن القديسين كانوا يبعدون كل البعد عن مظاهر العالم ومحبة الناس، ومديح الناس ومجد الناس، مخفين فضائلهم بقدر استطاعتهم.
كان قديسًا جالسًا ليأكل فأتى إليه ضيفًا يسأل عنه، فانكسف تلميذه أن يقول له أنه يأكل، فرد على الضيف أي رد. فقال له القديس: "تعال يا ابني، إذا أتاك أحد يسأل عني، فلا تعطيه جوابًا وعظيًا، بل إن كنت نائمًا فقل له: "إني نائم، إن كنت آكل، قل له: أنني آكل، إن كنت أصلي قل له: إني أصلي".. وكثير من القديسين كانوا يخفون فضائلهم، والبعض كان يتظاهر بالهبل والعبط لكي يخفي فضائله حتى لا يعرفها الناس. كانوا متواضعين وكانت حياتهم كنزًا من الفضائل، ومع ذلك لم يكن أحد يعلم عنهم شيئًا إذ كانوا يخفون هذا الكنز.
قال القديس يوحنا ذهبي الفم: "إذا أظهرت تحفك ومجوهراتك أمام الناس، سيأتي اللصوص لأخذها، لكن إذا خبأتها فلا يستطيع اللص أن يأتي ليأخذها". كذلك الفضائل إذا ظهرت فهي مُعرَّضة للضياع، إذ يخطفها شيطان المجد الباطل.
_____________________
الطاعة والاتضاع
الشخص المتواضع أيضًا يكون مطيعًا ومهاودًا ومريحًا لغيره من الناس، لأنه لا يعتمد كثيرًا على ذكائه الخاص. وبستان الرهبان ملآن بقصص الأشخاص المتواضعين المطيعين.
القديس يوحنا القصير، كان هذا القديس مُطيعًا جدًا لأبيه لدرجة أن أبيه القديس الأنبا ببنوده احتاج في مرة إلى إناء به ماء، وكانت موجودة في مكان بعيد ويوجد فيه ضبعة. فقال لتلميذه: "روح يا يوحنا هات الإناء من المكان الفلاني". فقال له: "يا أبي توجد هناك ضبعة، فماذا أفعل؟". قال له: "إذا وجدت الضبعة أربطها في حبل وأحضرها وقل لها: مُعلِّمي يريد أن تأتي معي". فقال له: "حاضر". فذهب إلى المكان الذي فيه الإناء وظهرت له الضبعة فجرى نحوها وقال لها: "تعالي، مُعلِّمي يقول لك تعالي. فجريت الضبعة منه ولكنه جرى ورائها وقال لها: قفي، مُعلِّمي يأمرني أن آتي بك. ثم أوقفها وربطها في حبل وركب فوقها وذهب بها إلى الدير.. فلما رآه معلمه بهذا الشكل خاف عليه من المجد الباطل، وقال له: أرسلتك لكي تحضر الضبعة، ولكنك أحضرت كلبة.. أطلقها واتركها. فأطلقها، وقال لها: "روحي.. إمشي"!
القديس يوحنا القصير؛ هو أيضًا الذي غرس شجرة الطاعة. لقد أعطى له معلمه عصا وقال له: اذهب إغرسها وإروها. فذهب وغرسها وظل يرويها ثلاث سنوات. ثم نظر الله إلى طاعته، وجعل هذه العصا الخشب تنبت مثلما أنبتت عصا هارون وأخرجت ثمرًا. وسُمِّيت بشجرة الطاعة.
محبة الكرامة والمديح
محبة الكرامة والمديح
المديح شيء ومحبة المديح شيء آخر وقد يُمدَح الإنسان ولا يخطئ، لكنه لو أحب المديح يكون قد أخطأ.
آباؤنا الرسل مُدِحوا، القديسون العظام والشهداء مُدِحوا أيضًا، ولكنهم لم يخطئوا. فليس الخطأ في أن تسمع مديحًا، وإنما الخطأ في أن تحب هذا المديح الذي تسمعه.
هناك نوعان من الناس الذين لا يحبون المديح: أولهما نوع يهرب من المديح الذي يأتي إليه سواء كان مديحًا من الناس أو من الشياطين أو من نفسه. والنوع الثاني يتمادى في الهروب من المديح والكرامة حتى أنه ينسب لنفسه عيوبًا كثيرة، ويُظهِر عن نفسه جهالات ونقائص تحط من قدره، ولو أدى الأمر أن يقال فيه ما ليس فيه.
الذين يحبون المديح درجات في الخطأ
1) من يحب المديح دون أن يسعى إليه
إنسان يأتيه المديح دون أن يسعى إليه، وعندما يأتيه المديح يُسرُّ به ويبتهج. هو لم يسع إليه، لكن بمجرد وصول المديح إليه يُسرُّ به. وهذا الصنف على أنواع:
أ- إنسان يُسر بالمديح ويسمعه في صمت وهو جالسًا صامتًا ومسرورًا في داخله دون أن يحس به أحد.
ب- وهناك إنسان يحب المديح ويسمعه وهو مسرور، ويتظاهر أنه غير مسرور مع أنه مسرور من الداخل. ويظل يتمنَّع فيزيد الآخر في مديحه، وذلك دون قصد منه أن يعيب في نفسه بل هو في قرارة نفسه يريد سماع كلام حلو.
2) من يشتهي المديح
أصعب من ذلك قليلاً الذي لم يأت إليه المديح. لكنه يشتهي أن يسمعه وفي اشتهائه يسلك في أحد طريقين:
أ- يشتهي المديح ويظل صامتًا حتى يصله، متحايلاً (مفتعلاً) أسبابًا يسمع بها المديح كأن يبدأ موضوعًا معينًا لكي يمدح لعمل عمله في هذا الموضوع، أو يجر الكلام خطوة خطوة حتى يصل إلى النقاط التي يُسر بها ويمدحه الناس بسببها.
ب- إنسان يشتهي المديح ويعمل أعمالاً صالحة أمام الناس لكي يمدحوه.
3) من يكره من لا يمدحه
وهناك إنسان أصعب من ذلك فهو يحب المديح ويشتهيه، لكن المديح لم يأته بعد، رغم انتظاره وتحايله على الأسباب. فيصل إلى درجة أخرى، أنه يكره من لا يمدحه، ويعتبره عدوه، ويكون بينهما سوء تفاهم. نعم إن هذا الإنسان لم يضره، غير أنه لم يمدحه ببعض الكلام الطيب، لم يقابله مقابلة لطيفة، لم يقدم له احترامًا زائدًا، لم يكرمه إكرامًا من نوع خاص. مثل هذا الإنسان الذي يكره من لا يمدحه. وماذا يفعل لمن ينتقده؟! إذا كان يكره الساكت فقط دون أن يمدحه، فكم يكون شعوره من ناحية ناقديه؟!
4) من يظهر فضائله ويخفي خطاياه
هناك نوع آخر يشتهي المديح، ويسر عندما يسمعه، ويكره من لا يمدحه. ولا يكتفي بذلك فهو يمدح نفسه إذا لم يجد أحدًا يمدحه. فيتكلَّم عن أعماله الفاضلة التي عملها وتستحق المديح، كما يخفي خطاياه الشخصية. هذا الإنسان هو الذي يتحدث كثيرًا عن نفسه.
5) من يمدح نفسه بما ليس فيها
هناك نوع أصعب من ذلك الإنسان الذي يمدح نفسه فمديح النفس على درجتين: درجة فيها يمدح الإنسان نفسه بما فيه من فضائل... فيظل يتكلم عن أفعاله المجيدة التي عملها وعن صفاته الفاضلة. والدرجة الثانية فيها يمدح الإنسان نفسه بما ليس فيه فينسب إلى نفسه فضائل غير موجودة عنده، أو يذكر صفات جيدة عنده يظل يبالغ ويكبر فيها، أو أن ينسب عمل غيره إلى نفسه.
مثال ذلك: إذا كنت مشتركًا في عمل حسن فعندما تحكي الموضوع قد لا تقول إنك اشتركت في عمل جيد، ويكون ذلك مديحًا لنفسك فقط. بل قد تزيد قليلاً وتركز كل العمل على نفسك، كأن كل الباقين الذين اشتركوا معك لم يكن لهم وجود ولا مجهود. بل في بعض الأوقات يحدث أكثر من ذلك فأنت تنسب كمية كبيرة من العيوب إلى غيرك وتتهمهم بالتقصير أو الضعف وتخفي حقهم. كأن تقول عن إنسان عن غير حق أنه لم يستطع أن يتكلم. وكان متلعثمًا حتى تضايق الناس منه، ثم تدخلت أنا وقلت الرد الصحيح. معنى ذلك أنك كنت سيد الموقف وغيرك أخطأ. فذلك الإنسان لم يمدح ذاته فقط بل مدح ذاته وشنَّع بالآخرين.
هناك مثل آخر واضح لمحبة المديح وهو لعبة كرة القدم. فإن كان فريق يلعب وهو مُحب للمديح، فإنه سيفشل جميعه لأن كل واحد سيجري بالكرة بمفرده كي يصيب الهدف بنفسه فتضيع منه. ولاعب آخر قد يسير بالكرة وحده، وبجوار المرمى يمرِّر الكرة لأحد زملائه فيكسب الهدف. فيمدح هذا الأخير على الرغم من أنه لم يعمل شيئًا بينما الأول هو الذي عمل كل شيء.
فإذا كان هذا في الروح الرياضية فكم تكون في الناحية الروحية.
وهذا النوع من الناس الذي يمدح ذاته متجاهلاً كل الظروف المحيطة والأشخاص المساعدين وينسب كل شيء إلى نفسه، ويهدم حق الله في هذا العمل فهو ينسى جانب الله، كما ينسى الظروف المساعدة لنجاح العمل، ويركِّز كل شيء على نفسه، ويمدح نفسه بما ليس فيه.
6) مَن يريد أن يُمدحَ هو فقط
وهذا يعتبر أردأ درجة في محبة المديح. إذ قد تصل محبة المديح بالإنسان إلى درجة يحب فيها أن يُمدَح هو وحده، ويغتاظ إذا مُدِح أحد غيره. فهو يريد أن يُمدَح وحده فقط لا أحد غيره. وإذا مُدِح غيره يحسده ويغير منه ويتكلَّم ضده ويحقد عليه.
_____________________
الشرور التي تنتج عن محبة المديح والكرامة
1) الرياء
مُحب المديح يصير إنسانًا مُرائيًا لا يعطي صورة حقيقية عن نفسه. فهو يُخفي النقاط السوداء التي فيه، ويُظهر فقط النقاط البيضاء، وإخفاء النقاط السوداء يتدرَّج فيه إلى نواح كثيرة وكذلك إظهار النقاط البيضاء يتدرج فيه إلى نقاط خطيرة وبهذا يقع في عيوب لا تُحصى.
2) عدم الاحتمال والغضب
ما دام مُحب المديح يخفي عيوبه، فبالتالي لا يقبل أن يوجَّه إليه عيب، فيكون إنسانًا يكره الانتقاد، وإذا انتُقد لا يحتمل. وربما لا يقف فقط عند حد عدم الاحتمال، بل يتطور إلى الغضب والهياج والنرفزة والثورة إلى آخر هذا الطريق. فكيف ينقده شخص، وكيف يقول عنه كلمة سيئة، وكيف يذكر له عيبًا معينًا؟! ويثور ويضج ويتعب من الداخل ومن الخارج، كما يُتعب معه الآخرين أيضًا؛ وكل هذا بسبب محبة المديح والكرامة.
وهنا يجب أن نعلم أن علاج أنواع كثيرة من الغضب، هو ألاَّ يكون الإنسان مُحِبًا للمديح ولا للكرامة. لأن كثيرًا من غضبنا يكون بسبب محبة المديح، إذ لا يحتمل الإنسان كلمة إهانة أو كلمة نقد أو كلمة إساءة.
3) الكراهية
مُحِبُّ المديح يكره من لا يمدحه، وأيضًا يكره من ينتقده، كما يكره من يمدح أمامه غيره.
4) الحسد
محبة المديح والكرامة من الأسباب الأولى الأساسية للحسد. فالحاسد يريد أن يأخذ مركز غيره وهو لا يحب أن يكون غيره أحسن منه.
5) النقد والإدانة والتشنيع والسب للغير
فهو يحب أن يشوِّه عمل الغير، فيكون جميع الناس أردأ منه، وهو فقط الأحسن. إنه يقع في إدانة الآخرين وفي التشهير بهم كما يقع في السب وما إلى ذلك من انتقاص حقوق الآخرين.
وبذلك يخسر محبة الناس، إنه لا يحب أحدًا ولا أحد أيضًا يحبه.
6) محب المديح يحب المتكآت الأولى
يحب العظمة، وهذه المتكآت الأولى يتنازع فيها مع الناس ويدخل في خصومات وفي مشاكل مع الآخرين. من هو الأول ومن هو الرئيس ومن يكون المتسلِّط ومن يكون الظاهر؟ أي إنسان يريد أن يكون هو الظاهر، لابد أن يضعه في الحضيض ويقول عنه إنه رديء.
7) الكذب وعمل مؤامرات ودسائس
لا مانع من كذبة إذا كان الكذب سيوصِّله إلى الارتفاع والظهور. وعمل الدسائس لنزع الظاهرين من طريقه ويبقى هو وحده.
8) اشتهاء موت الآخرين
محبة المديح تؤدي إلى أكثر من هذا، تؤدي إلى أن الإنسان يشتهي موت الآخرين لكي يأخذ مكانهم. فيشتهي دمار الآخرين وضياعهم كي يأخذ مركزهم. كأن يكون وكيلاً في عمل وهناك رئيس فيشتهي وظيفته بأية وسيلة من الوسائل.
فهو يريده أن يخرج من عمله، ويطلب من الرب موته كي يرتقي مكانه، كما يطلب أن يغضب عليه رؤساءه، أو أن تُقال عنه كلمة بطَّالة، كي يُزاح من أمامه فيخلو له المكان. وربما لا يسمح له ضميره أن يضع كلمة في حق هذا الرئيس، ولكنه ينتظر بفارغ الصبر أية كلمة سوء تُقال عليه فيُسر جدًا ويفرح، حتى لو لم يكن منافسه هذا مخطئًا، ولا يبرِّره ولا يدافع عنه مع معرفته عنه أنه غير مخطئ ولا يمكن أن يشهد بالحق الذي في صالحه.
9) كراهية النصح
محبة المديح والكرامة تجعل الإنسان ليس فقط لا يحتمل التأديب والتوبيخ والإهانة، وإنما لا يحتمل كلمة نصح..
فكيف ينصحه آخر؟ هل هذا الآخر أفضل منه، أو يفهم أكثر منه، وهو العارف والعالم والناصح والموجِّه والمرشد!؟ بل قد يزداد الأمر فلا يحتمل إنسانا ينصح آخر أمامه، لأن النصح والإرشاد له فقط، فهذه إهانة لكرامته. ويتضايق ويغضب ولا يعرف أحد سببًا لذلك، فهو يغلي من الداخل. وإذا سُئل عن سبب غضبه، لا يستطيع أن يقول السبب.
وبذلك يكون مشكلة لنفسه ومشكلة للآخرين. وربما إذا سُئل غيره في وجوده، أو احترم الناس غيره في وجوده، لدرجة شعر بها أن الاحترام الذي وُجِّه لغيره كان أكثر مما وُجِّه إليه، يتضايق ويتعب في الداخل ولو لسبب بسيط كأن يدخل إنسان ويسلِّم على غيره باشتياق أكثر أو باحترام أكثر. فهذا الإنسان محب المديح يصبح متعَبًا. فهو لا يحتمل الناس، كما أن الناس أيضًا في هذه الحالة لا يحتملونه.
10) التزعزع
ومحبة المديح والكرامة تجعل الإنسان أيضًا غير ثابت، تجعله في وضع متردِّد لا ثبات له، لا مبدأ له ولا رأي ولا خطة. لماذا؟ لأنه لا يسير على مبدأ وإنما يسير على هدف المديح.. فإن كان هذا الأمر يأتي بمديح يفعله، وإن كان عكسه يأتي بمديح يفعل عكسه.
فهو يتلوَّن مع الناس كيفما كانت صورهم. إنه مع الشخص الوقور؛ وقور ومتزن، ومع الشخص المهذار يكون مهذارًا. وأين الاتزان الماضي والوقار؟ لقد انتهى، فلكل شيء تحت السماء وقت! ومع محب الكلام الكثير يكلمه طول اليوم لكي يُمدَح، ومع مُحب الصمت يصمُت أيضًا لكي يُمدَح. وإذا وجد الحق ودفاعه عنه يعطيه المديح فهو سيدافع عنه. وإذا كان هذا الدفاع سيُغضِب الناس فهو لا يقول الحق لئلا يُغضبهم فيهرب المديح. إنه يريد المديح وكفى، بأية طريقة وبأية وسيلة، ولا مانع من التلوُّن مع الناس كي يصل إلى المديح.
واحد يحب النسك لا يأكل أمامه، وآخر يحب المتعة يقدم له أصنافًا كثيرة على المائدة. يلبس لكل حالة لبسها، ويتخذ لكل إنسان صورة وشكلاً وتصرفًا. أمام إنسان يحب الاتضاع يجلس بوقار في اتضاع ويعمل الأعمال التي يُمدَح فيها كمتضع، ومع المتكبِّر يكون في صورته أيضًا لكي يُمدَح.
هو إنسان ملوَّن لا يثبُت على وضع لكي يأخذ المديح. يعيش في شقاء، في تعاسة، يفقد سلامه الداخلي. يشتاق إلى الكرامة. فإن لم تأته يتعب ويشقى، وإذا أتته يفرح ويسر. يفرح وقتيًا، ويلازمه الشقاء، لأنه مشتاق إلى كرامة أفضل، ويعيش متعَبًا لأن الكرامة الأفضل لم تصله. والموضوع لا ينتهي وشقاؤه يظل معه دائمًا.
محب المديح يقع في الغطرسة والعظمة والكبرياء، وهذه تقوده إلى باقي الشرور. وأخيرًا محب المديح يخسر حياته الروحية خسرانًا تامًا.
فكل الفضائل التي يعملها تتشوَّه تشوُّها كاملاً، إذ يدخلها حب المديح فيفسدها. ولا تصبح له فضيلة على الإطلاق، لأن كل فضيلة عنده تشوَّهت بسبب فساد الهدف والدافع إليها الذي هو محبة المديح.
هذا الإنسان مهما تعب ومهما عمل، يقف أمام الله صفِر اليدين. ولا جزاء له عند الله، لأنه أخذ أجرته على الأرض.
إذ يقول له الرب في اليوم الأخير إنك استوفيت خيراتك في حياتك على الأرض من مديح وكرامة وعظمة، ولا تستحق شيئًا عندي في السماء. ما الذى تستحقه؟ هل تعبت وعملت فضيلة؟ ليس من أجل الرب فعلت الفضيلة بل من أجل المديح، من أجل ذاتك، ومن أجل ارتفاعك، فلا جزاء لك عند الله.
وهكذا يخسر هذا الإنسان السماء أيضًا والملكوت الأبدي والله. وفي نزاعه مع الناس ومحبته للكرامة يخسر الناس أيضًا، لأنهم لا يحبون المتغطرس ولا المتعظم ولا المتلوِّن ولا مُحب المديح، بل يتعرَّض لاحتقارهم وازدرائهم إذا مدح نفسه أمامهم.
قال القديس مار إسحاق: "من سعى وراء الكرامة هربت منه، ومن هرب منها بمعرفة سعت وراءه".
_____________________
كيف ينجو الإنسان من محبة المديح والكرامة؟
أولاً: بإخفاء الفضائل الشخصية والأعمال الحسنة
لكي أهرب من مديح الناس يجب أن أخفي فضائلي وأعمالي الحسنة. وليس معنى ذلك أن لا أعمل شيئًا حسنًا، ولكن لا أعمل أمام الناس بقصد المديح. وإذا كان العمل ضروريًا أمام الناس ولا أستطيع الإخفاء، فيكون على الأقل الهدف ليس هو الناس ولكن العمل في ذاته.
تعرَّض القديس أغسطينوس لهذه المسألة في تفسيره للكتاب المقدس، لقول الكتاب: "احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدَّام الناس لكي ينظروكم، وإلاّ فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السماوات" (مت 6: 1). ويقول في موضع آخر: "فليضيء نوركم هكذا قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذي في السماوات" (مت 5: 16). فهل يوجد تناقض بين القولين؟
يقول القديس أغسطينوس في هذا الموضوع: "ليس هناك تناقض لأن العيب ليس هو أن ينظر الناس أعمالكم الصالحة، لكن العيب أن تعملوا الأعمال الصالحة بقصد أن ينظركم الناس". فينبغي أن تعمل الخير سواء نظرك الناس أو لم ينظروك. لا يكن هدفك أن ينظر الناس إليك، ولا أن يمدحوك. إعمل العمل الصالح لا لكي تتمجَّد أنت بل ليتمجَّد الله، لكي يمجِّدوا أباكم الذي في السموات.
يقول البعض أنهم يعملون الصلاح لكي يكونوا قدوة أمام الآخرين. ولكن لنفهم جيدًا أن للقدوة مواضع؛ فيوجد أشخاص بحُكم وضعهم مفروض عليهم أن يكونوا قدوة، مثل رجال الإكليروس والقادة والمسئولين والرسل والأنبياء، فهؤلاء إن لم يكونوا قدوة سيُعثِرون الآخرين.
أما الإنسان المتضع فإنه لا يضع نفسه قدوة، لأنه لا يرى في نفسه شيئًا يقتدي به الناس. إنه يحاول أن يهرب من مواقف القدوة بحجة أنه خاطئ وبائس، وعلى عكس هذا يُظهِر نقائصه وضعفاته، ومع ذلك قد يصبح قدوة في اتضاعه. لكنه لا يريد ذلك فيبكي أمام الله ويقول: "يا رب أنا مرائي أنت تعرف ما بداخل القبور المُبيَّضة من عظام نتنة. إن كل أعمالي شريرة، أنت سترتني وأخفيت عيوبي عن آخرين، هل أستغل هذا الستر لأصبح قدوة. أنا خاطئ وليس لي عمل صالح".. هذا هو الإنسان المتضع، هذا قد يظهر عيوبه ليهرب من مديح الناس.
أما الذي يريد أن يصير قدوة؛ فلكي يظهر أمام الناس حسنًا، يجوز أن يقع في الكبرياء والرياء. فيجب أن نرضي الله لا الناس، فلا يكون هدفنا أن نكون قدوة حتى ولو صرنا قدوة بترتيب من الله.
هكذا كان الآباء القديسون يتركون تدبير أمر معيَّن في الفضيلة إذا عُرِف ويعملون غيره، إذ كانوا يهربون جدًا من المديح. ولكن ليس معنى هذا أن تترك كل تدبير حسن تسير فيه لئلا تُضَر. فاثبُت في كل تدريب صالح من أجل حياتك الروحية وليس لكي ينظرك الناس.
ثانيًا: بالبعد عن الرئاسات والمناصب
1- لأنها خطرة على الإنسان وخير للحكيم أن يهرب
ولنورد كمثال خبر القديس بينوفيوس الذي عرفنا قصته عندما تكلمنا عن الاتضاع، وكيف عاشه القديسون[1].
فالذي يريد أن يخلُص من مديح الناس والكرامة يجب أن يهرب من الرئاسات والمناصب لأنها لا تخلِّص النفس في اليوم الأخير. فلا تبحث عن الرئاسات والمناصب لأنها تُشعِرك أنك شيء في ذاتك. إذا نجحت فيها دخلك حب المديح والكرامة وإذا فشلت ربما تقع في دينونة كثيرة.
2- أحلام الرئاسة تعب داخلي
كثيرا ما يخلو الإنسان إلى نفسه وفي أحلام اليقظة يتصوَّر أنه في مركز عظيم وأنه يعمل.. ويعمل.. ويعمل.. تدور على ذهنه مشروعات كبيرة وأمور خطيرة ويظن أنه لو أُعطيَّ السلطان سوف يعمل ما لا يستطيع غيره أن يعمله. وهذه تخيُّلات المجد الباطل وكبرياء موجودة في الداخل تُشعِر الإنسان أنه يستطيع الشيء الكثير. وقد يسمح الله أن تُسنَد إلى هذا الإنسان مسئولية فيفشل فيها لكي يعرف مدى ضعفه.
ذهب أحد الشيوخ ليزور راهبًا شابًا في قلايته الخاصة، وعندما هم بقرع الباب سمع صوتًا من الداخل فانتظر قليلاً حتى لا يعطِّل الراهب الشاب فسمعه يعظ من الداخل فانتظره حتى انتهى من العظة وصرف الموعوظين، وقال لهم: امضوا بسلام.
ثم قرع الباب وفتح الراهب الشاب ففوجئ بالشيخ أمامه فخجل وفكر ما عسى أن يقول عنه الشيخ إذا سمعه يعظ بمفرده دون موعوظين في قلايته فقال: إني آسف يا أبانا لئلا تكون قد جئت من زمن وتعطلت على الباب، فابتسم الشيخ وقال له: "جئت يا بُني وأنت تصرف الموعوظين".. وعرف الشيخ أن هذا الراهب محارَب بالمجد الباطل إذ يتصوَّر أنه شماس كبير ممن يعلمون ويعظون الموعوظين.
احذر أن تتخيل أنك رئيس أو قائد أو مشير أو أنك تعمل، ربما يسمح الله بفشلك لكي تشعر بأنك ضعيف، وأنك لا تعرف شيئًا. وربما تصبح رئيسًا، وتقع في الأخطاء التي يقع فيها غيرك.
3- الرئاسات ضارة لغير الناضجين
قال القديس الأنبا أوراسيوس أحد خلفاء الأنبا باخوميوس: "إن الرئاسة مُضرَّة للأشخاص الذين لم ينضجوا" وضرب مثلاً لذلك فقال: "إذا أحضرت لبنة لم تحترق بعد بالنار وألقيتها في الماء تذوب. أما إذا أُحرِقت بالنار فلو ألقيت في الماء تبقى وتشتد". كذلك الشخص الذي يصل إلى محبة الرئاسة قبل أن ينضج - قبلما يُمحَّص بالنار- أي باختبارات الحياة، قبلما يزول منه المجد الباطل، هو معرض للهلاك. كذلك مساكين هم الناس الذين يخضعون لرئيس محب للمجد الباطل فهو يُضيِّع نفسه ويُضيِّع معه الناس من أجل المجد الذي يطلبه منهم.
4- اشتهاء الرئاسة لعمل الخير ضربة يمينية
سُئِل القديس يوحنا الأسيوطي في هذا الموضوع وقالوا له: "هل يليق بالإنسان أن يطلب رتبة وسلطانًا لتقويم المُعْوجين وإبطال الشرور؟". فأجاب: كلا، لأنه إن كان الإنسان وهو بعيد عن الرتبة والسلطان، ينتفخ ويحب العظمة، فكم بالحري يتشامخ ضميره إذا تسلط.. وإن كان وهو بعيد عن الدرجة يريد أن يكون عظيمًا، فماذا عندما يصل إلى الرئاسة والعظمة نفسها؟ لأن الذي لم يعرف الاتضاع وهو في حقارته، فماذا يفعل عندما يكون في عظمته؟ وإن كان منتفخًا وهو بعيد عن المناصب فماذا يعمل عندما يأخذ المناصب؟
وبينما لم يكن لديه سبب للعظمة كان يطيش في ضميره، فكم بالحري يكون عندما ينال سببًا للافتخار؟ فإن كنت لا تشتهي درجة الاتضاع فلا تطلب درجة الرعاية. وإذا لم يكن فيك افتخار فلا تشته درجة الكهنوت لأن الله يعتني بشعبه أكثر منك.. اشته أن تكون خروفًا في رعية المسيح لا راعيًا يُطلب دم رعيته من يديك.. اشته أن تكون حملاً من القطيع يرعاك غيرك، لا أن تكون مسئولاً عن رعية.
إن كنت لا تقدر أن تربح نفسك الآن فكيف تقدر أن تقتني نفوسًا كثيرة؟ اذكر الموت وعاقبة كل أحد، ولا تشته التسلُّط. واذكر أنك مهما كنت اليوم مكرَّمًا بالعظمة، فغدًا ستكون مثل سائر الناس محبوسًا في القبر.. إن كنت في الوقت الذي لم يكن عليك فيه أثقال لم تستطع أن تحمي ذاتك، فكيف تقدر أن تخلِّص شعبًا كبيرًا من شر هذا العالم.. إن كنت الآن بلا مسئوليات كبيرة، ولم تقدر أن تخلص هذه النفس الواحدة التي هي نفسك، فكيف تقدر على نفوس الناس.
منذ سنوات جاءني شاب رُشِّح للكهنوت وسألني عن رأيي فقلت له: يا أخي عندما تصير قسيسًا ماذا ستعمل؟ فأجابني أسعى لأخلِّص النفوس، فقلت له: هل قدرت أن تخلِّص نفسك حتى تستطيع أن تخلِّص الآخرين؟! نفسك التي تعرف عنها كل شيء، تعرف جميع أسرارها وتاريخها كله وضعفاتها وأسباب الضعفات والعيوب التي فيها وأمراضها.. إذا لم تستطع أن تخلِّص هذه النفس المعروفة جدًا لديك، فكيف تقدر على خلاص نفوس الناس الذين تجلس معهم فترات قليلة فلا تعرف إلا القليل جدًا عنهم.. نفسك التي إذا وبَّختها تقبل منك التوبيخ لم تقوَ على تخليصها، فكيف تقدر على تخليص الآخرين الذين لو كانت كلماتك شديدة سيغضبون منك.. نفسك التي تثق بك ومستعدة أن تسمع منك، لست قادرًا عليها، فكيف تعمل مع الناس الذين قد لا يسمعون منك وقد يشُكُّون في كلامك. فاهتم أولاً بخلاص نفسك، لأن تخليص الغير ليس سهلاً.
الإنسان الذي يريد أن يخلِّص نفسه لا يفكِّر أن يصير راعيًا، بل هو يهرب من الرعاية على قدر ما يستطيع.
وإن أمسكه الله بالقوة وصار راعيًا، عند ذلك يطلب منه قوة يعمل بها، لأنه بنفسه لا يستطيع شيئًا..
والذي يثق بقوته ومواهبه وقدرته على أن يخلِّص الآخرين، لا بد أن يكون شخصًا مغرورًا.. فليبعُد الإنسان عن حب الرئاسة حتى ولو كان سببها رغبة خلاص الناس. ففي الحقيقة إن هذه سببها محبة المجد الباطل لا خلاص الناس.
5- الهروب إلى المتكأ الأخير
الإنسان المتضع يبعُد عن الرئاسات والمناصب، ويحب المتكأ الأخير لأنه يشعر أن هذا هو استحقاقه، إذ قال القديسون: "اعتبر نفسك أقل من الكل وآخر الكل لكي تستريح.." وقال القديس برصنوفيوس: "لا تحسب نفسك في شيء من الأمور ولا يحسبك أحد شيئًا، وأنت تتنيَّح (تستريح)".
الإنسان غير المحب للمديح والكرامة يهرب من المناصب والمتكآت الأولى ويشتهي أن يخدم غيره ولا يخدمه أحد.
يشتهي أن يتتلمذ على المرشدين ولا يكون مرشدًا لآخرين. قال الشيخ الروحاني "في أي مكان وُجِدت فيه كن صغير إخوتك وخديمهم".
طلب مني أحد الآباء الكهنة بعد رسامته أن أقول له كلمة أو نصيحة فقلت له: "كن ابنًا وسط إخوتك وأخًا وسط أولادك"، فالذي ينزل درجة يرتفع درجات. وهذا هو الذي يستريح في منصب من المناصب، أما إذا كان يريد أن يتمتع بكل كرامة هذا المنصب ويملأ كرسيه أو ينتفخ، فهذا إنسان مسكين. أما أنت فكن آخر الكل، صغير أخوتك وخديمهم، في كل مكان تحل فيه. وإن كان السيد المسيح قد غسل أرجل التلاميذ وهو المعلِّم والسيد، فهل تبقى أنت رئيسًا على أحد.
6- وإذا كنت رئيسًا
وليس معنى هذا الكلام أن أرفض الرئاسة لو أتت إلى في وضعها الطبيعي. فليس الضرر هو الرئاسة إنما الضرر هو محبة الرئاسة، ليس الضرر أن تبقى رئيسًا، ولكن الضرر هو أن تتسلط على الناس.. هناك إنسان يبقى رئيسًا وصاحب المتكأ الأول وهو شخص متواضع يعامل الناس بمنتهى الرفق لأنه واحد منهم. والرئيس ليس رئيسًا على الأفراد، ولكنه رئيس على العمل فقط.
والرئيس والمرؤوس سواء عند الله، بل ربما تكون للمرؤوس منزلة أكبر. والرئيس الحقيقي هو الذي يشعر بأنه زميل يتفاهم مع مرؤوسيه بالمحبة وبالبساطة، لأن الرئاسة والسلطة تُعطىَ للناس من أجل كرامتهم الشخصية: كالذي يأخذ درجة عليا من الدرجات الكهنوتية إن اعتبر ذلك تكبيرًا لذاته، يكون قد انحرف بالسلطة عن معناها الأصلي كوسيلة تمكن صاحب العمل من إدارة العمل.
يُحكى عن القديس باخوميوس أب الشركة أنه كان يسير مرة مع مجموعة منهم وكل يحمل حاجياته. فتقدم أحد الرهبان ليحمل حاجيات باخوميوس فرفض وقال له: إذا كان المسيح له المجد دعا نفسه أخًا للتلاميذ فهل أستخدمكم أنا في حاجياتي.. لا يصير هذا الأمر أبدًا. من أجل هذا الأديرة الأخرى كائنة بانحلال، لأن كبارهم مستعبدون لصغارهم". وبولس الرسول يقول: "حاجاتي وحاجات الذين معي خدمتها هاتان اليدان" (أع 20: 34).
7- كن رئيسًا على ذاتك أولاً
وقال الشيخ الروحاني وهو ينصح الرهبان الصغار ألاَّ يشتهوا رئاسة مجمع الرهبان: "إن حوربت بهذا الفكر فقل إن مجمعي هو مجمع أفكاري التي أقامني الله رئيسًا عليها لكي أدبر أهل بيتي حسنًا". فكن رئيسًا على أفكارك واحكمها حسنًا، لئلا تطيش شرقًا أو غربًا. كن رئيسًا على حواسك ونظراتك وعلى سمعك، كن رئيسًا على شهوات قلبك واضبطها. وإن تمكنت من أن تكون رئيسًا على نفسك وتضبطها فأنت الشخص الذي تصلُح أن تكون رئيسًا. وإن كنت لم تعرف أن تحكم نفسك ولا لسانك ولا فكرك ولا قلبك من الداخل، فكيف تصلُح أن تكون رئيسًا على غيرك؟! إن لم تكن أمينًا على القليل لا يمكن أن تكون أمينًا على الكثير.
جاء أحد الرهبان إلى القديس تيموثاوس وقال له: "يا أبي إني أرى فكري مع الله دائمًا"، فأجابه: "يا بُني أفضل من هذا أن ترى فكرك تحت كل الخليقة".
ابعد عن الرئاسات والمتكآت الأولى.. احترم الكل، وعامل الكل بلياقة فأية محبة تكون للذين يعاملون من هم أقل منهم باحترام وتوقير.. إنك تقدر أن تحترم الشخص الأكبر منك، وهذا أمر لا فضل لك فيه لأنك مرغم ومضطر أن تحترمه، لكن من يحترم الأقل منه يكون متضعًا..
الذي يحترم الأصغر منه في المنصب أو العلم أو السن أو المقام، ويحفظ حقوقهم ويشعرهم بشخصيتهم، يكون هو الشخص الذي يستحق المحبة من الكل، وليست كرامتك هي أن يخضع الناس لك بحكم القانون أو الاحترام، ولكنها شعور توقير ينبع من القلب وليس من الظاهر فقط.
ثالثًا: باحتقار النفس والاتضاع
إن الإنسان الذي يبعُد عن محبة المديح والكرامة، يحتقر ذاته فلا يسمح لأحد أن يمدحه، ولا يسمح لنفسه أيضًا أن تمتدحه. والذي تمدحه نفسه يجب أن يتذكر خطاياه ويقول كما يقول القديسون: "أنا ما زلت سائرًا في الطريق ولم أصل بعد للنهاية. ومن يدري ربما أضل في الطريق. "من يظن أنه قائم، فلينظر أن لا يسقط" (1كو10: 12) أنا لم أصل بعد.
انظر إلى المستويات التي هي أعلى منك، أما إذا نظرت إلى من هم أقل منك فإنك تتكبر وتتعظم.
لماذا كان أولاد الله متواضعين؟ لأنهم كانوا يعرفون الكمال المطلوب منهم. كانوا يصلون إلى درجات عظيمة في النسك، في الصوم، في الصلاة، في احتقار النفس، في كل شيء، وكانوا قدام أنفسهم ضعفاء ومساكين، لأنهم يعرفون أن هناك درجات أعلى بكثير من حياتهم.
إن مدحتك نفسك.. قل لنفسك:
ماذا فعلت لكي تمدحيني يا نفسي؟ هل لصومك وصلواتك وعمل الوصايا تمدحك نفسك؟ إذا كانت صلاتك عادية فكثيرون يصلون بالمزامير. وإذا كنت تصلي ببعض المزامير، فهناك من يصلون بالمزامير كلها. وإذا كنت تصلي ساعة أو أكثر، فهناك من يسهرون الليل كله. وإذا كنت تصلي الليل كله فهناك من يصلون النهار والليل في صلوات دائمة.
إلي أي درجة وصلت في الصلاة؟ كان القديس أرسانيوس يقف مصليًا عند غروب الشمس وهو ناظر إلى الشرق والشمس وراءه، ويظل قائمًا في الصلاة إلى أن تطلع الشمس أمامه.. هل عملت مثله؟
درب القديس الأنبا مكاريوس الإسكندري نفسه على أن يصلب عقله عدة أيام فلا يمكن أن يمر في عقله أو في فكره شيء غير الله..! إلى أي مدى وصلت أنت؟ فهناك آباء كانوا يقضون أيامًا كثيرة في الصوم بالأسابيع، وأنت ماذا فعلت؟
إلى أي درجة وصلت في الإحسان؟ هل تدفع العشور؟ وماذا تكون العشور، إنها مبدأ يهودي وليست مبدأ مسيحي. طالب الرب اليهودي بدفع العشور، أما عن المسيحيين فقال لهم: "بع كل ما لك وأعط الفقراء" (مر10: 21). فهل بعت كل مالك؟ يقول الكتاب: "بيعوا ما لكم وأعطوا صدقة" (لو 12: 33). هل عملت هكذا؟ وإن بعت فعلاً كل مالك هناك درجة أعظم من هذا: كان أحد القديسيين متناهيًا في الرحمة فباع كل شيء وأعطاه للفقراء. وعندما لم يجد شيئًا آخر ليعطيه، باع نفسه عبدًا وأعطى ثمن نفسه للفقراء.
قارن نفسك بهذه المستويات، فتحتقر نفسك وتتضع من الداخل. إن نظرت لمن هم أقل منك تنتفخ. كالتلميذ الذي ينجح وينال مجموعًا 50%، إن قارن نفسه بالراسبين ينتفخ لأنه ناجح، وإن قارن نفسه بالناجحين بمجموع أكبر يتضاءل في عين نفسه.
كذلك أنت، قارن نفسك بالمستوى الأعلى، فتشعر بأنك ما زلت ضعيفًا ومسكينًا ولم تعمل شيئًا بعد. اعرف أيضًا طبيعتك أنك تراب ورماد وأنك قابل للسقوط حاول أن تنكر ذاتك وأن تخفي فضائلك، فلا تقبل مديح الناس ولا مديح نفسك.
قيل عن اثنين من الشبان الرهبان أنهما دخلا إلى مائدة الدير وكانت في ذلك الحين مقسَّمة إلى موائد للشيوخ وأخرى للشبان؛ فدعا الشيوخ واحدًا منهما فجلس معهم، أما الآخر فذهب إلى مائدة الشبان.
وبعدما خرجوا قال الذي ذهب إلى مائدة الشبان لزميله: كيف تجرأت وأنت شاب أن تجلس مع الشيوخ؟ فأجابه قائلاً: إنني فضَّلت هذا لأنني لو كنت قد جلست على مائدة الشبان لكانوا يمتدحونني لأني أكبرهم وربما قدموني في كل شيء ودعوني لقراءة البركة والصلاة. ولكنني عندما كنت جالسًا على مائدة الشيوخ، كنت أحس بضعفي، وبأني لا أستحق الكلام، وجلست خجولاً مطرقًا طول الوقت.
هذا هو الفهم الحقيقي للنفس والمتكأ الأخير؛ أن يشعر الإنسان في نفسه من الداخل أنه هو فعلاً في المتكأ الأخير. فهناك شخص من أجل اسم الاتضاع قد يختار المتكأ الأخير، والمجد الباطل يقتله. فإذا كنت تريد المتكأ الأخير فعلاً، اجعل قلبك من الداخل في هذا المتكأ، شاعرًا في عمق أعماقك أنك في المتكأ الأخير، حتى ولو أجلسوك في المتكأ الأول، قائلاً لنفسك: إن كل هؤلاء الناس أفضل مني.
إن وقفت تُدرِّس الأطفال في مدارس الأحد، أنظر إليهم أنهم ملائكة أفضل منك، واطلب من الله أن تكون في بساطتهم ونقاوتهم وفي كرامتهم عند الله. كان أحد المدرسين في مدارس الأحد عندما يقع في مشكلة يطلب إلى أطفال فصله أن يصلوا من أجله في ضيقته. وكان يقول: "إني جربت صلاتهم في مشاكل حياتي، وكنت أشعر أنها قوية ولها مفعول كبير أكثر من صلاتي الخاصة".
رابعًا: باحتقار مديح الناس والزهد فيه
الإنسان الزاهد في المديح، يزهد في كل ما يعرفه عنه الناس من خير. فهو لا يريد أن يكون ممدوحًا منهم لأنه يعتبر أن مديح الناس إياه والكرامة التي يقدمونها له هي خسارة. بل هو يريد أن تكون الكرامة الوحيدة التي له عند الله، مرددًا قول السيد المسيح: "مجدًا من الناس لست أقبل" (يو 5: 41) وقوله: "مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو 17: 5) مريدًا أن يُمجَّد من الله وليس من الناس. فما هو المجد الذي كان لك أيها الأخ عند الآب قبل كون العالم، مجدك الحقيقي هو أنك صورة الله ومثاله. مجدك الحقيقي هو في علو شخصيتك من الداخل، وفي نقاوة قلبك، وفي فكرة الله عنك.
أما المجد الذي تأخذه من الناس فهو زائف وربما يكون عن جهل، لأن الذين يمدحونك لا يعرفون حقيقتك وهم يحكمون حسب الظاهر، لا يقرأون أفكارك، ولا يعرفون مشاعرك وإحساساتك الداخلية ولا خطاياك الخفية.
ومديح الناس لا يوصلك إلى ملكوت الله لأن الله فاحص القلوب والكلى، ولا يعتمد في حكمه على أفكار الناس.
وبعض الناس يمدحوا بسبب المجاملة، والبعض بسبب التشجيع، والبعض بسبب أدبهم الخاص، والبعض يمدح لغرض معين في نفسه، والبعض يمدح بسبب التملق. والمسكين الذي يحب المديح يهمه أن يُمدح كيفما كان الأمر، ويلذُّ له أن يصدِّق كل ما يقال فيه من خير، سواء عن حق أو عن باطل.
ومديح الناس يضر الكثيرين ويضلِّلهم. لذلك ينبغي لك أن تصادق من يوبخك ويوجهك. أما إذا مدحك الناس، فتذكر خطاياك ونقائصك، واعترافاتك المتعبة لك، والأخطاء البشعة التي وقعت فيها في حياتك. فعند ذلك يخف ألم المديح.
أخطر نوع من أنواع المديح أن تمدحك نفسك من الداخل. عندما تظن في نفسك أنك كبير وعظيم وحكيم وصالح. تلك هي الكبرياء الموجودة في الداخل، فلا بد أن تعرف أنك إنسان ضعيف، وأن كل ما لك من قوة - إن كنت سائرًا في طريق الله - راجع إلى أن النعمة تسندك في حياتك. ولو تخلَّت عنك النعمة قليلاً، لسقطت في الخطايا التي كنت تنتقد الناس عليها، والتي تظن أنك أقوى منها وأنك لن تقع فيها في يوم من الأيام.
_____________________
للتخلُّص من محبة المديح
من يريد أن يتخلَّص من محبة المديح لا بد أن يشعر بأهمية المستقبل الأبدي، ويهتم به ويجعله الهدف الأساسي لحياته. فلا يبني مجده على الأرض، بل يرفض الكرامة العالية، ويهتم بالكرامة التي منحها له الله عندما وضع عليه إكليل البر، ويكنز خيراته في السماء، لذلك فإن الأبرار كانوا يرفضون كل أنواع الكرامة.
ومن يحتقر المديح يهرب من محبة الرؤى والمناظر. فكثير من الآباء سقطوا برؤى خاطئة من الشياطين، وكان سبب سقوطهم هو محبة الكرامة والمديح، واشتهاء الرؤى والمعجزات والعجائب والمناظر الإلهية. إن بإمكان الشياطين أن يظهروا في هيئة ملائكة نور، بل وفي هيئة المسيح نفسه. فينبغي لمن يحبون الله ألاَّ يهتموا بالمناظر ولا ينخدعوا بها.
ظهر الشيطان مرة لقديس وقال له: أنا جبرائيل جئت إليك، فرد القديس عليه قائلا: لعلك أتيت لآخر، لأني لا أستحق أن يرسل الرب جبرائيل إليَّ. فإن ظهرت لك أمثال هذه الرؤى والمناظر فأرفضها.
كلما كان القديسون يرتفعون في حياتهم الروحية كلما كانت هذه المناظر تتضائل جدًا في نظرهم. يُروَى عن أحد الآباء الكبار الجبابرة في حياة الروح، أنه كان سائرًا في الطريق يصلي وقلبه ممتلئ بمجد الله ونفسه ملتصقة التصاقًا كاملاً به. وفيما هو يصلي وجد ملاكين عن يمينه وعن يساره، فلم يسمح لنفسه أن يلتفت إلى أي منهما، واستمر في صلاته كما هو مردِّدًا في فكره "من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ لا ملائكة ولا رؤساء" (رو 8: 38).
لذلك يقول القديس باخوميوس ومار إسحاق: "إن من يرى خطاياه أفضل من الذي يرى ملائكة". فلا تطلب أنت الرؤى بل أُشعر بأنك لا تستحق. في إحدى المرات سألوا القديس الأنبا باخوميوس وقالوا له: قل لنا عن منظر حسن رأيته فأجابهم: "من كان مثلي خاطئًا لا يُعطَى مناظر. أما إن أردتم منظرًا حسنًا ترونه، فانظروا إلى شخص وديع متواضع فإنكم تبصرون الله فيه. وعن أفضل من هذا المنظر لا تبحثوا".
الإنسان المتكبر المحب للكرامة يشتهي رؤية الملائكة، لكن المتضع يشتهي رؤية خطاياه. إن الرؤى لا تخلِّص نفسك في اليوم الأخير، لكن معرفتك بجهالاتك وبنقائصك تجعلك تخلُص.
ولكي ترفض المديح ينبغي أن تُخفي الأعمال الفاضلة وحكمتك عن الناس، واجعلها تظهر أمام الله فقط. إن كنت تعمل الخير من أجل الله لا من أجل الناس، فماذا يهمك إن كان الناس يرون هذا الخير أو لا يرونه؟!
في إحدى المرات أتى جماعة من الرهبان إلى الأب زينون بسوريا وكشفوا له أخطاء ونقائص لهم؛ فنظر إليهم وقال: "هكذا حال الرهبان المصريين، إن كانت لهم فضيلة يخفونها، وما ليس فيهم من الرذائل ينسبونه إلى أنفسهم".
وفي مرة أخرى كان يعيش في برية شيهيت راهب سوري الأصل. فهذا جاء إلى القديس مكاريوس وقال له: لي سؤال يا أبي، عندما كنت في سوريا كنت أستطيع أن أصوم كثيرًا وأطوي الأيام صومًا. أما الآن في مصر فلا أستطيع أن أكمِّل اليوم صومًا، فلماذا؟ - وحيث أن الأديرة في سوريا كانت في المدن في وسط الناس - رد عليه القديس مكاريوس وقال له: لقد كنت تطوي الأيام صومًا لأنك كنت تتغذَّى على المجد الباطل، الذي هو مديح الناس لك أثناء الصيام والانقطاع عن الطعام. أما في البرية فلا يراك أحد، فلذلك تجوع بسرعة.
ولذلك قال القديسون: "إن الفضائل إذا عُرِفت تبيد وتنتهي". لذلك كانوا يخفون فضائلهم وحكمتهم ومعرفتهم.
في مرة زار ثلاثة أشخاص القديس الأنبا أنطونيوس الكبير وهم القديس العظيم الأنبا يوسف واثنان من الرهبان المبتدئين، فسألهم عن إحدى الآيات. سأل الأول فقال له: "لا أعرف"، وسأل الثاني فقال له أيضًا: "لا أعرف"، وبعد ذلك سأل القديس الأنبا يوسف، ففكر قليلاً وقال له: "لا أعرف". فنظر إليه الأنبا أنطونيوس وقال له: "طوباك يا أنبا يوسف لأنك عرفت الطريق إلى كلمة لا أعرف".
الإنسان الذي يحب المديح يشتهي ألا يعرف الجميع الإجابة لكي يجيب هو وحده. ولكن المحبة "لا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق" (1كو 13: 6). إن كنت تحب أن تظهر للناس معرفتك بهذه الطريقة، فأنت تبني مجدك على ضياع الآخرين وجهل الناس. ولذلك قال القديسون: "إذا وُجِدت وسط الحكماء فانصت ولا تتكلم، وإن سألوك عن شيء فقل لا أعرف".
واجتهد باستمرار أن تُظهِر عيوبك وتخفي فضائلك. فإذا أراد الله أن يُظهرها فلتكن مشيئته، أما أنت فلا تُظهرها على الإطلاق لئلا تأخذ أجرك من الناس
[1] راجع قصة القديس بينوفيوس في هذا الكتاب صــ 41
الجهاد والنعمة
الجهاد والنعمة
إن الاعتدال في الأمور الروحية ينقذ الإنسان من سقطات كثيرة. وعيب الإنسان أنه في بعض الأوقات يتحمَّس لنقطة معينة، ويركِّز فيها كل فكره، وينسى باقي النقاط التي تتعلق بالموضوع، وبهذا يخطئ.
الجهاد والنعمة معًا
كيف يخلُص الإنسان؟ هل بالجهاد وحده أم بالنعمة وحدها؟
لا يمكن للإنسان أن يخلُص بالجهاد وحده، فالسيد المسيح يقول: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو15 :5) فمهما جاهدت ومهما تعبت لا يمكن أن تصل إلى نتيجة بدون معونة من الله. وأيضًا من جهة النعمة: إن الله لا يريدنا أن نكون مستلقين على ظهورنا ويعطينا الملكوت، كما قال يوحنا ذهبي الفم. لذلك فالنعمة لا تفعل شيئًا وحدها، فهي ليست مجالاً للكسل والتهاون والتراخي. فلا تترك نفسك دون أن تعمل شيئًا، وتقول إن النعمة تعمل كل شيء! فهذا معناه أنك تنام ولا تبذل أي جهد وتتهاون في أداء واجباتك ثم تقول إن النعمة هي التي تعمل.
كان يشوع بن نون يقود جيش شعب الله ويحارب، وفي نفس الوقت كان موسى النبي يقف على الجبل رافعًا يديه بالصلاة حتى النصرة. فهل انتصر شعب الله عن طريق جيش يشوع أم عن طريق صلاة موسى؟!
يخطئ من يخص واحدة فقط من الاثنتين. لأن يشوع وحده مهما حارب بدون صلاة موسى – أي بدون معونة الله - لا يمكن أن ينتصر. وصلاة موسى وحدها ليس معناها تشجيع شعب الله أن يتراخى ويتكاسل ويهرب من أمام العدو، ويقول: تكفي صلاة موسى. الجهاد والصلاة كانا سائرين سويًا. هذا يجاهد في الحرب، وذاك يصلي.
_____________________
الجهاد والنعمة متلازمان
هناك عبارة جميلة لو فهمناها لفهمنا كثيرًا عن النعمة والجهاد. تقول البركة الرسولية: محبة الله الآب ونعمة ابنه الوحيد وشركة الروح القدس تكون معكم (2كو13 :14).. فما معنى عبارة "شركة الروح القدس"؟
إنها شركة بين اثنين يعملان سويًا: الروح القدس والإنسان. فالروح القدس يقدر أن ينقذك وينجيك، ولكنه لا يفعل هذا بمفرده، وإنما يريدك أن تشترك معه في تدبير حياتك. تقول كيف هذا؟
إن الروح القدس وحده يكفي: إذن ما الفرق بين الذين خلُصوا والذين لم يخلُصوا.. بين الأبرار والأشرار؟ إذا كان الروح القدس يعمل وحده كل شيء فلماذا يوجد إنسان خاطئ على الأرض؟ لماذا لم يتب هذا الخاطئ ويخلُص؟ لماذا لم يتوِّبه الروح القدس إن كان الروح القدس يعمل وحده كل شيء؟!
إن كان كل شيء بواسطة النعمة وحدها، فلماذا لا تعمل في جميع الناس؟ وبذلك لا يكون هناك خاطئ واحد في العالم، إن مجرد وجود إنسان خاطئ واحد في العالم دليل قوي على أن النعمة لا تعمل وحدها كل شيء..
هل عمل النعمة معناه إلغاء الحرية الشخصية؟
إن الروح القدس يعمل فينا لأجل الخير. وبر الإنسان يأتي نتيجة إرادته بعمل النعمة، نتيجة شركة الروح القدس.. فإرادتك تتحد مع الروح القدس في خلاص نفسك وهذه هي شركة الروح القدس. والإنسان يستطيع بإرادته الحرة أن يوقف عمل الروح القدس فيه. فالكتاب يقول: "لا تطفئوا الروح" (1تس5: 19) ويقول أيضًا: "لا تحزنوا روح الله" (أف4 :30). والنعمة واقفة على الباب تقرع.. "هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي" (رؤ3 :20) فالنعمة تعرض معونتها عليك، وأنت حر تقبل أو لا تقبل.. تعمل أو لا تعمل..
إذا اشتركت مع الروح القدس في العمل، تصل بنعمة الروح القدس إلى كمال القداسة. وإذا رفضت الاشتراك، فالنعمة وحدها لا يمكن أن ترغمك على الخير.
يتطرف كثيرٌ من الناس لدرجة أن كلمة الجهاد الشخصي تبدو كما لو كانت هرطقة، كما لو كانت عملاً ضد الإيمان، وضد معرفة الله. وهذا خطأ. فالنعمة عبارة عن سلاح يمكنك به أن تحارب لو أردت ويمكنك أيضًا أن لا تحارب. فعلى حسب إرادتك واشتغالك بهذا السلاح يكون خلاص نفسك. واحد مثلاً في الحرب أُعطيَ دبابة وقنابل ومدافع وأسلحة وانتصر. فهل النصر راجع إلى الأسلحة وحدها؟ وهل الحرب كلها كانت متوقفة على السلاح فقط؟ كلا، لأن السلاح وحده لا يعمل إذا لم يكن هناك الشخص الذي يعمل بالسلاح. كذلك الانتصارات في الحرب الروحية، هو اشتراك مع نعمة الروح القدس التي هي السلاح.
_____________________
ضرورة الجهاد
كثيرة هي الآيات التي تشرح ضرورة الجهاد.. وكمثال يقول الكتاب: "لذلك نحن أيضًا إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا، لنطرح كل ثقل، والخطية المحيطة بنا بسهولة، ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا" (عب 12: 1). ويقول الرسول هذا ثم يوبخ العبرانيين قائلاً: "لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية" (عب 12: 4).
فالمفروض أن يجاهد الإنسان.. وليس جهادًا عاديًا، إنما جهاد حتى الدم ضد الخطية. ثم إلى متى هذا الجهاد؟ يقول الرب: "الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلُص" (مت 10: 22).
وهنا يعترض الذين يقولون بأهمية النعمة دون الجهاد بالآية القائلة: "ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل لله الذي يرحم" (رو 9: 16). ما معنى هذا؟ هل رحمة الله هي التي تعطينا الخلاص المجاني، وتنقلنا إلى الملكوت، بدون سعي وبدون مشيئة صالحة؟ مستحيل!! هل معنى هذا أن كل إنسان ينام في الخطية كما يريد، ولا يسعى نحو الخير، ولا يريده، يرحمه الله؟ كلا، فإن بولس نفسه الذي كتب هذه الكلمات يقول: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان وأخيرًا قد وضع لي إكليل البر" (2تي 4: 7، 8). وإن الذي قال: "ليس لمن يسعى" قد أكمل السعي، ونال إكليل البر نتيجة لهذا السعي وهذا الجهاد الحسن.
بل إن بولس نفسه يقول أكثر من هذا: "ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون، ولكن واحدًا يأخذ الجعالة؟ هكذا اركضوا لكي تنالوا" (1كو 9: 24).
فكيف نركض والأمر ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى؟!! "وما فائدة أن نركض ونجاهد؟ كفاني أن أجلس كما أنا، وتأتيني النعمة من عند الله وتنقلني إلى الملكوت، دون أن أشاء ودون أن أسعى!!" وهذا لا يكون، إذ أن بولس يكمل ويقول: "وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء. أما أولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفنى، وأما نحن فإكليلاً لا يفنى. إذًا، أنا أركض هكذا.. بل أقمع جسدي وأستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1كو9 :25-27).
فبولس نفسه يركض، بولس الذي كان ممتلئًا من الروح القدس، الذي كانت تعمل فيه النعمة أكثر من الجميع، هل كان محتاجًا أن يركض؟
نعم كان محتاجًا، لكي ينال. بل يقمع جسده ويستعبده حتى لا يصير هو نفسه مرفوضًا. فإن كان بولس الرسول يجاهد، ويخاف أن يرفض، فماذا نفعل نحن؟!
هل يقف الجهاد في وقت ما؟
لا يظن أحد أنه يمكن أن يسلم الإنسان نفسه للنعمة ويؤمن ويخلص وكفى، يقول البعض أنه خلص وانتهى الأمر، فما معنى كلمة "خلص؟" أتعني أن النعمة قد عملت فيه وخلصته وكفى، فهو لا يحتاج للجهاد لأنه قد ضمن السماء في قبضته؟! إن هذا خطأ بلا شك، لأننا نحتاج إلى الجهاد حتى الدم كل أيام الحياة فليس معنى أنك "تجددت وولدت ولادة جديدة" أن ينتهي جهادك، فأنت محتاج أن تقاوم حتى الدم. لأن أناسًا كثيرين بدأوا بداية حسنة، وانتهى بهم الأمر إلى الهلاك.
يحدثنا بولس الرسول عن أشخاص بدأوا بالروح وأكملوا بالجسد (غلا 3: 3). فأين كانت النعمة عندما هلكوا؟ لقد تركتهم لحرية إرادتهم. والرب لا يفرض الخلاص على أحد، ولا يرغمك على الخلاص. إن النعمة لا تمسك حياتك وترسلها إلى ملكوت السموات بالإجبار، لأن الإنسان ليس مُسيَّرًا نحو الخير.
يتحدث بولس الرسول عن ديماس أنه تركه إذ أحب العالم الحاضر (2تي 4: 10). فأين كانت النعمة عندما هلك ديماس؟ كانت موجودة لكنه لم يعمل معها. ويقول بولس في رسالته إلى أهل فيلبي: "لأن كثيرين يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مرارًا، والآن أذكرهم أيضًا باكيًا، وهم أعداء صليب المسيح الذين نهايتهم الهلاك" (في3: 19،18). هؤلاء الأشخاص كانوا أعمدة في الكنيسة، وكانوا من مساعدي بولس الأقوياء، وكانت تعمل فيهم النعمة بقوة، لقد نال هؤلاء الخلاص، ولكنهم فقدوه في الطريق، وفقدوه إلى الأبد، إذ يقول بولس: "إن نهايتهم الهلاك".
إذا ليس كافيًا أن تكون نعمة الله موجودة معنا وإنما لا بد لنا أن نجاهد بكل قوتنا، وحقًا: "ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم" (رو 9: 16). لكن من هم الذين يرحمهم الله؟ إن الله يرحم الذين يشاءون ويسعون. قوة الله هي التي تعطيهم النصرة والغلبة. ولكنهم إذا لم يشاءوا ولم يسعوا يهلكون. لما تكلم بولس في مسألة المتحيِّزين إلى أبلوس، شرح أن المسألة ليست مسألة بولس ولا أبلوس(1كو 3: 5). لأن واحدًا غرس والآخر سقى لكن الله هو الذي ينمي: "إذا ليس الغارس شيئًا ولا الساقي، بل الله الذي ينمي" (1كو3 :7) فلا بد من الغرس ومن الري حتى ينمي الله.
والله الذي ينمي هو الذي يرجع إليه الفضل. ولكن ليس معنى هذا أن نمتنع عن الغرس والسقي.
_____________________
الحرب الروحية
لنتأمل الكتاب المقدس عندما يصف لنا الحروب الروحية في الإصحاح السادس من الرسالة إلى أهل أفسس الذي يقول: "أخيرًا يا إخوتي تقووا في الرب وفي شدة قوته. البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات من أجل ذلك احملوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تقاوموا في اليوم الشرير، وبعد أن تتمموا كل شيء أن تثبتوا فاثبتوا ممنطقين أحقاءكم بالحق، ولابسين درع البر، وحاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام حاملين فوق الكل ترس الإيمان، الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة وخذوا خوذة الخلاص، وسيف الروح الذي هو كلمة الله. مُصلِّين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح، وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة، لأجل جميع القديسين، ولأجلي" (أف 6 :10-19).
هنا مصارعة وهنا حرب روحية، أي أن هنا جهادًا، والسلاح هو سلاح الله؛ هو الإيمان، هو الاعتماد على الرب. لكن ليس معنى ذلك أننا لا نجاهد، فالنعمة هي السلاح، والجهاد هو الحرب.
جاهد إذن، واعتمد على الله في جهادك، والله سوف ينصرك.
ولا تصبح مثل شخص أخذ ترس الإيمان وخوذة الخلاص وسيف الروح ومنطقة الحق ودرع البر ووقف ساكتًا لا يحارب. فكيف ينتصر إن لم يستعمل درع البر وسيف الروح الذي هو كلمة الله؟! إنها حرب وجهاد وقتال وصراع، والأسلحة هي أسلحة الله، ولكن لا بد لك أن تستخدمها وتحارب بها، وإلا فستُهزم. إن الأشخاص الذين ذكرهم بولس باكيًا كانت معهم الأسلحة الروحية، ولكنهم لم يحاربوا ولم يجاهدوا، ومالت نفوسهم نحو الخطية واستسلمت، فهلكوا في خطاياهم.
عندما حارب داود جليات الجبار، كيف انتصر؟.. بقوة الله. قال له: "أنت تأتي إليَّ بسيف وبرمح وبترس، وأنا آتي إليك باسم رب الجنود" (1صم17 :45) فداود انتصر بسيف الله، بقوة الله ومعونته. ولكنه حارب، انتخب له خمسة حجارة ملساء من الوادي، وكان مقلاعه بيده، وتقدم نحو الفلسطيني وأخذ حجرًا من الخمسة ورماه بالمقلاع، وضرب الفلسطيني في جبهته فسقط على وجهه إلى الأرض (1صم17 :40، 49).
فداود حارب.. والله هو الذي نصره لأنه كان من الممكن أن الحصاة لا تأتي في موضع قاتل بالنسبة لجليات فلا يُقتل. لكن الله أعطى قوة، وقُتِل الجبار. لذلك قال بولس: "ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل لله الذي يرحم" (رو 9: 16).
ويقول بولس الرسول أيضًا: "إن كان أحد يجاهد، لا يكلل إن لم يجاهد قانونيًا" (2تي 2 :5) إذا لا بد أن نجاهد جهادًا قانونيًا، وبهذا نخلُص. ويقول بطرس الرسول: "اصحوا واسهروا. لأن إبليس خصمكم كأسد زائر، يجول ملتمسًا من يبتلعه هو. فقاوموه، راسخين في الإيمان" (1 بط 5: 8). أي جاهدوا ضده، وليس بقوتكم بل راسخين في الإيمان، أي قاوموه بنعمة الله. جاهد ولا تعتمد على ذراعك البشرية. جاهد بكل ما أعطيت من قوة، معتمدًا على نعمة الله ومعونته وفعل الروح القدس.
يقول البعض إن الجهاد هو ذراع بشري؛ وملعون من يتكل على ذراع بشر، والحقيقة إن الجهاد يصبح ذراعًا بشريًا، لو اعتمد الشخص على ذاته فقط. لو كان يعتبر أنه بمجرد جهاده فقط يخلص. هنا تقف أمامه الآية القائلة: "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو 15: 5). إن الحرب بدون سلاح لا تصلُح، وهذا ليس معناه أن الحرب لا قيمة لها، بل معناه أننا عندما نحارب بدون سلاح – أي بدون نعمة الله ومعونته - فإننا لا ننتصر.
_____________________
جهاد الرسل والرعاة
وهل الرسل لم يجاهدوا ولم يتعبوا من أجل الإيمان؟ إن بولس الرسول نفسه يقول: "أنا تعبت أكثر منهم جميعهم" (1كو 15 :10). كلهم تعبوا، وبولس تعب أكثر، تعبًا سجَّله في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس (2كو11: 23-33). فإذا كانت المسألة مجرد نعمة، لماذا يتعب بولس؟ وما لزوم الكرازة والوعظ والنصح والتبشير والرعاية والتعب، فالنعمة تعمل كل شيء؟ ولماذا ترعى وتفتقد وتجاهد وتُتعِب ذاتك؟ أليس الله قادرًا أن يتكلم في قلوب الناس ويخلِّصهم وحده؟! وما لزوم الرسل والرعاة والوعّاظ؟! وما لزوم كل جهاد؟ هل هو اعتماد على ذراع بشرية؟! لو كانت النعمة تعمل وحدها كل شيء..
فالكاهن ينام ويصلي ويقول: "أنت يا رب ترعى شعبك. لماذا أجاهد؟ لأنه ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل أنت الذي ترعى الشعب".
والواعظ.. لماذا يعظ؟ يكفيه أن ينام في البيت مستريحًا ويقول: "نعمتك يا رب تتكلم في قلوب الناس وترشدهم وتخلصهم".
وأنت.. لماذا تتعب نفسك في حياتك الخاصة في الصلاة وفي الصوم وفي الجهاد؟ كفاك أن تكون مع النعمة؟ هل ترمي نفسك في الأوساط الشريرة وتقول: النعمة تخلِّصني؟ هل تجلس في مجالس المستهزئين وتسير في طريق الخطاة وتقول: النعمة لا تجعلني أتأثر بهم؟! ولماذا يقول الكتاب: "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار، وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس؟!" (مز 1: 1) أليس لأن هذه الأشياء كافية بأن تبعده عن النعمة؟
الإيمان والأعمال
إن مسألة الجهاد والنعمة يدخل فيها مبدأ بروتستانتي خطير فمارتن لوثر يقول: "كن زانيًا، كن قاتلاً، كن فاجرًا، كن فاسقًا، لكن آمن فقط بالذي يبرر الفاجر وأنت تخلُص". هذا الكلام صعب فالمسيح رفض الذين عن اليسار إذ قال لهم: "لأني جعت فلم تطعموني. عطشت فلم تسقوني. كنت غريبًا فلم تأووني. عريانًا فلم تكسوني. مريضًا ومحبوسًا فلم تزوروني" (مت25 :42، 43). إذًا من لا يعمل لن يخلُص.. ويقول الرب أيضًا: "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب، يا رب! أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة، فحينئذ أُصرِّح لهم: إني لم أعرفكم قط! اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (مت 7: 22 ،23). والعذارى الجاهلات قلن له: "يا سيد، يا سيد، افتح لنا" (مت 25 :11) إذ قد كن يؤمِنَّ به، ولكنه لم يفتح لهن بل طردهن قائلاً: "الحق أقول لكن: إني ما أعرفكن" (مت 25 :12).
فكيف هذا؟ ألا يكفي الإيمان وحده؟ كلا فإن "الإيمان بدون أعمال ميت" (يع2: 26). والكتاب يقول أيضًا: "اصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة" (مت3 :8). ما كان أسهل أن يقول: "فلتصنع النعمة فيكم ثمارًا".. إن الثمار تتكون فعلاً بتدخل عمل النعمة. ولكن الرب لكي يثبت عمل الإنسان معها قال: "اصنعوا أثمارًا..." لذلك إن لم تعمل مع النعمة لا يمكن أن النعمة تخلِّصك.
قال القديس أغسطينوس: "إن الله الذي خلقك بدونك لا يمكن أن يخلصك بدونك"، فالله خلقك بدون عملك أنت، لكن عندما يخلِّصك لا بد من عملك أنت معه. إذًا آية "ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى، بل لله الذي يرحم" تعني ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بمفرده بدون عمل الله معه، بدون معونة من الله، بدون شركة الروح القدس إن الله يرحم الذين يشاءون ويسعون. ولا بد أن تقول مع بولس الرسول: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي" ولا بد أن تقاوم حتى الدم مجاهدًا ضد الخطية، ولكن راسخًا في الإيمان ومعك سلاح النعمة وبه تنتصر.
_____________________
التداريب الروحية
والذين يحاربون الجهاد، يحاربون أيضًا التداريب الروحية. ولماذا يحاربونها؟ كما لو كانت هي أيضًا اعتمادًا على ذراع بشرية؟
طبعا لو سلك إنسان في التدريب الروحي معتمدًا على قوته الخاصة يخطئ، جيد أن يدرِّب نفسه ولكن معتمدًا على قوة الله. وبولس الرسول يتحدث هو أيضًا عن تداريبه فيقول في سفر الأعمال: "لذلك أنا أيضًا أدرِّب نفسي ليكون لي دائمًا ضمير بلا عثرة من نحو الله والناس" (أع 24 :16). ويقول في رسالته إلى فيلبي: "وفي جميع الأشياء قد تدرَّبت أن أشبع وأن أجوع، وأن أستفضل وأن أنقص" (في 4 :12).
تدرَّب في كل شيء وأصبحت له الحواس المدربة، فلا مانع من أن يسلك الإنسان في التداريب الروحية غير معتمد على ذاته وقوته الشخصية، بل على نعمة الله التي تُعطى له.
ونتطرَّق إلى بعض الأسئلة التي قد تدور في فكر الفرد لنعرف ما هي الإجابة عليها فيزيد ثباتنا في النعمة والجهاد:
السؤال الأول: إذا كان الإيمان وحده لا يكفي للخلاص فما الذي فعله اللص اليمين على الصليب حتى خلُص؟
الجواب: لقد عمل اللص كثيرًا؛ آمن بالرب في ظروف قاسية جدًا، واعترف بهذا الإيمان علانية، الأمر الذي لم يقدر عليه بطرس الرسول وباقي الرسل. واعترف أيضًا بخطاياه لأنه قال: "نحن بعدل جوزينا" (لو 23: 41) ودافع عن الرب، وبكّت اللص الآخر.
وأنا – في هذا المجال - أسأل سؤالاً هامًا يسرني أن أسمع الإجابة عليه وهو: "ماذا كان بإمكان هذا اللص أن يفعل أكثر من هذا ولم يفعله؟".. مجرد إيمان اللص لم يكن أمرًا سهلاً. لو أنه آمن بالرب، وهو يقيم الموتى، ويشفي المرضى، وينتهر الريح، ويمشي على الماء، ويعمل المعجزات الخارقة، لقلنا إن تلك أمورًا واضحة لا تقبل الشك.
ولكنه آمن بالمسيح وهو مصلوب، آمن به وهو مُهان ومحتقَر من الناس، وأمام الكل في حالة ضعف، يلطمونه، ويبصقون على وجهه، ويستهزئون به، قائلين: "تنبأ لنا أيها المسيح، من ضربك؟" (مت 26: 68).
كانت المقاومات كثيرة من كل ناحية أمام هذا الإيمان لو أن هذا اللص لم يؤمن، لالتمس له الناس الأعذار، فكيف يمكن أن يؤمن برجل مصلوب أنه إله؟ لا بد أن اللص كان محتاجًا إلى جهاد كبير ليصل إلى هذا الإيمان مقاتلاً الشكوك الكثيرة التي تقف أمامه وتكاد تلغي إيمانه.. انشق حجاب الهيكل واظلمت الشمس.. فهل كان هذا كافيًا للإيمان؟ على الرغم من ذلك لم يؤمن رؤساء الكهنة والكهنة والشيوخ والكتبة والفريسيون، ولم يؤمن اللص الآخر.. يضاف إلى هذا أن المسيح المصلوب يقول: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" (مت 27: 46).. الأمر يدعو إلى الشك، وخاصة بالنسبة إلى لص نشأ في بيئة معينة..
من أين أتاه إذًا هذا الإيمان؟ هل النعمة عملت فيه؟ وإذا كانت النعمة قد عملت فيه، فلماذا لم تعمل في اللص الآخر؟ على الرغم من أنهما في حالة واحدة وفي مركز واحد وستنتهي حياتهما بعد فترة وجيزة؟ فلماذا لم تخلِّص النعمة اللص الآخر كما خلَّصت الأول؟ قطعًا كانت النعمة تعمل في الاثنين. ولكن الذي آمن استسلم لعمل النعمة وقبله، وقاوم الشكوك والشيطان، وجاهد. بينما الآخر الذي لم يؤمن، لم يجاهد، واستسلم للشكوك والعثرات، ورفض فلم يدخل اللص ملكوت الله لمجرد إيمانه فقط، بل لجهاده أيضًا ضد الشكوك التي كانت كافية لأن تعثره وتبعده عن الإيمان. إن الجهاد ليس قاصرًا على التطاحن والتشاجر، ولكن هناك جهاد داخلي كجهاد اللص، الذي جاهد ضد الشكوك والأفكار والتجاديف.
كل من يقول إن اللص لم يجاهد، يبدو أنه لم يتخيَّل ويتصوَّر الموقف الذي أحاط باللص، ذلك الموقف الذي أُعثِر فيه جميع الناس حتى التلاميذ الذين قال لهم الرب: "كلكم تشكون فيَّ في هذه الليلة" (مر14: 27). لقد ضرب الراعي فتبدَّدت الرعية كلها، ولم يستطع أن يقف إلى جوار الصليب إلا المريمات ويوحنا الحبيب فقط! ينبغي إذًا أن نعرف أن جهاد هذا اللص كان من أعظم أنواع الجهادات.
_____________________
السؤال الثاني: ما هو التعليم بالاختيار الذي فيه يتم عمل الخلاص بالنعمة؟
الجواب: طبعًا لا يمكن أن نتكلم عن الجهاد والنعمة بدون أن نتكلم عن الاختيار. فما هو الاختيار؟ وما علاقته بالآية التي تقول: "إني أرحم من أرحم، وأتراءف على من أتراءف"(رو9: 15)؟ هل معناه أن الله اختار أشخاصًا معيَّنين للملكوت؟ وما هو المقصود بقوله في سفر الأعمال: "وآمن جميع الذين كانوا معيَّنين للحياة الأبدية" (أع 13: 48).
لكي نفهم ذلك يجب أن يكون لنا إيمان سليم مبني على أسس ثابتة فلا بد أن نؤمن أن الله عادل وليس عنده ظلم البتة، وإن كان غير عادل فلا نؤمن به. وما دام الله عادلاً فهل من المعقول أن يختار أشخاصًا معينين للخلاص؟ فإذا كان الله يرحم من يرحم ويتراءف على من يتراءف، ويترك الباقين للهلاك، إذًا فهو ظالم، ولكن الكتاب المقدس يرد على مشكلة الاختيار بآية واضحة تقول: الله "يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1تي2 :4) إذًا فما معنى الاختيار؟ إن الله يدعو جميع الناس لأنه يريد أن الجميع يخلصون. إنه لم يختر ولم يحب نوعًا معينًا من الناس أو مجموعة معينة أو "المختارين" فقط، ولكنه أحب الجميع إذ يقول الكتاب: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16) وفي حادثة رؤيا كرنيليوس يقول الكتاب: "ففتح بطرس فاه وقال:«بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه بل في كل أمة، الذي يتَّقيه ويصنع البر مقبول عنده" (أع10: 34، 35) "كل من يدعو باسم الرب يخلُص" (أع 2: 21) فهو لم يختر جماعة معينة، وإلا يكون ظالمًا، بل يريد أن الجميع يخلصون لذلك قدم خلاصًا مجانيًا كاملاً لجميع الناس. وهذا الخلاص ليس لنا فضل فيه، ولا دخل للجهاد فيه، لأننا "متبررين مجانًا بنعمته" (رو 3: 24) ولكن هل خلص الجميع، بهذا الخلاص المجاني المقدم للجميع؟
يقول يوحنا الرسول: "وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضًا" (1يو2 :1، 2). فدم المسيح الذي سُفِك على الصليب كافٍ لغفران خطايا العالم كله، فهل خلُص العالم كله؟ كلا، لم يخلص العالم كله. لأنه يوجد أناس آمنوا بالخلاص وقبلوه، وآخرون رفضوه ولم يؤمنوا به. فأمر خلاصك يتوقف إذًا على إتفاق إرادتك مع إرادة الله وقبولك للخلاص. لذلك قال المسيح له المجد: "يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا" (مت 23: 37، 38). فالجميع مدعوون للخلاص، ولكن الله لا يُرغم أحدًا على القبول، لذلك عندما دعا للعرس دعا الجميع. حتى غير المستحقين دعاهم أيضًا للعرس ودعاهم للخلاص. يقول الكتاب: "ثم قال لعبيده: أما العرس فمستعد، وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين" (مت 22: 8).
يقول الكتاب عن عمل النعمة هذا المثل: "هوذا الزارع قد خرج ليزرع وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق.. وسقط آخر على الأماكن المحجرة.. وسقط آخر على الشوك.. وسقط آخر على الأرض الجيدة" (مت13: 3-8). لم تأت كل البذار بثمر، ليس لأن البذار رديئة حاشا؛ لأنها كلمة الله الصالحة ونعمة الله العاملة. ولكن لأن النعمة وحدها لا تكفي، فعندما أتت إلى القلب الحجري لم تأت بثمر. وعندما أتت حيث لم يكن له عمق أو أصل، نبت قليلاً ثم جف النبات، وفي موضع آخر طلع الشوك وخنقه، هكذا اهتمامات العالم وحاجياته خنقت الزرع المقدس.
فلا بد أن تبعد عن الشوك لكي تخلِّص نفسك...
لا تجلس في مجالس المستهزئين ولا تسر في طريق الخطاة، متَّكلاً على عمل النعمة.. لأن النعمة لا تخلِّصك، ما لم تشترك معها في تخليص نفسك، وتجاهد كثيرًا.
مثلما فعلت المرأة نازفة الدم لكي تخلُص؛ جاهدت وسط الجمع المزدحم حتى وصلت إلى المسيح ولمست هدب ثوبه فشُفيت في الحال. وأيضًا مثلما فعل زكا إذ تسلق الشجرة حتى رآه المسيح وخلَّصه، ولم يمنعه من ذلك مركزه وكرامته.
فالمسيح مستعد أن يأتي إليك إذا طلبته ولم تقصِّر في جهادك.
ولو فُرِض أنك قصَّرت فلماذا لم تخلِّصك النعمة من التقصير؟ لنفرض أني خاطئ وأريد أن أتوب فهل تأتي التوبة بإرادتي أم بالنعمة؟ إن كانت بالنعمة فلماذا لم تتوبني، والله يريد أن الجميع يخلُصون، ربما لأني طلبت ولم أعمل ما يتفق وعمل النعمة. فلا بد أن نكافح، محاربين بسلاح النعمة لذلك قال بولس الرسول: "لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية" (عب 12: 4). وقال أيضًا: "أُقمع جسدي وأستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1كو 9: 27) فحتى بولس كان ممكنا أن يصير مرفوضًا، على أن المسيح ظهر له والنعمة عملت فيه بقوة. لا بد من أن يجاهد الإنسان، فالجهاد هو استخدام لسلاح النعمة.
_____________________
السؤال الثالث: هل توجد فترات يمكن أن تفارق فيها النعمة الإنسان المجاهد؟
الجواب: النعمة لا تفارق الإنسان مفارقة كلية ولكنها جزئية إلى حين. فأحيانًا إذا تكبَّر الإنسان تفارقه النعمة، فيسقط، ويشعر بضعفه، فلا يعود للكبرياء ثانيةً، وفي ذلك يكون هذا التخلِّي نوعًا من أنواع العلاج. وأحيانًا تفارقه قليلاً كنوع من السياسة الإلهية: حتى يتشوق إلى النعمة، ويطلبها، وينمو في الصلاة، ويشكر الله على استجابة طلباته، ولا يتهاون، ويجاهد، وغير ذلك.
الفتور الروحي
الفتور الروحي
أشار إليه معلمنا القديس يوحنا الإنجيلي في الإصحاح الثالث من سفر الرؤيا إذ يقول: "واكتب إلى ملاك كنيسة اللاودكيين: هذا يقوله الآمين، الشاهد الأمين الصادق.. أنا عارف أعمالك، أنك لست باردًا ولا حارًا. ليتك كنت باردًا أو حارًا، هكذا لأنك فاتر، ولست باردًا ولا حارًا، أنا مزمع أن أتقيأك من فمي" (رؤ3: 14-16).
لماذا نرى الفتور الروحي مشكلة خطيرة في حياة الإنسان؟
اثنان لهما صلة قوية بالله، أو يمكن أن تكون لهما صلة قوية بالله. اثنان دموعهما حاضرة وقلباهما حاران:
† واحد منهما قريب العهد بالتوبة، ما زالت خطاياه أمامه يبكي عليها بدموع، ويحتد في قلبه.
† وإنسان آخر وصل إلى درجة روحية عالية وله دموع الحساسية والحب. أما الشخص الذي في منتصف الطريق فهو إنسان فاتر..!
إنه يشبه شعب الله في برية سيناء. تركوا أرض العبودية، ولكنهم لم يصلوا بعد إلى أرض الميعاد. كذلك هو ليس في حالة خطية، ولم يصل بعد إلى الحالة الروحية الحارة.
إنه لا يعيش في عمق الخطية لكي توقظ الخطية ضميره وتشعره بأنه "شقي وبائس وفقير وأعمى وعريان" (رؤ 3: 17) وتتعبه وتجعله يطلب إصلاح حالته ويقوم ليعيش مع الله، ولا هو اختبر بعد حياة الاتحاد العميق بالله. إنه في الحالة التي يقول عنها الكتاب: "لست باردًا ولا حارًا" (رؤ 3: 16) أو هو (بين بين كما يقولون)!!
_____________________
أسباب الفتور
1- الابتعاد عن مرحلة التوبة
إن أول سبب للفتور الروحي هو الابتعاد قليلاً عن مرحلة التوبة، وعن تذكار حياة الخطية. فهوذا إنسان كان خاطئًا منذ زمن وكان ضميره يوبِّخه وقتئذ ويتعبه، فكان ينسكب أمام الله وينسحق، أما الآن فقد نسى خطيته، ولم يعد يذكر متاعبه ونقائصه وفي ذات الوقت هو ثابت في الحياة مع الله قليلاً قليلاً، فلا هو بلغ إلى كمال الحياة الروحية ولا هو شاعرٌ بخطاياه..
وكيف نعالج مثل هذه الحالة؟
هل أرجع إلى الخطية خصيصًا لكي يستيقظ ضميري فيوبخني؟! قطعًا كلا. هذا كان مبدأ راسبوتين الفاسد الذي ينادي بأن الإنسان الذي يريد أن يحيا مع الله لا بد له أن يتوب توبة قوية وهذا يستلزم - في نظره - أن يسقط في "خطية قوية"، وكان راسبوتين يدعو الشعب إلى السقوط الشديد في الخطية حتى إذا تلطخ بالأوحال تعب ضميره وهب للتوبة وصار هذه المرة حارًا في الروح!! وطبعًا هذا رأي خطير وفاسد كما استنكره الرسول بولس قائلا: "أنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة؟ حاشا! نحن الذين متنا عن الخطية، كيف نعيش بعد فيها؟" (رو6: 1، 2). لأنه لو سلك الإنسان هكذا فربما يسقط في الخطية ولا يقوم منها أبدًا، ولا يوبخه ضميره إذ يجد لذة فيها.
وأنت يا أخي لست محتاجًا أن تقع في خطية جديدة لكي يبكتك ضميرك وترجع إلى حرارتك المفقودة إذ عندك رصيد كبير من خطاياك القديمة ويمكنك أن تتذكرها. عيبنا أننا ننسى خطايانا، وبنسيانها نبعُد عن الانسحاق ونبعُد عن التوبة ونفتُر.
2- الإسراع إلى الفرح والتعزية
من الأسباب الرئيسية التي تجلب الفتور أن يسرع الخاطئ إلى حياة الفرح وإلى التعزية وإلى نسيان الخطية ونسيان الماضي وهكذا يفقد حرارته. أما أنت فاحتفظ بحرارتك الروحية باستمرار. اجعل تذكار خطاياك أمامك في كل حين. تذكَّر دائمًا ضعفاتك ونقائصك والذل القديم الذي كنت فيه، واعرف أنه من الممكن أن تقع فيه مرة أخرى.
لا شك أنه مما يجلب لنا الفتور، استغلالنا لغفران الله أكثر مما يجب.. يكفيني أن أعترف بخطاياي ويقرأ لي الكاهن التحليل، فأظن في نفسي أنني قد أصبحت صفحة بيضاء ناصعة، وأنسى كل الماضي البشع، وأنسى كل الخطايا السابقة وكل نقائصي وكل سقطاتي..
أنا لا أريدك يا أخي أن تنسى أن الشخص الذي يضع خطاياه أمامه في كل حين لا تدركه حياة الفتور. بل كلما تجف عيناه من الدموع، تُرجِعها إليه الذكريات القديمة المريرة فتعود إليه دموعه مرة أخرى. فكن أنت هكذا. إياك أن تنسى خطاياك، أو تظن أن الخطية شيء قديم قد انتهى، أو تتخذ من غفران الله مبرِّرًا للنسيان والاستهانة.
† إن داود النبي بكى بدموع كثيرة بعد أن غُفِرت له الخطية وليس قبل المغفرة. غُفِرت له الخطية ولكنه مع ذلك ظل يبكي عليها مبللاً فراشه بدموعه.
إن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تُغفر لك الخطية وبين أنك تنساها.. لا تنسَ خطيتك أبدًا، فداود يقول: "خطيتي أمامي في كل حين" (مز51: 3). حقًا إن الله قد غفرها ولم يعد يذكرها أما أنت فلا بد أن تذكرها. الله لا يذكر لك خطيتك إذا كنت تذكرها أنت. هناك عبارة جميلة قالها القديس الأنبا أنطونيوس: "إن نسينا خطايانا يذكرها لنا الله، وإن ذكرنا خطايانا ينساها لنا الله". هل تريد أن ينسى الله خطاياك، اذكرها أنت باستمرار، وبذلك تنسحق نفسك على الدوام، وفي الانسحاق يشفق الله عليك وينسى خطاياك. حقًا إن الأب الكاهن قرأ لك التحليل وغُفِرت لك خطاياك.. ولكن إياك أن تنسى ماضيك.
† كلما تنظر إلى صورة يسوع المصلوب قل له:
"من أجل خطاياي يا رب أنت صلبت".
† وكلما رأيت صورته في بستان جثسيماني قل له:
"هذه الكأس التي تطلب عبورها يا رب عنك، مملوءة مرارة من خطاياي. خطاياي هي سبب المُر الكبير الذي في هذه الكأس".
† وإن رأيت صورة الرب واقعًا تحت الصليب قل له:
"إن ثِقَل هذا الصليب من خطاياي.. وأنا الذي سبَّبت لك كل هذا".
ولتكن نفسك حساسة باستمرار فليست التوبة أن تنسى الخطية بل أن تشعر أن خطيتك أمامك في كل حين. فهناك إنسان بره الجديد الذي يفعله الآن، يُنسيه خطاياه القديمة، كلما عمل برًا انتفخت نفسه من الداخل ونسي السبع سنوات العجاف في الخطية التي تعب فيها كثيرًا.. مثل هذا الإنسان معرَّض للرجوع إلى الخطية ثانية.
وهناك إنسانٌ آخر كلما يصنع برًا، يضع خطيته بينه وبين ذلك البر، فيختفي من أمامه هذا البر الجديد ولا يذكر إلا ماضيه الأثيم.
إن كنت تريد أن تحيا حياة خالية من الفتور تملك عليها الحرارة الروحية، فباستمرار تذكر أنك ضعيف ومن الممكن أن ترجع إلى ماضيك مرة أخرى "من يظن أنه قائم، فلينظر أن لا يسقط" (1كو10: 12).
إن بولس الرسول - أيام أن كان شاول الطرسوسي - اضطهد كنيسة الله، اضطهدها في الماضي، عن جهل، وعن غيرة ليست حسب المعرفة. ثم ظهر له السيد المسيح ودعاه ليس للتوبة فحسب وإنما دعاه أيضًا للخدمة وجعله رسولاً. فمات شاول القديم وولد بولس الجديد "الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" (2كو5: 17) وتحول شاول المضطهد إلى بولس الرسول العظيم الذي تعب أكثر من جميع الرسل، وكتب 14 رسالة وعمل الكثير من المعجزات والآيات والقوات والعجائب، وصعد إلى السماء الثالثة ورأى وسمع أشياء لا ينطق بها (2كو12). حتى خاف الرب عليه من كثرة الاستعلانات.. وبعد كل هذا يكتب عن نفسه "أنا الذي لست أهلا لأن أُدعى رسولًا، لأني اضطهدت كنيسة الله" (1كو15: 9)!! ما هذا يا بولس؟! أما تزال تذكر ذلك الماضي القديم الذي مرت عليه سنوات طوال أكثر من أربع عشرة سنة، سنوات طويلة وتغيرت فيها وتجددت وأصبحت إنسانًا آخر. أما زال فمك يردد أنك اضطهدت كنيسة الله؟! وأنك أول الخطاة؟! يجيبنا: "نعم"، لست مستحقًا أن أُدعى رسولاً لأني اضطهدت كنيسة الله. حقًا لقد حدث ذلك منذ زمن، وارتكبته بعدم معرفة، ولكن خطيتي أمامي في كل حين ولا أستطيع أن أنساها مهما تغيَّرْت.
من أجل هذا كان بولس المبارك حارًا في الروح دائمًا.
إذن لكي لا تفتر حياتك، تذكر خطاياك باستمرار. كلما سرت في طريق الرب وحوربت بالبر الذاتي- كأن تُمدح من الناس مثلاً - تذكر حينئذ خطاياك.
† كلما تُمدَح من الخارج، بكّت نفسك من الداخل وقل: "أنا فعلت كذا وكذا".
† إن أتاك فكر بأنك خدمت وأصبحت عظيمًا وتجدَّدت، قل: "إنني خاطئ ومسكين وفقير وعريان".
† كلما أتاك فكر إدانة إنسان، قل: "إن هذا الإنسان أبرُّ منِّي لأنني أخطات في كذا وكذا"..
لا تسمح لأحد أن يخدعك ويقول لك أنت دخلت في حياة الفرح.. احذر أن يقول لك أن تنفذ الآية التي قالها بولس الرسول: "افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا" (في4: 4). وهكذا يقول لك إن وقت الدموع قد انتهى، وأنت قد دخلت في دائرة العزاء الإلهي!! لأنك لو أطعت هذا الكلام بغير فهمٍ وتأمُّل سوف لا تفقد الحرارة الروحية فقط بل قد تفقد نفسك أيضًا.
إذا أتاك مثل هذا الفرح فارفضه. قل له: يا رب إن الذين وصلوا إلى درجة بولس هؤلاء فليفرحوا بالرب في كل حين. أما أنا فإنسان خاطئ لا أستحق هذا الفرح، إنني في أرض الشقاء والتعب والدموع. أما هذا الفرح فآخذه هناك في ملكوت السموات. لست أريد أن آخذ أفراحي على الأرض.
إن قال لك أحد ينبغي أن تفرح بالنعمة العاملة معك، قل: هذا حق ولكنني لا أنسى أيضًا الحيوان الرابض في أحشائي. لا أنسى طبيعتي المائلة القابلة للسقوط إذ كلما أعمل الخير أجد الشر حاضرًا أمامي "الشر الذي لست أريده فإياه أفعل" (رو7: 19).
ضع أمامك الآية القائلة: "من يظن أنه قائم، فلينظر أن لا يسقط" (1كو10: 12). وكذلك الآية التي تقول: "سيروا زمان غربتكم بخوف" (1بط1: 17). و"تمِّموا خلاصكم بخوف ورعدة" (في 2: 12). ضع أمامك قول الكتاب: "إبليس خصمكم كأسد زائر، يجول ملتمسًا من يبتلعه هو" (1بط5: 8). وأيضًا "لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية" (عب12: 4).
قل لنفسك: لم يحن الوقت بعد. إن الفرح والعزاء شيئًان جميلان ولكنني لا أستحقهما. إنني إنسانٌ خاطئ تنفعني الدموع وينفعني البكاء وتذكار الخطية. ولكي أسلك حسنًا يليق بي على الدوام أن أظل شاعرًا بضعفي.
والإنسان الذي ينسى خطاياه يقل احتراسه، بينما الإنسان العارف بضعفه المتذكر نقائصه هو كثير الاحتراس، كثير التدقيق، كثير الخوف. عندما كنت في بدء حياة التوبة، كنت شديد الحرص والحذر من أقل شيء يُعثِر أو يسبِّب السقوط، وأما الآن فقد أخذت حريتك وسِرت بهواك. بحيث لو حذَّرك أحد من العثرة أو السقوط في خطية ما، تجاوبه في ثقة: تلك يا أخي خطايا المبتدئين. لقد كنا نخشى أمثال هذه العثرات في ذلك الزمان عندما كنا في أول خطوة من خطوات الطريق. أما الآن فأشكر الله أن هذه العثرات لم تعد تُتعبنا كما كانت قديمًا عندما كنا أطفالاً نقتات باللبن. إننا الآن نتغذى الطعام القوي الذي للبالغين.. إن قلت هذا الكلام، فلا تكون على وشك السقوط بل تكون قد سقطت فعلاً.
لذلك عليك باستمرار أن تشعر بضعفك، وبحاجتك كل حين إلى احتراس كبير حتى من أقل الخطايا وطالما أنت سائر في احتراس كبير حتى من أقل الخطايا، وطالما أنت سائر في احتراس، وسائر في خوف، فإنك تظل محتفظًا بحرارتك الروحية.
_____________________
3- شكلية العبادة
والمقصود هنا العبادة الشكلية الطقسية الجافة الخالية من الروح. فلقد كنت في الماضي متضايقًا وضميرك غير مستريح بسبب أنك لا تصلي ولا تصوم ولا تذهب إلى الكنيسة ولا تقرأ كلمة الله ولا تعترف ولا تتناول، ولا تقرأ في سير القديسين ولا تستخدم باقي وسائط النعمة.
ثم بدأت في الحياة مع الله وأصبحت تصلي وتصوم وتقرأ في الكتاب المقدس وفي سير القديسين وتتأمل وتخدم وتستخدم وسائط النعمة كلها، وبمرور الوقت ابتدأت هذه الوسائط تفقد حرارتها وتأثيرها وهيبتها. عندما كنت قريب العهد بالتوبة كنت تدخل الكنيسة بخوف، وتقول في نفسك إن الكنيسة للقديسين و"ببيتك تليق القداسة يا رب" (مز93: 5) ومن أنا الإنسان الفاجر حتى أدخل بيت الله؟!! "أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك. أسجد في هيكل قدسك بخوفك" (مز5: 7).
وكنت تدخل الكنيسة فعلاً بخوف ورعدة وبحرارة وكنت ترتعش وتقول: يا رب أنا مثل النشاز في هذا اللحن الجميل. أنا مثل الغريب وسط هؤلاء القديسين. لست مستحق أن أقف وسط هؤلاء الناس وأنا إنسان خاطئ أخاف أن ينسكب غضبك على المكان بسببي، أخاف أن الملائكة تشمئز من منظري داخل الكنيسة، وتقول: من أدخل هذا الغريب ههنا؟!.. إلخ ولكن كلمة "أنا خائف" هذه "كانت زمان" وانتهى أوانها..
ابتدأت الآن تدريجيًا ترفع الكلفة، وفقدت الكنيسة هيبتها في نظرك، وصرت تدخلها كثيرًا، وأصبحت تجلس فيها وتتحدَّث مع هذا وذاك وتضحك أيضًا. وبمرور الوقت تحولت عبادتك إلى شكليات.. صرت تستخدم كل وسائط النعمة ولكن ليس بالروح الأولى.
إنك تصلي ولكن بدون روح وبدون فهم وبدون عاطفة. وتصوم، ولكن كواجب. وتعترف، لمجرد أن تتخلَّص من الصفحة القديمة وتكتب صفحة جديدة غيرها. وتتناول، ولكن ترجع وتخطئ الخطايا القديمة هي هي. أصبحت عبادتك شكلية، صارت صنمًا طقسيًا تتعبَّد له.
حاول إذًا أن تعبد بالروح. حاول أن تصلي بفهم، وترتل بفهم، وتقرأ الكتاب بفهم.. حاول أن تصلي بعاطفة، وتقرأ بعاطفة، وتصوم بعاطفة.. حاول أن تدخل إلى روح العبادة وليس إلى شكلياتها. كما قال القديس مار إسحاق: "إذا كنت تصلي المزامير بدون عاطفة وبدون فهم قل لنفسك أنا ما وقفت أمام الله لكي أعد ألفاظًا، ولكني أريد أن أصلي".. هذه العبادة الشكلية تولد ناحية من نواحي الملل والكدر. وبالملل والضجر تفتُر في حياتك الروحية.
4- الشعور بأهميتك الكنسية
إنك الآن تدخل الكنيسة لتخدم فيها. ابتدأت تعتبر نفسك عمودًا من أعمدة الكنيسة. اختلف الوضع كثيرًا عن ذي قبل. كنت قبلاً تعتبر نفسك غير مستحق لدخول الكنيسة أو للوقوف بين القديسين! أما الآن فإنك تقول كلامًا آخر. إذا كنت خادمًا تقول في نفسك: لو أنني تغيبت اليوم عن الكنيسة، أين يذهب أولادي؟ وماذا يحدث لفصلي؟ لا شك أن الخدمة سترتبك وتتعطل، كأن الكنيسة ستتزعزع أسسها بسببك!! وترتبك في غيابك!! هل وسط هذا الجو من التفكير، يأتيك الاتضاع وحياة الانسحاق؟!!
قد تتغيب في أحد الأيام لسبب قهري، فيأتي أهل الكنيسة للسؤال عنك، ويحدثونك عن المتاعب التي نتجت عن غيابك، فتُسر أنت لسماع ذلك.. لقد ضاعت الأيام السابقة، ضاعت أيام الانسحاق! هل تستطيع الآن أن تدخل الكنيسة وتقول كما كنت تقول قبلاً: "أنا يا رب غير مستحق أن أقف أمام القديسين"؟! بينما قد صرت الآن يا أخي من زعماء القديسين! من القادة ومن البارزين في الكنيسة! أتسألني بعد هذا عن أسباب الفتور؟! هي حالتك هذه التي أنت فيها، شعورك بأهميتك في الكنيسة.
من أجل هذا يحلو للرب أحيانًا أن يبعد هؤلاء المهمِّين عن جو الخدمة، لكي يريهم.. أن الكنيسة ما زالت كنيسة بدونهم وأنهم لا شيء.
إيليا النبي العظيم بعد انتصاره على جبل الكرمل، وقتله 400 من أنبياء البعل، وبعد نزول المطر بصلواته.. بعد هذا النصر العظيم يقول له الرب كلمة عجيبة: "اذهب امسح ياهو بن نمشي ملكًا على إسرائيل، وامسح أليشع بن شافاط من آبل محولة نبيًا عوضًا عنك" (1مل19: 16). من المعقول يا رب أن يمسح ياهو بدلا من آخاب، لأن آخاب ملك شرير أفسد عقيدة الشعب. ولكن ما معنى أن أليشع يمسح نبيًا بدلاً مني؟! هل يمكن يا رب أتستغني عني بعد هذا النصر العظيم؟! نعم، يمكن الاستغناء عنك، إن الله قادر أن يقيم من الحجارة أولادًا. أقم إذن أليشع نبيًا بدلاً عنك، وسيأخذ اثنين من روحك، ويكون أعظم منك في كل شيء.. أتُرى يا إيليا سوف لا يجد الله سواك؟!
ليكن لك هذا الشعور يا أخي في خدمتك باستمرار.. فهناك كثيرون أفضل منك يستطيع الرب استخدامهم.. قد تقول هل أترك إذن الخدمة لأشعر بعدم أهميتي؟ كلا، لا تترك الخدمة بل اعمل فيها وقل: "يا رب إنني كثيرًا ما أعطل الخدمة، وربما أكون عثرة للأولاد. ربما لو كان الخادم غيري، لكان المخدومون يستفيدون أكثر. هؤلاء الأولاد الذين أخدمهم، لا أستحق تراب أرجلهم. في اليوم الأخير عندما تفتح الأسفار وتكشف الأعمال وتفحص الأفكار، أين أخفي ذاتي من وجه أولادي هؤلاء، عندما تنكشف أمامهم أعمالي الرديئة البشعة؟! إنني في غاية الخجل من نفسي، إنني عثرة للأولاد. ابحث يا رب عن غيري، فأنا لا أستحق الخدمة".
بهذا الشعور اخدم يا أخي...
وحاذر أن تدخل الكنيسة، بقلب منتفخ وأنت شاعر بأنك مهم، بل ادخل بقلب منسحق وأنت شاعر بأنك لا تستحق الخدمة.. اشعر أنك أقحمت نفسك في المتكآت الأولى، وأنك تطفلت على الخدمة، وأنك شخص مرائي داخل الكنيسة، تتظاهر بالقداسة وخطاياك مخفية لا يعرفها إلا الله وأب اعترافك وضميرك. كلك رياء تلبس ملابس القديسين، وداخل هذه الملابس عظام نتنة.. قل له: أشكرك يا رب لأنك سترتني، ولم تفضحني أمام الناس، ولم تكشف لهم حالتي. ولو كشفتها لهم لطردوني خارج الكنيسة وليس فقط خارج الخدمة.
_____________________
5- إن الله يعيش على سطح حياتك وليس في العمق.
لما كنت حارًا في الروح، كان الرب في أعماقك، لكنه الآن ليس في أعماقك. لماذا؟ لأن أشياء أخرى قد دخلت في أعماقك. أمر من أمرين دخل إلى أعماقك سبب لك الفتور وكل واحد من الأمرين له خطورته:
أ- إما أنه دخَلَت في أعماقك خطية من الخطايا.
ب- أو دخَلَت في أعماقك اهتمامات غير إلهية.
وكلاهما يجلبان الفتور..
أ- ربما تكون خطية قد دخلت إلى أعماقك دون أن تحس أو وأنت تحس. وهذه الخطية قد أربكت حياتك كلها، وسبَّبت لك الفتور. ابحث ما هي هذه الخطية. قد تكون كبرياء، أو برًا ذاتيًا، أو غضبًا، أو إدانة للآخرين. لا يوجد أكثر من الكبرياء أو إدانة الآخرين مجلبة للفتور. لأنك عندما تتكبر يرفع الله نعمته عنك وتسقط في حياتك الروحية. وعندما تدين غيرك على خطية، يحب الله أن يُشعِرك بأنك لست أقوى من غيرك، فتبتعد عنك النعمة قليلاً فتسقط في الخطية. كثيرًا ما يكون سبب فتورك هو إدانة الآخرين. لأن كثيرًا من الأشخاص الذين يدخلون الحياة مع الله، ويحيون حياة مقدسة معه، ويسيرون حسنًا في طريقه، يظنون أنهم صاروا أفضل من غيرهم، ويبدأون في إدانة غيرهم. عندئذ يسحب الله نعمته فيسقطون في الخطية.
ابعد عن إدانة الآخرين، وعن الدخول في السياسات والمشاكل.. تعود لك الحرارة الروحية. فكر في نفسك أنك إنسان خاطئ تحتاج للإصلاح. أما إذا فكرت في أن الكنيسة كلها مخطئة تحتاج إلى الإصلاح، تفقد حرارتك. كنت حارًا في القديم لأنك كنت تفكر في نفسك كيف تخلُص. أما الآن ففقدت حرارتك لأنك تفكر في كيف تخلِّص غيرك، وأما نفسك فلا تحتاج إلى تخليص.
لقد صارت نفسك بارة، ووصلت، ولا تحتاج إلى خلاص! إن الانهماك في إصلاح الآخرين أضاع أناسًا كثيرين. يريد الشخص أن يصلح غيره. ومن أجل هذا فهو طول الوقت يفكر في خطايا الآخرين، وبذلك ينسى خطاياه ويفتر. يظن أنه قد وصل إلى درجة أعظم. وبعد أن كان يخلِّص نفسه، هو الآن يخلِّص جماهير. إنه يظن أنه قد ارتفع، وفي الحقيقة إنه نزل إلى أسفل. لأنه في محاولته تخليص الآخرين قد أضاع نفسه.
ب- قد يكون سبب فتورك أن خطية قد دخلت إلى قلبك كخطية الإدانة هذه، وقد يكون السبب دخول اهتمامات كثيرة إلى قلبك فسببت لك الفتور. في أيام حرارتك الأولى كان أمر واحد يشغل اهتمامك هو خلاص نفسك، فأصبح اهتمامك بخلاص نفسك على الهامش.
تحدثت مرة مع خادم كبير فأخبرني بأنه متعب في صلاته. سألته السبب فأخبرني بأنه ليس عنده وقت. فلما استوضحته عن سبب ضيق وقته، سرد لي قائمة كبيرة جدًا من مشغولياته في الخدمة من اجتماعات خدام وشبان وفصل وتحضير، وإشراف على النادي، وحل مشاكل وإلخ.. مما لا يترك له وقتًا للصلاة. كفى هذا يا أخي؟ لماذا تضع الله في آخر القائمة! فإن بقي له وقت بعد الافتقاد والتحضير والاجتماعات والنادي، تصلي وتقرأ وتتعبد.. لماذا لا تضع الله أولًا.
كثير من الناس وصلوا إلى حالة الفتور بسبب انهماكهم في الخدمة انهماكًا فوق الطاقة. الذي لا يخدم منهم في التعليم، يخدم في الافتقاد وفي زيارة المرضى والاهتمام بالفقراء والإداريات.
ليس لهم وقت فراغ، لم يضعوا الله في المكان الأول من مشغولياتهم، لم يعد خلاص أنفسهم في المكان الأول من اهتماماتهم. إنهم يهتمون الآن ويضطربون لأجل أمور كثيرة والحاجة إلى واحد. ربما يكون سبب فتورك أنت من هذا النوع.
تأمل أحدهم في قصة الابن الضال.. وقال: إن أخاه الأكبر وقع هو أيضًا في ضلال كما يتضح من المناقشة التي دارت بينه وبين أبيه. كان سبب ضلال الابن الأصغر أنه اشتهى الكورة البعيدة. أما الابن الأكبر فكان ضلاله بسبب انهماكه في الخدمة بحيث لم يكن له وقت يفكر فيه في الأب ولا الجلوس معه. وبمُضي الوقت أخطأ.
فإن كان الاهتمام الكثير بأمور الخدمة يسبب الفتور، فكم بالأولى الاهتمام بالأمور العالمية!؟
إنسان تفتر حياته بسبب مسألة تحدث له تشغل وقته كله. كأن يمرض أحد في البيت، فانشغل به. الاهتمام بالمريض والأطباء والأدوية والزائرين.. إلخ لا يبقى وقت للعبادة. أو تكون ظروف امتحانات بالنسبة لي أو لأحد أقربائي تأخذ كل الوقت ولا تترك فرصة للعبادة. أو توجد حادثة وفاة أو ظروف زواج أو دراسات عليا أو عمل إضافي أو مشغوليات مسائية، استوعبت كل الوقت. وبإرادتي شغلت نفسي بحيث لم يبق لدي وقت للعبادة.. لا شك كل هذا طبعًا يسبب الفتور.. أتسأل بعد ذلك لماذا ضاعت حرارتي الأولى؟! إن مشغولياتك هي السبب. أنت تضطرب وتهتم لأجل أمور كثيرة، ولكن الحاجة إلى واحد..
إذا أردت أن ترجع إليك روحياتك، ضع الله في رأس القائمة ودبِّر مشغولياتك الأخرى بحيث لا تعطِّلك عن أمورك الروحية.
من أسباب الفتور طريقتنا في معالجة الأمور
كأن تحدث مشكلة فأعطيها كل عمقي، ونتيجة لذلك لا يصير الله في أعماقي. لأن المشكلة قد استولت على كل مشاعري الداخلية وعلى تفكيري ولم تبق عندي فرصة للصلاة. حتى إن صليت أو جلست بمفردي، بدلاً من التأمل في الله أسرح في المشكلة. عندما أجلس مع الناس، أُحدِّثهم عن هذه المشكلة بدلاً من حديثي في الروحيات. هذه المشكلة يا أخي استولت على أعماقك، وسببت لك الفتور.
فإن كنت تريد أن تحيا حياة روحية، خذ كل الأمور ببساطة، بطريقة سطحية. واترك الأمور تسير، ولا تدع أمور العالم تدخل إلى أعماقك وتفقدك حياتك وحرارتك الروحية. المسألة لا تستحق أن تهتم كل هذا الاهتمام الكبير.
يا ليتنا نهتم بخلاص أنفسنا، كما نهتم بالمشاغل المحيطة بنا أو كما نهتم بكرامتنا الشخصية العالمية... إذا قال لي إنسان كلمة تغضبني، أظلُّ أغلي من الداخل، وأفكر في هذه الكلمة بعمق، وتسبب لي إشكالاً. ووسط كل هذا تضيع حياتي الروحية.
فلا تأخذوا الأمور بعمق، ولا تعطوا أعماقكم لمشاكل العالم، ولا حتى لمشاكل الكنيسة. اتركوا العمق لله وحده. وإذا فكرتم في الكنيسة، اجعلوا الله يفكر معكم، واربطوا الموضوع بالله نفسه. لا تفقدوا حرارتكم الروحية. لا تعطوا أعماقكم لغير الله..
_____________________
6- ومن أسباب الفتور أن يترك الإنسان الخطية ويستبقى أسبابها
أي يبعد عن الخطية وأسباب الخطية ما زالت قائمة. وهذا يجلب الفتور.
7- ومن أسباب الفتور الانحدار البطيء
فالإنسان يشعر بالانحدار السريع، أما الانحدار البطيء لا يشعر به الفرد، لأنه ينزل قليلاً قليلاً.. دون أن يحس، إلى أن يجد نفسه في الحضيض. والانحدار البطيء هذا هو الذي يجعل الإنسان يسقط دون أن يحس، فيقع في الفتور. وماذا تعمل إذن؟
† إنسَ كل ما مضى، وإبدأ من جديد، اربط نفسك بجميع وسائط النعمة: بالصلاة والصوم، وقراءة الكتاب المقدس، وبقراءة سير القديسين، والكتب الروحية، والاجتماعات الروحية، والصداقات الروحية، وبمحاسبة النفس والمداومة على الاعتراف والتناول.
† استعمل كل من هذه الوسائط في معناها الروحي وليس في شكلياتها. إذا صُمت لا تأخذ الصوم في شكلياته. وكذلك في صلاتك؛ كل كلمة تقولها، قُلها من قلبك، من أعماقك، بفهم، بجدِّية.
† خذ حياة التوبة بطريقة جدِّية. تذكَّر باستمرار خطاياك.
† تذكَّر ضعفك دائمًا، وباستمرار كن في حرص وفي مخافة.
† لا تسرع إلى التعزية ولا إلى الفرح والاطمئنان.
† احتفظ باتضاعك وبالمتكأ الأخير في حياتك. وبهذا لا تفقد حرارتك ولا تصل إلى الفتور. وإن فترت لا تبق كثيرًا في فتورك، إنما تخلَّص منه بسرعة.
† باستمرار اعرض على الله ضعفك، واطلب منه معونة، واطلب أن تكون النعمة معك وتحفظك في كل خطوة. لا تعتمد على ذاتك في أمر من الأمور وإنما اطلب معونة الله في كل أمر، وحتى في الأمور التي تبدو بسيطة. والرب يقويك، لأنه لا يحب أن تكون فاترًا لئلا يتقيأك.
الغضب
الغضب
خطية الغضب من الخطايا المشهورة في حياتنا العملية، فنحن نلاحظ أن كثيرًا من الأشخاص الذين يحضرون إلى الكنيسة ويواظبون على الأسرار الإلهية، بل ويصومون ويصلون بانتظام يقعون أحيانًا في خطية الغضب.
والغضب خطية من الخطايا التي يكرهها الله جدًا.. يكفي أن القديس يعقوب الرسول قال: "لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله" (يع 1: 20). كما يقول الكتاب المقدس: "الغضب يستقر في حضن الجهال" (جا 7: 9). ويقول أيضًا: "لا تستصحب غضوبًا، ومع رجل ساخط لا تجيء" (أم 22: 24). والآباء القديسون تكلموا عن الغضب فقالوا: "إن الغضب يُظلِم العقل وينزع من الإنسان مخافة الله".
قال القديس الأنبا أغاثون: "ولو أقام الغضوب أمواتًا فما هو مقبول عند الله، ولا يُقبل إليه أحد من الناس". وقال القديس الأنبا غريغوريوس أسقف نيصص أخو القديس باسيليوس الكبير: "إن الغضب يشبه مسات الشياطين وأعراضهما تقريبًا واحدة. كل شخص من الاثنين جسمه هائج وعيناه تتقدان بالنار، والدم يغلي في عروقه، وجسمه كله مضطرب لا يهدأ على حال".
ونفس الكلام قاله الأنبا أوغريس: "الغضب عبارة عن نوع من الجنون.. عينا الغضوب تتَّقدان دمًا!! أما عينا الوديع فتمتلئان بالهدوء والسلام.. الغضوب يرى في نومه وحوشًا وحيات وأحلامًا مزعجة أما الوديع فيرى في أحلامه ملائكة ونورًا سماويًا".
القديس مار إسحاق يقول: "إن الإنسان الذي يغضب لا يستفيد لا من صلاة، ولا من صوم" وقال: "أن صلاة الغضوب مثل بذار وقع على الصخر"، وقال أيضًا: "أن الغضوب يستثمر من صلاته ما يستثمره الزارع في البحر من الحصاد"؛ أي لا يستفيد من صلاته شيئًا.
وقال أيضًا: "أن الذي يصوِّم فمه عن الغذاء، ولا يصوِّم لسانه عن الأباطيل، وقلبه عن الغضب والحقد، فصوم مثل هذا الإنسان باطل. حتى ولو كان يصوم يومين.. يومين أو أكثر بدون أكل". وقال أيضًا: "أن الغضب دليل على أن الإنسان خالٍ من العزاء الداخلي والخارجي، وخالٍ من سلام القلب".
_____________________
تعريف الغضب
الغضب: هو خطية مركَّبة، أي مجموعة كبيرة من الخطايا مندمجة بعضها في البعض الآخر.
فالإنسان الذي يقع في الغضب يبدأ أولًا في أن يثور ثم يرفع صوته وتتغير ملامحه وتصبح كملامح الشرير، وقد يشتم وقد يحرك يديه أو رجليه. كل هذه تجعل قلبه يمتلئ بعدم المحبة وبالحقد والمرارة. وإدانة الآخرين وعدم التسامح. وقد يستمر الغضب أيامًا فيتحول إلى الخصام والمكيدة وبالتالي يصبح قدوة سيئة لمن حوله من الناس.
والغضب من الناحية الطبية مُضرٌ جدًا.. فقد ذكر بعض العلماء أن الجسم أثناء الغضب يفرز سمومًا، وقد يفسر بعض الناس هذا الكلام بالتعبير العادي فيقولون: أن هذا الإنسان (تعكَّر دمه) أي غضب.
والغضب يسبب للإنسان أمراضًا كثيرة، أهمها أمراض السكر والأعصاب وضغط الدم. وقد لا يكون هو السبب المباشر لهذه الأمراض. أما الشخص الهادئ الوديع فتكون نفسه مستريحة وقلبه مملوءًا بالسلام وأعصابه هادئة، وقد صدق المسيح عندما قال: "طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض" (مت 5: 5).
القديسون فسَّروا هذه الآية قصدوا بها أرض الأحياء (ملكوت السموات) ولكن حتى لو اعتبرنا أن المسيح يقصد أرضنا هذه فواضح أن الوديع يكون محبوبًا هنا على الأرض؛ فيكسب هذه الأرض وأرض الأحياء معًا.
الغضب خطية شنيعة لا تليق بأولاد الله..
والسيد المسيح نفسه قيل عنه أنه كان وديعًا: "لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته" (مت 12: 19) وهو نفسه قال: "تعلَّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29).
وكأن المسيح يستطيع أن يقول: تعلَّموا مني أشياء كثيرة.. مثل الرحمة والخدمة، والكرازة والوعظ والتعليم والتبشير.. تعلَّموا مني كل خير وكل فضيلة، فالمسيح فيه كل الفضائل ولكنه قال: "وتعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم"، لأن الشخص الوديع الهادئ يجد فعلاً راحة لنفسه.
لأن الغضب يُفقِد الإنسان السلام الداخلي. فالغضب دليل على قسوة القلب..
فإن القلب الرحوم الطيب المملوء بالحنان والعطف على الآخرين وبالمحبة لكل الناس لا يغضب لأن المحبة تستر كثير من العيوب. أما الذي يغضب فهو إنسان قاس القلب ليس فيه محبة لمن يغضب عليه، وفي الغضب قسوة! وفي الغضب أيضًا كبرياء! فالمتواضع لا يغضب..
فقد قال القديس الأنبا دوروثيئوس: "أن المتواضع لا يَغضب من أحد ولا يُغضب أحدًا. لا يَغضب من أحد لأنه باستمرار يأتي بالملامة على نفسه، ويشعر أنه خاطئ وأنه أقل من كل الناس. بل يشعر أنه محتاج لبركة كل أحد، فلماذا يَغضب من الناس؟!".
في كل إساءة تأتيه من الآخرين يقول: أنا أستحقها بل وأستحق أعظم منها، كما حدث لداود النبي والملك فقد شتمه أحد الرجال وهو في ضيقته فتقدم رئيس الجند ليدافع عن داود الملك، فقال داود للجند: "دعوه وشأنه لأن الله قال لهذا الإنسان اشتم داود من أجل خطاياه" (2صم 16: 10).. ربنا سمح أنه يشتمني وأنا أستحق أكثر من ذلك.
الإنسان المتواضع لا يغضب فالغضب باستمرار مصحوب بإدانة الآخرين، ولذلك فالشخص المتكبر مصاب دائمًا بخطية إدانة الآخرين وبالغضب الشديد. فالإنسان الغضوب لا يلوم نفسه بل يدين الآخرين لأنه يتضايق من نقد الناس له وبالتالي يقع في خطايا كثيرة ولا يستفيد شيئًا من ثمار الروح القدس وأهمها: محبة، فرح، سلام. ولذلك قال الكتاب: "ليُرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف" (أف 4: 31).
_____________________
أنواع الغضب
تأمل القديسون كثيرًا في أنواع الغضب وخصوصًا الآية التي تقول: "من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم" (مت 5: 22). أي أن الذي يغضب على أخيه باطلاً يُعتبر قاتل نفس، أي أن هناك غضب للإنسان ليس باطلاً (أي له حق) وهناك غضب باطل.
القديس الأنبا بيمن تأمل بعض الوقت في عبارة يغضب باطلًا فقال: "كل غضب لأجل أسباب مادية أو أمور زائلة هو غضب باطل، فإذا انقضَّ عليك إنسان وأخذ جميع أموالك وغضبت يكون غضبك باطلاً لأنه غضب من أجل أمور مادية، ولو هجم عليك إنسان وضربك وأهانك وجرحك وغضبت يكون غضبك باطلاً لأنه من أجل أمور زائلة. أما إذا أراد إنسان أن يمنعك عن الإيمان السليم والالتصاق بالله وغضبت حينئذ لا يكون غضبك باطلاً". قال الكتاب المقدس: "ليُرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خبث" (أف 4: 31)، بعض الناس يعتقدون أن هذه الآية تخالف الآية التي تقول: "اغضبوا ولا تخطئوا" (أف 4: 16).
آباء الكنيسة القديسون فسروا هذه الآية تفسيرًا جميلاً فقالوا:
أن هناك حالة يغضب فيها الإنسان ولا يخطئ وهي؛ عندما يغضب على خطاياه الخاصة وعلى نقائصه وعيوبه وضعفات نفسه، حينئذ لا يخطئ إذا غضب على نفسه. فليس الغضب هو أن تغضب على الآخرين فقط ولكن قد تغضب على نفسك فقد يكون فيك عيوب كثيرة تستحق الغضب.. ونقائص كثيرة تستحق الغضب.
اغضب على الخشبة التي في عينك قبل أن تغضب على القذى الذي في عين أخيك. فإذا غضبت على نفسك الخاطئة لا تخطئ لأنه غضب فيه إصلاح لنقائصك، فإن غضبك على خطاياك يقودك إلى التوبة!
القديس يوحنا كاسيان عندما أراد أن يؤكد هذا المعنى قال: "إن بولس الرسول أخذ هذه الآية من المزمور الرابع الذي يقول: "اغضبوا ولا تخطئوا، الذي تقولونه في قلوبكم اندموا عليه في مضاجعكم"، أي اغضب على نفسك حينئذ لا تخطئ. فالذي تقوله في قلبك اندم عليه في مضجعك.. لا تطوي الليل دون أن تندم على خطاياك".
هذا ليس معناه أن نتمادى كثيرًا في هذا التفسير، فالغضب المقدس ممكن أن الإنسان يفعله من أجل الحق، ولكني أريد أن أقول لكم أن هناك فرقًا كبيرًا بين الغضب والنرفزة. فبعض القديسين غضبوا من أجل الحق ولكنهم لم يفقدوا أعصابهم.
أن تغضب ولا تخطئ تعني: أن تغضب بهدوء.. فإذا تنرفزت من أجل الحق يكون غضبك باطلاً، لأنه يوجد خطأ صاحب هذا الغضب، ولأن الحق لا يقول لك اِفقد أعصابك. وهذه النقطة شرحها معلمنا يعقوب الرسول في الإصحاح الثالث من رسالته فقال: "من هو حكيم وعالم بينكم، فليُرِ أعماله بالتصرف الحسن في وداعة الحكمة، ولكن إن كان لكم غيرة مرة وتحزُّب في قلوبكم، فلا تفتخروا وتكذبوا على الحق. ليست هذه الحكمة نازلة من فوق، بل هي أرضية نفسانية شيطانية لأنه حيث الغيرة والتحزُّب، هناك التشويش وكل أمر رديء وأما الحكمة التي من فوق فهي أولاً طاهرة، ثم مسالمة، مترفقة، مذعنة، مملوة رحمة وأثمارًا صالحة، عديمة الريب والرياء. وثمر البر يُزرع في السلام من الذين يفعلون السلام" (يع 3: 13-18).
أي لا يصِح لأي إنسان أن يتنرفز.. ويقول: أنا بتنرفز من أجل الكنيسة ومن أجل الحق! فالكنيسة لا توافق على النرفزة ولا توافق على الغضب ولا تسمح بأي تشويش وكل أمر رديء من أجل الحق. لأن هذه مغالطات تدخل في وسط الحق وينقلب هذا إلى غضب باطل رديء، وممكن للإنسان أن يدافع عن الحق في وداعة وفي حكمة لذلك يقول الرسول: "أيها الإخوة، إن انسبق إنسان فأُخذ في زلة ما، فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا بروح الوداعة" (غل 6: 1).
الإنسان الروحي يكون بعيدًا عن الغضب والسخط ومرارة القلب وعن كل هذه التصرفات الرديئة حتى ولو أصابه ضرر أو إن إِتهم ظلمًا. آباؤنا القديسون كانوا يُتَّهَمون ظلمًا وكانت تنسب إليهم أمور رديئة جدًا ولا يغضبون إطلاقًا بل يحتملون في صمت وفي هدوء.
_____________________
فضيلة الاحتمال
فضيلة الاحتمال فضيلة عجيبة، تُجنِّب الإنسان خطايا كثيرة.
لعلكم تعرفون قصة القديس بفنوتيوس وهو خليفة القديس مقاريوس الكبير الذي عرف الله منذ حداثة سنه ونبغ في القداسة والروحانية حتى أصبح حديث الدير كله وهو صبى صغير، فأُعجِب به القديس مقاريوس الكبير والقديس إيسيذوروس لتقدمه في الروحانيات إلى درجة كبيرة فحسده بعض الناس على هذه المكانة العظيمة. لدرجة أن أحد من الإخوة أراد أن يسبب له تهمة يوقعه فيها، فدبر له مكيدة خاصة بمخطوطات الدير.. وكانت المخطوطات في الدير قليلة وكان هذا الأخ له مخطوطة موجودة في قلايته وذهب إلى قلاية بفنوتيوس وخبأ المخطوطة تحت السعف ثم ذهب إلى الكنيسة وقال لهم: "سرقت المخطوطة الخاصة بي".
فاستغرب جميع الرهبان على هذه القصة وقالوا: لم تحدث سرقة أبدًا في وسط الدير! وقالوا له لا يمكن أن تحدث سرقة في الدير.. يمكن تكون نسيتها في مكان ما أو أعرتها لأحد من الرهبان. فقال: "أبدًا أنها سرقت مني ولم أعطها لأحد" وبعدما عمل ضجة كبيرة في الدير اقترح تفتيش جميع القلالي. فانتدبوا جماعة للتفتيش واستبقوا جميع الرهبان في الكنيسة إلى أن يتم التفتيش. فابتدأ جماعة الرهبان يفتشون قلاية قلاية إلى أن وجدوا المخطوطة في قلاية بفنوتيوس، ورجعوا إلى الكنيسة ووضعوها أمام الآباء وقالوا: وجدناها عند بفنوتيوس تحت السعف.
أما بفنوتيوس لما سمع هذا الكلام وهو بريء سجد إلى الأرض وقال: "صلّوا من أجلي أيها الإخوة لكي يغفر الرب لي". وبكى بكاءً شديدًا! فلما وجدوا توبته وبكاءه تراءفوا عليه وحرموه من الكنيسة أسبوعين فكان يقف على باب الكنيسة يتضرع إلى الداخلين والخارجين أن يصلّوا من أجله، ولم يدافع عن نفسه بل احتمل في هدوء.
وكان القديس الأنبا إيسيذوروس القس مشهورًا جدًا بإخراج الشياطين، فلم يحدث إطلاقًا أن قدم إليه إنسان عليه شيطان إلا وأخرجه ما عدا حادثة واحدة حدثت بعد مرور فترة من حرمان بفنوتيوس. وذلك لما رأى الله احتمال بفنوتيوس وعدم الدفاع عن نفسه وهدوء قلبه.. ضرب ذلك الراهب صاحب المخطوط الذي ظلم بفنوتيوس وسمح للشيطان أن يصرعه. فعندما تعب جدًا أحضروه إلى القديس ايسيذوروس ليصلِّي عليه وللمرة الأولى يصلِّي ولم يخرج منه الشيطان وذلك لأن الله قد أدخر هذه الحادثة ليرفع بها وجه بفنوتيوس، فسأل الأنبا إيسيذوروس هذا الأخ وقال: "ما هي خطيئتك؟ إن الشيطان لا يريد الخروج منك". فاعترف له هذا الأخ وقال له: "حل عليَّ كل هذا لإنِّي ظلمت بفنوتيوس" فقال: "هاتوا بفنوتيوس يصلِّي عليه" فأحضروا الرجل الممنوع من الكنيسة فصلَّى عليه فخرج منه الشيطان. الله هو الذي يدافع عنك هو الذي يحارب عنك "الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون" (خر 14: 14).
إذا إنسان أهانني.. وأنا اتنرفزت وشتمت تكون أخلاقي مثل أخلاقه، هو إنسان خاطئ وأنا أيضًا. هو خاطئ لأنه يغضب الآخرين وأنا خاطئ لأني عندي خطية الغضب، فلا يكون أحد أفضل من الآخر.
فضيلة الاحتمال فضيلة عظيمة.. الآباء القديسون كانوا يُمَرِّنون أبناءهم على الاحتمال بدروس وقصص شتى.
إلى عهد قريب في دير البراموس من مدة 40 إلى 50 سنة كان يوجد راهب طيب القلب وأب للرهبان جميعهم يسمى أبونا عبد المسيح المسعودي. كانوا يرسلون له الراهب الجديد ليمرِّنه على الفضائل المسيحية فكان أول حاجه يأمره بها هي كنس الدير، فكان الراهب يكنس الدير الذي مساحته فدان ونصف تقريبًا، إلى أن يتعب ويدوخ في آخر النهار. فيذهب لأبونا عبد المسيح ويسأله عما يفعله بعد ذلك. فيقول له: "اذهب ورش الدير كله بالمياه". ويمكث الراهب الجديد ما يقرب من ثلاثة إلى أربعة شهور بالدير دون يحفظ مزمورًا واحدًا. وعندما يذهب إلى الكنيسة مع الإخوة للصلاة وتوزع المزامير فلا يستطيع أن يشترك معهم لأنه لم يحفظ شيئًا. فيسألونه "لماذا لا تشترك معنا ولماذا لم تحفظ المزامير؟ ألم تحفظ مزمورًا واحدًا؟". فيحكي لهم قصته مع أبونا عبد المسيح. وعندما يذهبون ليسألوا أبونا عبد المسيح عن قصة هذا الأخ، وعدم تمرينه في الرهبنة وعدم حفظه للمزامير وقد مضى عليه ستة أشهر لم يحفظ مزمورًا واحدًا فيرد عليهم قائلا: "يا أولادي نعلِّمه الاحتمال هذه السنة، والسنتين المقبلتين يتعلَّم الطاعة، ثم بعد ذلك يتعلَّم التواضع، والمزامير لسه بدري عليها".
لذلك فإن هؤلاء القديسين عندما كانوا يصلّون بالمزامير كانت تخرج من قلب نقي. أما الآن فنحن نلاحظ أنه عندما يصلِّي أحد منا في حجرته ويبدأ في قول يا رب.. ويقرع أحد على الباب فيقول في نفسه: ماذا أفعل في هؤلاء الناس الذين يقرعون الباب ويعطلوني عن الصلاة؟ وقد يغضب من الطارق. وبعد لحظة يزداد قرع الباب فيزداد بذلك غضبه، ويترك الصلاة ثم يشتم في الطارق. ويوجه له كلمات توبيخ بصوت مرتفع قائلاً: أنتم مُتعِبون وأنا لا أستطيع الصلاة في مثل هذه الظروف في هذا البيت.. وسأترك لكم البيت وأذهب بعيدًا.. ثم يُحدِث ضجة كبيرة يكون نتيجتها ترك الصلاة وارتكاب أخطاء كثيرة.
هذا النوع من الناس لا يمكن أن نعتبره يصلِّي إلى الله لأن الذي يصلِّي لا يغضب بهذا الشكل، لأن الصلاة معناها الصِلة مع الله الوديع الهادئ.. ما دامت هناك صِلة فلا بد أن نتعلَّم منه هذه الوداعة وهذا الهدوء. فالوداعة والهدوء من الفضائل الهامة في حياة كل شخص. فنحن في بعض الأوقات نحب أن نُتقِن الصلاة والصوم قبل أن نُتقِن الوداعة والهدوء وطيبة القلب وعدم الغضب.
في العصور الأولى من مدة طويلة كانوا يُمرِّنون الراهب على فضيلة الاحتمال بطرقٍ صعبة كثيرة لو حدثت في أيامنا هذه لما احتملها الناس. فمثلاً.. يلقون خبزة في طريق راهب فعندما يراها لأول مرة يأخذها ويقبلها ويضعها على جانب الطريق، فيتعرَّض له أحد الشيوخ ويصفعه صفعة قوية ويقول له: "أنت مالك.. أنت هتعمل رئيس في الدير. رأيت خبزة ملقاة اتركها وشأنها لماذا تتدخل في شئون غيرك"، يحتمل الضرب ويسكت.. وفي ثاني يوم يضعوا له خبزة أخرى في طريقه أيضًا، فيفكر في نفسه ويقول: أتركها وشأنها ويسير في طريقه، فيتعرَّض له أب آخر ويصفعه مرة أخرى، ويقول له: "أليست هذه بركة؟.. أليست هذه نعمة ربنا؟ لماذا تتركها في الطريق؟".
طبعًا هذا التدريب فيه اختبار لهذا الراهب الجديد عن الاحتمال فإذا احتمل جاز هذا الاختبار ويسير في طريق الفضائل. أما إذا غضب بسرعة فيكون أمامه تدريب طويل في هذه الفضائل.
الآباء كانوا يبحثون عن فضيلة الاحتمال قدر طاقتهم.
فيُروى عن أحد الرهبان - كما ذُكر في بستان الرهبان - أنه ذهب إلى رئيس الدير وقال له: "يا أبي اطلقني من هذا المكان لأذهب إلى دير آخر" فقال له رئيس الدير: "لماذا يا ابني؟" فأجاب الراهب: "إن رهبان هذا الدير كلهم قديسون، أني أريد أن أتعلَّم الفضائل ولكني لم أستطع أن أتعلَّم من هؤلاء القديسين، فأنا أريد أن يشتمني أحدهم فأتعلم الاحتمال، أحدهم يهينني فأتعلَّم محبة الأعداء ومحبة المسيئين، لأني كيف أنفِّذ هذه الوصية التي تقول: "أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم" (مت 5: 44) كيف أبارك الذي يلعنني ولا يوجد أحد يلعنني. كيف أُحسِن إلى مبغضيَّ ولا يوجد أحد يُبغضني هنا. كيف أصلِّي لأجل الذين يسيئون إلي ولا أحد يسيء هنا إليَّ.. فاتركني أذهب إلى موضع آخر لكي أتعلَّم الفضائل".
_____________________
ما أعظم هؤلاء الناس الذين يبحثون عن خلاص نفوسهم، وليسوا مثلنا في هذه الأيام، لو أي إنسان وجَّه اللوم إليَّ، أو تكلم بأية كلمة خارجة، أضِج وأثور وأقول: كرامتي، كيف يهينني أو يشتمني إنسان؟! أنا أستطيع أن أفعل به كما أشاء.
ولكن يجب أن نعلم أن الغضب لا يتفق مع الكمال المسيحي.. فالإنسان المسيحي إنسان وديع لا يغضب ويرى فضيلة الاحتمال فضيلة جميلة. فأي إنسان لا يحتمل لا يستطيع أن يتقدَّم في أية فضيلة من الفضائل، ولا تظن أنك تستطيع أن تكسب فضيلة الاحتمال إذا ابتعدت عن الشر، فقد يكون الشر في داخلك (الغضب).
ومن القصص اللطيفة التي وردت عن الآباء.. أنه في مرة كان إنسان غضوب متضايق في معيشته جدًا فقال في نفسه: أنا أترك هذا المكان وأذهب إلى مكان آخر لعلي أستريح وأجد أناسًا هادئين لا يضايقونني، فتزول عني خطية الغضب. وبينما هو يلبس حذاءه رأى إنسانا آخر يلبس حذاءه فقال له: من أنت وماذا تفعل هنا؟ فقال له: أنا مقيم من أجلك في هذا الموضع.. فإذا ذهبت إلى مكان آخر فأنا أسبقك إليه، فعرف أنه شيطان الغضب. ففهم أنه لا بد أن يقاوم الغضب الذي بداخل قلبه قبل أن يبعد عن الناس.
وبعض الناس يفكرون عندما يتضايقون أن يغلقوا على أنفسهم الباب ويظنون أن الوحدة تمنع الغضب ولكن الغضب يستطيع أن يدخل حتى في الوحدة.
ويُروى عن أحد الرهبان أنه تضايق من الدير وغضب من بعض الإخوة فقال في نفسه: أنا أذهب في مغارة بعيدة وأسكن فيها بمفردي بعيدًا عن الناس، فجلس هناك ووضع إناء به ماء، فأراد الشيطان أن يغيظه فميَّل له القُلَّة فوقعت على الأرض وانسكب منها بعض الماء.
فقام الراهب وأعادها إلى مكانها، وبعدما تركها وجلس مكانه، وقعت مرة أخرى فسندها، فوقعت للمرة الثالثة فاحتد بالغضب وأمسك بالقلة وخبطها في حجر وكسرها، وبعد ذلك قال لنفسه: "هوذا أنا أيضًا بعيدًا عن الناس في الجبل وجاءني الغضب".
لذلك فإن الغضوب الذي يبعد عن الناس لا يمكن أن يستريح، لأنه قد يغضب من الجو- الحر أو البرد - ومن الطبيعة ومن أي صوت خارجي. لأن الغضب داخله وليس خارجه. فلا بد أن تقاوم الغضب الذي بداخلك لكي تستريح. أما الإنسان الذي يُهينك من الخارج فيجب أن تشكره لأنه يُظهر لك عيوبك. لأنك قد لا تستطيع أن تكتشف خطاياك. فإذا لم يضايقك أحد لا يمكن تكتشف خطية الغضب داخلك.
فإذا كنت تقابل أُناسًا كلهم قديسون، أحدهم يقابلك بمنزله فيقول لك: "أهلاً وسهلاً.. أهلاً بالرجل المبروك الطيب". والآخر يقابلك بالطريق فيقول لك: "صلِّ عنّي".. والثالث عندما تتكلم معه يقول لك: "أنا محتاج لبركاتك ودعواتك.." هل تستطيع أن تتعلَّم فضيلة الاحتمال من هؤلاء الناس؟! طبعًا لا. ولا تستطيع بواسطتهم أن تكشف عما في داخل نفسك.
الله في بعض الأوقات يسمح أن واحد يضايقك لكي يعرف ما بداخلك. فإذا أخرجت الغضب من داخلك فلا تتضايق منه بل تتضايق من نفسك، وأُشكره لأنه كشف لك حالتك وأظهر لك عيوبك، مثل الطبيب الذي عندما يكشف عليك ويقول لك: "عندك قذارة في المعدة". هل تمسك رقبته وتخانقه؟! وتقول له: إنك تشتمني.. طبعًا لا، لأنه يقول لك الحقيقة ويصف لك المرض. كذلك الشخص الغضوب عندما يظهر على حقيقته يجب ألا يتضايق من الذي أغضبه أو كشف له عن حالته.
أحد القديسين شبهها تشبيه لطيف، فقال: عندما تُحضِر إناء مملوء سائل كريه الرائحة جدًا ومغطَّى بغطاءٍ محكم، فإذا فتح أحدهم الغطاء ستفوح الرائحة النتنة. هل يكون الشخص الذي رفع الغطاء هو الذي وضع النتونة في السائل. طبعًا لا. كذلك قلبك إذا كانت فيه قذارة وانكشفت فستظهر رائحتك، فإذا كان عندك مرض الغضب وأظهره الشخص الذي قال لك كلمة فأغضبتك، فليس معناه أن هذا الشخص هو السبب.
فمتاعب الناس يمكن أن نقول عنها أنها مرآة روحية تُظهِر لنا ذواتنا على حقيقتها. والناس المجاملون والمتملِّقون لا يُظهرون لنا ذواتنا على حقيقتها. ولكن إذا كلَّمك أحد الناس كلمة صعبة، فأُنظر منها إلى شعورك وإحساسك، فإذا لم تغضب فأنت إنسان هادئ، وإذا غضبت فأنت عديم الاحتمال. وأول ما تكتشف عيب في نفسك، أغضب على هذا العيب ولا تغضب على من كشف لك هذا العيب، إذا كنت محبًا لخلاص نفسك.
مرة واحد رأى إنسان يحمل ميتًا لكي يدفنه فنظر إليه وقال له: "أتحمل ميتًا؟.. اذهب واحمل الأحياء. لأن حمل الإنسان الحي أصعب من حمل الإنسان الميت!!".
بعض الناس لا يحتملون من أجل كرامتهم. ويقول في نفسه: "أنا لا يمكن أن أكون ضعيفًا أمام الذي يهينني". أما الكتاب المقدس فأظهر لنا أن الشخص الذي يحتمل أقوى من الآخر فقال: أطلب إليكم أيها الأقوياء أن تحتملوا ضعف الضعفاء.. (رو 15: 1).
فأنت يجب أن تحتمل غيرك وأن تعرف حقيقة مهمة، هي أنك لا تستطيع أن تصلِّي صلاة حقيقية، إذا كان قلبك فيه غضب. فنحن في الكنيسة قبل أن نبدأ قداس القديسين، لا بد أن نصلي صلاة الصلح لكي نكون في صلح مع الله، ومع الناس أيضًا ونقول: "اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نقبل بعضنا بقبلة مقدسة لكي ننال بغير وقوع في دينونة من مواهبك غير المائتة السمائية".
أي إذا أردت أن تتناول من مواهب الله غير المائتة السمائية (الأسرار المقدسة)، ينبغي أن تكون في صُلح مع الناس، والكتاب يقول: "فإن قدَّمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك، فاترك هناك قربانك قدَّام المذبح، واذهب أولاً اصطلح مع أخيك" (مت 5: 23، 24).
والآباء القديسون قالوا: إذا قدَّمت قربانك على المذبح، ليس معناها التناول فقط بل معناها أي صلاة لله، فالله لا يقبل صلاة من إنسان حاقد على غيره ولا يقبل صلاة من إنسان غضبان من غيره، لأنه يقول لك: "اغفر لإخيك وأنا أغفر لك".
والسيد المسيح نفسه عندما علَّمنا الصلاة الربانية لم يعلِّق على شيء منها إلاً هذه الطلبة وحدها: "اغفر لنا كما نغفر نحن أيضًا".. فقال: "وإن لم تغفروا للناس زلاّتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاّتكم" (مت 6: 15). فإذا كنت غضبان على غيرك معناه أنك لم تغفر له بعد.. فالغضب وعدم الرضى على غيرك يمنع عنك مغفرة خطاياك.
وأتذكَّر في إحدى المرات جاءتني سيدة لها ابن جاء للرهبنة، وظنت أنَّني سبب تشجيعه للرهبنة، وقالت لي: "أنا متضايقة منك وسوف لا أسامحك" فقلت لها: "لكن أنا مسامحك"، وجلسنا نتفاهم في هذا الموضوع وقلت لها: "ربنا يقول إن لم تغفروا لا يُغفر لكم" فإذا خرجتِ من هنا وأنت متضايقة ولم تسامحيني بعد، فربنا سوف لا يسامحك. لكن أنا مسامحك وبالتالي ربنا يسامحني". فاقتنَعت بكلامي واصطلحنا، وابنها أصبح راهبًا.
فالمهم أن كل واحد منّا يجب أن يغفر للآخر ولا يتضايق من أي أحد. كن إنسان هادئ ووديع وطيب وليِّن مع الناس، فالجواب الليِّن يصرف الغضب.. الناس تحب الوديع وإن أخطأ إليهم، وتكره الغضوب ولو أحسن إليهم.
_____________________
درجات الغضب
الغضب له درجات؛ فأول درجاته الاضطراب ثم التهيُّج ثم الغضب نفسه، أخيرًا الحقد.
والآباء القديسون فسَّروا هذه الدرجات وقالوا: إن الكلمة الصعبة التي يقولها لك أخوك وتضايقت منها مثل قطعة فحم ملتهبة؛ إن مرَّرتها بسلام ذهبت، وإن ظللت تقول: كيف يقول لي هكذا، وما قصده؟ وتصنع حكاية. فكأنك تضع وقودًا على قطعة الفحم فتدخِّن، والدخان هو الاضطراب. وإذا واصلت الكلام وقلت: كيف يقول لي هذا الكلام الصعب وأنا لازم أؤدبه. ولا يمكن أسمح بأن تمر الحكاية بسلام. وهذا يشبه شخص ينفخ في قطعة الفحم فيزيدها التهابًا. وهذا اللهيب يُسمَّى الغضب، وإذا زاد الغضب فإنه يتحوَّل إلى حقد. وأنت تكون المسبِّب لكل هذه الدرجات.
الأشخاص الودعاء يمرِّرون الأمور كلها بسلام، والحكماء جدًا يبحثون عن فضيلة الاحتمال ويجدونها.
يروي القديس أثناسيوس الرسولي أن امرأة من النبيلات أتته مرة طالبة أرملة لكي تعينها، فأرسل لها أحسن أرملة في الكنيسة، امرأة وديعة محبة مسالمة، وبعد يومين أعادتها للأنبا أثناسيوس وقالت له: أنها لا تصلح. ففكر كثيرًا ثم أعطاها أصعب أرملة في الكنيسة؛ أرملة صخّابة كثيرة الصياح، كثيرة الضجيج، كثيرة النزاع، كثيرة الخصام، عالية الصوت.. فعندما أخذتها إلى منزلها وطلبت منها عمل شيء كانت لا تطاوعها بل تعاندها فتسكت وتحتمل، وإذا قالت لها أي كلمة ترد عليها بكلمتين أو أكثر فتحتمل. لدرجة أن الأرملة أصحبت تتخانق معها والسيدة لا تتكلم بل احتملت إلى أقصى درجة وبذلك اكتسبت فضائل كثيرة من الاحتمال. ثم أرجعت الأرملة إلى القديس أثناسيوس وقالت له: "أنا أشكرك كثيرًا لأني استفدت من هذه الأرملة".
وكل شخص يبحث عن خلاص نفسه لا بد أن يتعلَّم فضيلة الاحتمال.
_____________________
تصريف الغضب
إذا وجد الغضب طريقه إلى قلبك فلا تجعله يخرج من فمك بل صرف الغضب تصريفًا داخليًا وليس تصريفًا خارجيًا لأن التصريف الداخلي سيتم بينك وبين نفسك، ولكن عندما يخرج خارجًا جائز يعمل لك سوء تفاهم مع الآخرين، وربما تُصلِح الغضب في نفسك ولكنك قد لا تستطيع إصلاح العلاقة السيئة التي حدثت مع الناس. فالإنسان الهادئ والوديع يستطيع أن يحتمل ويصرف الغضب، ولا يرد الشر بالشر بل يتبع كلام الكتاب المقدس الذي يقول: "لا يغلبنَّك الشر بل اغلب الشر بالخير" (رو 12: 21).
فإذا سمعت كلمة صعبة وتضايقت، معناها أن الشر غلبني، بل الكلمة الصعبة نفسها غلبتني، ونتيجة لذلك أقع في خطية الغضب، فإذا كان أحد يشتمك أو يهينك أو يكلمك بكلام الشر.. لا تجعل الشر يغلبك بل اغلب الشر بالخير، واجعل هذه الآية أمامك في كل حين حتى لا تقع في خطية الغضب.
والعجيب أن الناس عندما يقعون في الشر، يحاولون أن يبحثوا في الكتاب المقدس على آية تسندهم. فبعضهم يعترض ويقول أن المسيح قال: "بل من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر" (مت 5: 39). وفي نفس الوقت عندما لطم عبد رئيس الكهنة المسيح قال له السيد المسيح: "إن كنت قد تكلمت رديًا فاشهد على الردي، وإن حسنًا فلماذا تضربني؟" (يو 18: 23). وبالتالي يقولون المسيح عندما لطمه عبد رئيس الكهنة تكلم ولم يصمت. ولكن قبل أن نحكم على الظروف التي قيلت فيها هذه الآية يجب أن نفهمها جيدًا.
أولًا: لم يكن هذا العبد هو الوحيد الذي لطم السيد المسيح. أشخاص كثيرون قد لطموه ومع ذلك لم يتكلم، بل ظل صامتًا، لذلك نقول في القداس الإلهي: "خديك أهملتهما للطم.. ولم ترد وجهك عن خِزي البصاق". كما ذكر الكتاب المقدس: "كشاة تساق إلى الذبح لم يفتح فاه" (إش 53: 7). وقال أيضًا: "أنهم كانوا يلطمونه ويقولون له: تنبأ من لطمك" (مت 26: 68). ولم يتكلم!
ولكنه تكلم في حادثة عبد رئيس الكهنة لأن هذا العبد أقحم نفسه واشترك معهم في اللطم بدون أن يفهم أي شيء عن الموضوع. وجدهم يلطمونه بشدة فقال: أنا أيضًا لماذا لا أصفعه؟! رؤساء الكهنة كانوا حاقدين على المسيح لأن الكل قد سار وراءه، ولم يعد لهم مجد عند الشعب، فلهذا الحسد والحقد أرادوا أن يقتلوه، ليعيدوا التفاف الشعب حولهم. لكن العبد ليس له أي دخل، وليس بينه وبين المسيح أي خلاف. فالمسيح يقول له: تعال يا حبيبي نتفاهم، لماذا تقحم نفسك في هذا الموضوع؟ وتعرض نفسك للهلاك؟! فإن كنت تعرف عنِّي خطية معينة فاذكر هذه الخطية، بل واشهد عليها. أما إن لم تكن تعرف عني أي شر فلماذا تعرِّض نفسك للهلاك بضربك لي دون سبب، وأنا خائف على روحك.. من جهنم.. أنها ستهلك، أما بالنسبة لي فإني تلقيت مئات من اللطمات وسأتحمَّلها من أجل خلاص العالم. وقد تكون هذه الكلمة نافعة لهذا العبد لكي يتوب. وتأكدوا أن كل شخص كلَّمه المسيح أي كلمة أثَّرث فيه بل وأثمرت، إذا كان قلبه مستعدًا فهي نصيحة يقدِّمها المسيح إلى العبد وليست نوعًا من أنواع الانتقام، ولأن المسيح لو أراد الانتقام لكان طلب هذا من أجل راجميه وصالبيه، فلا بد لنا أن نفهم تصرفات المسيح بروح المسيح الوديعة، وليس بروحنا.
فعندما تصرِف الغضب لا يجب أن يخرج الداخل إلى الخارج بل ضع حدودًا لهذا الغضب.
القديس دوروثيئوس تكلم عن أنواع مقاومة الشر بالشر فقال: أنه عندما يصفعك إنسان قد تصفعه بالمثل وهذه مقاومة بالفعل. وهناك آخر عندما يُهان يرد الشر بكلمة شريرة، وهناك آخر قد لا يتكلم مطلقًا ولكن يعبر بإشارة أو إيماءة أو نظرة فيها غيظ أو نظرة احتقار أو قد يحرك شفتيه في ازدراء أو بعض الملامح تعبِّر عن أنه تضايق. هذا أيضًا قاوم الشر بشر لأنه انفعل داخليًا، وهناك إنسان لا يقاوم الشر بالشر لا بالفعل ولا بالقول ولا بالإشارة. وإذا سمع بأي شر حدث لصديقه لا يفرح بل يحزن لأجله لأنه لو فرح فإنه أيضًا قاوم الشر بالشر بعاطفة فرحه (شمت فيه).
وهناك إنسان آخر لا يقاوم الشر بالشر بأي طريقة ولا يفرح لسقوط عدوه ولا يحزن لفرحه، ولكن إذا حدث في يوم من الأيام أن عدوه أهانه أو اتعبه يتذكَّر الخطية القديمة ويغضب منه من أجل الاثنين معًا، ومثل هذا الإنسان لم يصرف الغضب تمامًا بل أن الغضب راسبٌ في أعماق نفسه وهذا يشبه الدواء الذي تُحضره من الصيدلية، فيقول لك رُج الزجاجة قبل الاستعمال، لأن الدواء سائل رائق من أعلى وراسب في أسفل الزجاجة، عندما ترُج الزجاجة تتعكر كلها من أولها إلى آخرها. وهذا الإنسان من هذا النوع يظهر لك أنه رائق وهادئ ولكن توجد أشياء راسبة في أعماقه، عندما ترُجه (تُغضبه) يتعكر. هذا الإنسان لم يغفر بعد ولم يصفُ بعد لأنه لم يصرِف الغضب.
إن لإزالة الغضب طريقتين: طريقة التصريف، وطريقة الترسيب.
إمّا طريقة الترسيب؛ وهي ناقصة لأن هناك رواسب في القاع قد تثير مشاكل فيما بعد مثل الجرح الذي لم يتم شفاؤه تمامًا، أقل خدش له يتعبه.
إمّا طريقة التصريف؛ وهي طريقة جميلة لأن القلب يصبح نقيًا تمامًا من الغضب.
_____________________
تداريب لعلاج الغضب
1- هدوء الصوت.. وينقسم هدوء الصوت إلى قسمين
أ) علو الصوت
أول شيء تمرِّن نفسك عليه هو أن تقاوم علو الصوت، وهناك أناس أصبح صوتهم عاليًا بطبيعتهم من كثرة صياحهم. ويوجد مَثَليْن عامِييْن يقالان في الريف، فعندما ينتقدوا موضوعًا يقولون: (أنتم طَّلعتوا حسنة برَّه)، والمثل الآخر عندما يصيح أحدهم يقولون: (أنتم جرَّستونا). وكلمة جرَّستونا معناها: صوتكم مثل الجرس، أي الصوت عالي جدًا. لذلك السيد المسيح قيل عنه: "لا يخاصِم ولا يصيح، ولا يَسمع أحد في الشوارع صوته" (مت 12: 19). فأنت لا بد لكي تقاوم الغضب أن تقاوم أولًا علو الصوت. فمهما تضايقت أو تعبت فدائمًا الرد أو الكلام يكون بصوت منخفض.
ب) حدة الصوت
في بعض الأصوات يكون الصوت منخفض ولكنه حاد. فمثلا أحد الأشخاص يقول للآخر: لماذا تفعل هكذا؟ وتكون بنبرة شديدة فيها عنف. فابتعد أيضًا عن عنف اللهجة، وحاول أن تكون لهجتك هادئة وصوتك منخفض وإن لم تستطع أن تهدئ نفسك قبل الكلام انتظر هُنيْهة إلى أن تهدأ تمامًا ثم إبدأ في الكلام، وإن لم تستطع أن تهدئ نفسك فلا تتكلَّم مطلقًا، لأن الكلام سيكون فيه أخطاء، بل قد يسبب أخطاء مع الآخرين. فالكتاب يقول: "ليكن كل إنسان مسرعًا في الاستماع، مبطئًا في التكلم، مبطئًا في الغضب، لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله" (يع 1: 19، 20).
2- هدوء الملامح
الإنسان وهو في حالة غضبه يكون منظره مُفزع مكشَّر.. مُقطِب الجبين، على جبهته ثلاثة أو أربعة أسطر، جاحظ العينين، أحمر الوجه، شكله مخيف أقرب إلى الوحشية. وأنا ذكرت تدريب بسيط لبعض الناس لكي ينفِّذوه فقلت لهم: "كل واحد منكم يدخل إلى حجرته الخاصة ويُغلق الباب وينظر إلى المرآة ثم يُكشِّر كما لو كان في حالة غضب ليرى منظره فإذا وجد شكله مخيف أو اِشمئز من منظره ولم يستطع أن يحتمل هذا المنظر يقول لنفسه: "مساكين الناس القادرين أن يحتملوني".. وفعلاً أي أحد غضوب يكون شكله مخيف، يفقد صورته الإلهية وتصبح صورته مثل الوحوش، فوجوه الملائكة نضرة وبشوشة.
وأنا اذكر قلت مرة للناس: أنك عندما تصيح أمام أي طفل صغير بعض الوقت تجده يبكي، ولكنه لا يبكي بسبب كلامك له لأنه لا يفهم هذا الكلام لصغر سنه، لكنه يبكي بسبب المنظر المخيف الذي أمامه من وجهك المفزِع وعينيك الجاحظتين الذي تكلمه به. ولو تكلمت مع نفس الطفل بنفس الكلام وأنت مبتسم تأكد أنه لا يبكي، لذلك تذكر دائمًا أنه أثناء غضبك يكون منظرك مُفزِع ولا يُرضي أحدًا. وهل تستطيع في ذلك الحين أن تقول أن هذا الإنسان على صورة الله ومثاله؟
لا بد أن تحتفظ بصورتك الملائكية الجميلة التي خلقك الله بها، فإذا غضبت حاول أن تهدئ ملامحك. وإذا وجدت نفسك مكشرًا أرح ملامحك حتى ترجع إلى وضعها الطبيعي. وإذا وجدت عينيك جاحظتين اجعل نظرتك طبيعية وإن لم تستطع ذلك تكلم في نفسك متذكرًا المنظر المخيف الذي يشبه الوحوش الضارية!!
3- هدوء القلب
يأتي هدوء القلب بطرق كثيرة..
أول طريقة هي تهدئة القلب بالتدريج؛ فالبعض يأتيهم بالتدريج والبعض يأتيهم دفعة واحدة.
هناك إنسان يكون غضوبًا يأخذ مدة زمنية لكي يتخلَّص من الغضب.. ومن أمثلة هذا القديس الأنبا موسى الأسود الذي كان قاتلاً وزعيمًا لعصابة لصوص وكان بالطبع غضوبًا. وعندما تاب وذهب إلى الدير كانت طباعه القاسية ما زالت موجودة في قلبه، فحدث في يوم من الأيام أن هجم عليه أربعة لصوص. وكان الأنبا موسى ضخمًا وقويًا جدًا وشكله مخيف لدرجة أن خاف منه القديس إيسيذوروس عندما قابله لأول مرة، فلما هجموا عليه تغلب عليهم وقيدهم بحبل وحملهم على ظهره وذهب بهم إلى الكنيسة.. تصوروا إنسان يمسك أربعة لصوص ويربطهم بحبل ويحملهم على ظهره!! لا بد أنه كان إنسانًا جبار بأس. فقال للآباء: "ماذا أعمل بهم؟". فقالوا له: "سامحهم واتركهم".
وفي يوم من الأيام دعوا الأنبا موسى ليحضر مجمعًا من المجامع وعندما دخل تكلم أحد الحاضرين قائلاً: "ما الذي أتى بهذا الأسود ليجلس بيننا؟" فسكت الأنبا موسى، وعندما خرج سأله أحد الشيوخ المجاورين له وقال له: "ألم تضطرب؟" فأجاب قائلاً: "في الواقع أني اضطربت من الداخل ولكني لم أسمح للغضب أن يخرج خارجًا"، وبعد ذلك وصل الأنبا موسى إلى حالة الهدوء القلبي التام، الذي لا يضطرب فيه داخليًا ولا خارجيًا أبدًا.
ففي يوم أخذه الأنبا إيسيذوروس ليرسمه قسًا على الرغم منه بخدعة فلما ذهب به إلى البابا ثيؤفيلوس أراد البطريرك أن يختبره، فقال لهم: "إذا حضر الأنبا موسى اطردوه"، فعندما حضر الأنبا موسى قالوا له: "اذهب يا رجل يا أسود.. من أوقفك في وسطنا؟". ففي الحال ذهب خارجًا وهو يقول لنفسه: "حسنًا فعلوا بك يا أسود اللون يا رمادي الجلد. ما دمت لست بإنسان فلماذا تقف بين الناس؟".
فلما رأوا وداعته وهدوءه، أرسلوا طلبوه فرجع مرة أخرى. ورجوعه هذا يعتبر عملاً أكبر من سكوته لأن هناك إنسان عندما يزعل يرفض أن يصطلح بسرعة، ويقول في نفسه: كيف أرجع؟! يهينوني وأرجع من غير ما يعتذروا لي. ولكن الأنبا موسى كان قد مات عن هذه الأمور الزائلة ولذلك لم يتأثر ولم يضطرب.
في الواقع يا إخوتي أن شيطان الغضب أحيانًا كثيرة يتمشَّى مصطحبًا شيطان المجد الباطل..
وهذا معناه أن الإنسان الغضوب في غالبية الأحوال يكون إنسان محب للكرامة ومحب للمديح. فأي موضوع يصطدم برأيه.. يصطدم بكرامته أيضًا فيثور من أجلها. فالإنسان الذي يميت شيطان الغضب ينبغي أولاًا أن يقضي على المجد الباطل بداخله، لأن شيطان المجد الباطل عندما يهينك أحد سيكلمك قائلاً: "إزاي الناس يعملوا فيك كده، إزاي يهينوك. أنت تستطيع أن تقضي عليهم لأنك أفضل منهم".
ثاني طريقة لتهدئة القلب هي لوم النفس؛ فالإنسان الذي يلوم نفسه لا يلوم غيره، فسبب الغضب هو أنك تحاول أن توقع اللوم على غيرك ولا تلوم نفسك. فإذا وصلت إلى فضيلة لوم النفس يبتعد عنك الغضب بسرعة.
في مرة من المرات ذهب البابا ثيؤفيلوس البطريرك الـ 23 إلى جبل نيتريا وكان جبل خاص بالمتوحدين يسكنه كثير من الرهبان القديسين، وقابل أب الجبل (رئيس الرهبان)، وقال له: "ما هي أعظم فضيلة أتقنتموها في هذا الزمان الكبير كله؟" فأجابه: "صدقني يا أبي لا يوجد أفضل من أن يرجع الإنسان بالملامة على نفسه في كل شيء". أي أنه إذا كنت أنت بارًا في عيني نفسك يظهر لك أن جميع الناس مخطئين، وإذا كنت خاطئ في عيني نفسك تشعر أن الجميع أبر منك ولا تغضب من أحد.
ولذلك يقول مار إسحاق: "أنه إذا ما تأسست فيك أفكار الاتضاع، أول شيء يؤخذ منك هو الضجر ويعطي لك شعور شكر دائم، وتشعر باستمرار بعدم استحقاقك لأي خير، بل مستحق لكل الشرور التي تأتي عليك. ويظهر لك أن الجميع أبر منك بل أنت أكثر خطية من كل أحد، ولا تغضب من أحد ولا أحد يُغضبك.
أما إذا لم تكن متواضعًا فستشعر أن الجميع أساءوا إليك، ويتحرك فيك الغضب من جهة الناس وتشعر أن أكثر الناس قد سلبوا حقوقك، وبالتالي لا يمكن أن تشكر في كل الأحوال... فالتواضع في الحقيقة يتمشَّى مع عدم الغضب.
أحد القديسين قال: "أن الشخص المتواضع لا يَغضب من أحد ولا يُغضب أحدًا؛ فهو لا يَزعل من أحد ولا يُزعِّل أحد". فإذا أردت علاجًا قويًا للغضب ينبغي أن تسلك في طريق الاتضاع وتلوم نفسك باستمرار.
ثالث طريقة هي سعة القلب: بعض الناس تجد صدرهم ضيق يتضايقون بسرعة، ليس لأن السبب يستحق الغضب وإنما لأتفه الأسباب يثورون.
أحد الناس شبه هذه المسألة تشبيه لطيف فقال: عندما تُحضِر قطعة من طين وتضعها في طبق به ماء، تجد أن الماء تعكَّر كله، لكن إذا أتيت بنفس القطعة وقذفتها في المحيط فإنها لا تؤثر فيه. فهل أنت قلبك في سعة الطبق أم في سعة المحيط؟! قيل عن سليمان الحكيم: "وأعطى الله سليمان حكمة وفهمًا كثيرًا جدًا، ورحبة قلب كالرمل الذي على شاطئ البحر" (1مل 4: 29) فكان قلبه واسعًا. وعلى رأي المثل (يجرى فيه الناس بالحصان) وكان طويل البال جدًا..!
وأتذكر قصة حدثت لي شخصيًا عندما كنت مدرسًا جديدًا بمدارس الأحد.. ولم أكن هادئًا بل كان عندي بعض الغضب. وعندما ابتدأنا مدارس الأحد بالصلاة وفي أثناء تلاوة قانون الإيمان خرج ولد من وسط الصفوف وصاح بصوت مرتفع ثم جري، فتحركت في نفسي الغيرة المقدسة.. وقلت: أذهب وراء هذا الولد لكي لا يفعل ذلك مرة أخرى.
وأول ما تحركت من مكاني كان المدرس الذي يقود الصلاة اتجه ناحية الولد، فقلت في نفسي: "حكيم هذا المدرس ومتيقظ جدًا، لا بد أنه سيذهب ليعاقبه".
وبمجرد أن وصل إليه وضع يديه على كتفيه وظل واقفًا وراءه ومكملاً الصلاة قائلاً: "نعم نؤمن بالروح القدس.. إلخ". فقلت في نفسي مرة أخرى: "هذا المدرس أحكم مني، لا يريد حدوث شوشرة في أثناء الصلاة إلى أن ينتهي الدرس فيعاقب التلميذ".
وعندما انتهى الترتيل، انتظرت تصرفه مع هذا الولد فوجدت أنه ذهب إليه وقال له: "يا حبيبي فصلك فين؟" فقال له: "هناك". فربت على كتفه بحنان وقال له: "اذهب إلى فصلك" أي لم يعمل معه أي شيء.
ثم أخذت درسًا عظيمًا من هذا المدرس وقلت في نفسي: "أنا لو تحركت بغضب، كنت أعثرت هذا الولد، بل أعطيت مثل سيء لباقي أطفال مدارس الأحد". فلا بد أن يكون الإنسان طويل البال وهادئ ولا يصنع من كل كلمة مشكلة.. فتدريب الأولًاد في مدارس الأحد يحتاج إلى طول البال وتدريب الناس الكبار يحتاج إلى طول بال أكثر.
بعض الناس يعالجون الغضب بخطأ آخر أو يعالجون الخطأ بغضب.
ومن القصص المشهورة أن البابا يوأنس الـ19 كان يزور الأديرة كثيرًا ويجلس مع الرهبان. ففي مرة من المرات كان موجودًا في أحد الأديرة وسمع كلامًا بصوت مرتفع، فعندما سأل عن ذلك ذكروا له أن هناك اثنين من الرهبان مختلفين مع بعض، فأرسل لهما رُبِّيطة الدير(أمين الدير) وقال له: اذهب يا أبونا جرجس هدئ الرهبان.. فذهب أبونا جرجس ووبخهم قائلاً: ماذا تفعلون هنا؟ ولماذا ترفعون أصواتكم وأبونا البطريرك موجود، وأخذ يتكلم بصوت مرتفع مؤنبًا إياهم على هذه الضوضاء.. فرجع فقال له البطريرك: ما الذي فعلته؟ أنا أرسلتك لكي تهدئ الرهبان الذين يصيحون وإذا بك تصيح مثلهم؟! لأنه في طريقة تهدئته لهم صنع شوشرة كبيرة ولم يتكلم بهدوء.
وهذا الأمر ألاحظه كثيرًا في حفظ الهدوء في الكنائس، فتجد أن طريقة التهدئة نفسها تكون سبب شوشرة أكثر من الخطأ الموجود. فإذا بكى طفل مثلاً تجد أن أكثر من 30 شخص يحاولون أن يهدئوه بأن يقولوا: (هس.. هس). فينتج عن ذلك صوت أكثر من بكاء الطفل ولذلك لا يصح حفظ النظام والهدوء بالشوشرة.
وطريقة الإصلاح لأي موضوع لا يصح أن تكون هي طريقة الغضب، بل ضع مبدأ أمامك أنك عندما تصلح شيئًا فاتبع الطريق السليم طريق الحكمة وطول البال.. تأكد أن الغضب والصياح هما سلاح الشخص الضعيف وقليل التصرف.
فالشخص الذي يستطيع أن يتصرف بحكمة ويستخدم طول البال والهدوء، يستطيع أن يحل أية مشكلة بطريقة سهلة، لكن قليل التصرف والغضوب يتسرع في تصرفه فيصيح ويغضب وبالتالي لا تُحل المشكلة بل تتعقد أكثر. وأي واحد ممكن أن يصيح ويغضب، فممكن إذا أثار أخوك الأصغر مشكلة وتريد أن تعالجها فأسهل طريقة أن تضربه!! ولكن الشخص الحكيم يفكر كيف يكسب هذا الولد الصغير بمحبة، بل ويزيل أسباب المشكلة نهائيًا بحكمة بدون أن يضرب أحدًا أو يغضب من أحد.
نجد بعض خدام الكنيسة يكون فيهم إنسانًا غضوبًا في البيت. وأما في الكنيسة فإنه يسيل رقة وعذوبة ولطفًا لأطفال مدارس الأحد مستخدمًا كلمات (يا حبيبي، يا عزيزي..) ويصبح هادئًا من أجل الأطفال في مدارس الأحد، أما في البيت فعبارة عن إنسان عنيف. وتكون له شخصيتان: في المنزل الشخص الغضوب، وفي مدارس الأحد الشخص الوديع الهادئ الطيب اللطيف. والشخصيتان لإنسان واحد!!
وهذه الحالة نشاهدها في كثير من الناس، فعندما يذهب أحدهم إلى الكنيسة يلبس ملابس القديسين وبمجرد خروجه منها ينزعها عنه ويظهر بصورته المفزعة!! وهذا طبعًا غير مقبول ولا يُرضي الله. فحاول أن تكون في البيت، أو في الشارع بشخصية واحدة كما هي في الكنيسة.
ورابع طريقة لهدوء القلب طريقة التفاهم؛ وهي من ضمن الطرق التي تمنع الغضب، فلا تحكم على أي إنسان حكمًا سريعًا بل حاول أن تفهم ما يقصده أثناء حديثه معك ولا تتسرع بالنتيجة أو الحكم، وإن اخطأ في حديثه حاول تتفاهم معه بهدوء لأن الإسراع في الحكم قد يؤدي إلى تغيير فهم ما يقصده. وبالتالي قد يثير الغضب بينكما، وعند معرفة الأسباب التي أدَّت إلى هذا الكلام سواء أسباب عادية أو قهرية قد تهدئ من التصرف الناتج. فحاول باستمرار أن لا تغضب ولا تشابه الذين يغضبون، ولا ترد على الغضب بغضب مثله.
بل كن هادئ الطبع مسرعًا في الاستماع مبطئًا في التكلُّم مخفِضًا صوتك بقدر ما يمكنك، هادئ الملامح، هادئ القلب، واسع الصدر، مقتنيًا فضيلة الاحتمال.
والرب قادر بصلاتك وبصبرك أن يجعلك إنسانًا هادئًا وديعًا.
ساهرون من أجل خلاص أنفسهم
ساهرون من أجل خلاص أنفسهم[1]
إن سهر الجسد، وسيلة لسهر الروح. لكن المهم هو سهر الروح.
والمقصود بسهر الروح هو أن يكون الإنسان قلبه مستيقظًا، وروحه ساهرة، مهتمًا بخلاص نفسه وحياته الروحية، منتبهًا للحروب الخارجية والداخلية، يراقب كل خطية تأتيه، ويهتم - بإفراط شديد ويقظة قلب - حتى لا يهزمه الشيطان!
الإنسان الذي يعيش في غفلة، يمكن أن يقع في الخطية، سواء وهو يحس أو لا يحس، ولا يستطيع أن يقيم نفسه!
قيل عن الرعاة الذين حضروا ميلاد المسيح، "أنهم كانوا يحرسون حراسات الليل".. بمعنى أنهم كانوا ساهرين على الرعية، حتى لا يهجم عليها عدو الظلام.. ولذلك كانوا ساهرين لئلا يأتي عدو في الظلام.
وفي نشيد الأنشاد، يقول: "هوذا تخت سليمان حوله ستون جبارًا من جبابرة إسرائيل.. كلهم قابضون سيوفًا ومتعلِّمون الحرب. كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل" (نش 3: 7).
يعني أن العرش الروحي، حوله جبابرة الروح، المتعلِّمون القتال الروحي ضد الشياطين.. وكل جبار منهم سيفه على فخذه من هول الليل، لئلا تأتيه خطية في الظلام، أو في غفلة، أو غفوة، دون أن يحس!
وقيل عن الشيطان أنه سلطان الظلمة، والمسيح قال: "إن هذه ساعة سلطان الظلام".
الرجل الروحي الساهر، مستعد منتبه، ولا تزحف الخطية إلى قلبه... والمطلوب منكم أن "تحرسوا حراسات الليل"، وأن تكونوا متعلِّمين الحرب فإن داود بارك الرب قائلا: "الذي يعلِّم يديَّ القتال وأصابعي الحرب" (مز 144: 1). وهو بذلك يقصد القتال الروحي ضد الشياطين وأساليبهم وخططهم، كما يقول بولس عن الشيطان: "لأننا لا نجهل أفكاره" (2كو 2: 11)، نحن نعرف حِيَله.
يجب أن يكون كل فرد منتبهًا، واحترسوا من الانحدار التدريجي غير الملحوظ.. فإن الشيطان "فتَّال حِبال" يصنع شباكًا لاصطياد الإنسان. والشيطان له حِيَل، فهو في بعض الأحيان يقاتل فجأة وبسرعة، وفي أحيان أخرى يدبِّر للخطية الواحدة خطة طويلة المدى، من أجل أن يجتذب الإنسان إليها قليلاً دون أن يشعر.
والإنسان الساهر، ينتبه للشيطان وحِيَله، و"التدريجات البطيئة".. ولا ينتظر حتى يسقط.
احترس واسهر بالنسبة للتدريجات في حياتك، وإن شعرت أنك لست من الحرص القديم، أو الاحتياط القديم.. وإن شعرت أنك لم تعد في التمسك القديم، والحرارة القديمة فاستيقظ لنفسك، واعرف أنك قد هبطت درجة، ولا تنتظر أن تهبط أكثر.
ولا تُعرِّض نفسك لتجربة خارجية، بمعنى أن لا تدخل مع الشيطان في قتال وأنت في حالة ضعف، وعندما تجد نفسك بعيدًا عن الوسائط الروحية، فاحترس لنفسك واحذر من أن تسقط.
ليكن "سيفك على فخذك من هول الليل"، واحترس، واسهر على خلاص نفسك، ليس فقط من الخطايا القريبة، ولكن أيضًا من الخطية البعيدة.
إن الإنسان الساهر على خلاص نفسه يهتم "بالأفكار الجديدة" ويحترس منها.. ولا يلقي بنفسه في (الجديد) عليه قبل أن يختبره ويعرفه.
وفي حالة الضعف، ابتعد عن الأشياء التي لم تختبرها.. خذها أولاً في "حضانة فكرية" لتختبرها.. وإن كنت متعبًا، فلا تكن سريعًا في تقبُّل أو تنفيذ كل فكرة جديدة تأتي إليك، لأن الشيطان لا يريد أن يعطي فرصة للتفكير أو التأمل أو الاستشارة وبحث الأمر! والإنسان الساهر يحترس من الأفكار السريعة، ولا بد من انتظار ويقظة!
كذلك فإن الإنسان الساهر على خلاص نفسه، ينتبه إلى "الخطايا الخفية والظاهرة". إن هناك أناسًا يهتمون بالخطايا الظاهرة فقط، ولكن لا بد من الاهتمام والانتباه للخطايا الخفية المستترة في أعماق النفس والعقل الباطن والتي لا تأخذ مظهر الخطية لأنها تتستر بزي الفضيلة.
أيضًا الإنسان الساهر على نفسه يراقب كل تطور وتغيير في حياته. لا تترك تغييرًا في حياتك يمر في هدوء، بل ابحث عن أسبابه الظاهرة والعميقة الدفينة الداخلية.
بعض الناس مشكلتهم أن حياتهم تتغيَّر، ويهملون هذا التغيير مددًا طويلة.. إنهم يكونون غافلين، فانتبه – أنت - لئلا تسرقك السكين، وانتبه إلى التغيير وخاصة ذلك الذي يأتي نتيجة دوامة الحياة.
والإنسان الساهر على خلاص نفسه لا يراقب فقط خطاياه، وإنما يراقب أيضًا مدى نموه في الحياة الروحية لأنه إن كان المطلوب من الإنسان ألاَّ يخطئ.. فمطلوب منه أيضًا أن ينمو في الحياة الروحية باستمرار ويزداد ويتقدَّم.
والإنسان الساهر على خلاص نفسه لا يصح فقط أن يراقب أعماله الظاهرة، وإنما يراقب أيضًا اتجاهاته العامة ونظرته الكلية للحياة وأسبابها. وهو أيضًا لا يراقب ذاته فقط وإنما يراقب الجو المحيط به والتيارات والأصدقاء والمعارف، ويرى في أي إتجاه هو يسير.
والإنسان الساهر على خلاص نفسه يضع أبديته أمامه في كل وقت مثل القديس أرسانيوس الذي كان دائمًا ينادي نفسه ويقول: "تأمل يا أرساني فيما خرجت من أجله". وذلك لكي لا يفقد الهدف في الطريق، فهناك إنسان يفقد الهدف، أو يفقد المستوى أو الوسيلة، وهناك إنسان يفقد كل شيء. وصدقوني لو أننا كنا حريصين على أنفسنا من أول خطوة في الطريق، فإننا لا يمكن أن نقع، أو أن نضيع حتى النهاية.
أما أنتم فكونوا ساهرين على خلاص نفوسكم...
† راقبوا أنفسكم من الداخل، وراقبوا مشاعركم وأفكاركم واتجاهاتكم..
† راقبوا سلوككم ومحبتكم لله..
† وأيضًا راقبوا العدو وخططه وأساليبه والحروب المحيطة بكم..
† راقبوا نفوسكم من الداخل، وراقبوا العدو من الخارج..
† ولا تتركوا العدو يعمل وأنتم نيام، أو وأنتم في حالة غفلة وعدم اهتمام.
سمعت رجلاً طيبًا كان يصلي لله ويقول: "لا تأخذني يا رب في ساعة غفلة"! وهناك قديس آخر يقول: "الخطيئة يسبقها إما الشهوة أو الغفلة أو النسيان"؛ ذلك لأن الذي في حالة غفلة يمكن أن يضيع.
† راقبوا أنفسكم بدلاً من أن يراقبكم الناس، وإذا راقبك الناس ولم يكن عندك سهر، واكتشفوا لك غلطة فلا تغضب، ولا تعاتب وإنما أشكرهم.
إن الإنسان الغافل يحتاج لمن يوقظه وقد يكون ذلك صديقًا، أو مرشدًا أو حتى عدوًا، ينتقدك ويهاجمك في أحد أخطائك أو خطاياك. فإذا انتقدك الناس فقل: حسنًا يا رب أنك أيقظتني.. ضع أمامك مبادئ وأشياء لتوقظك واتصل بالأشخاص الذين عندما تراهم تتبكَّت على خطاياك، واقترب من أصحاب المبادئ الذين يمكن أن يوجهوك.
بعض الناس عندما ينامون يهربون من الآخرين اليقظين لئلا يبكتوهم على نومهم، أو خشية أن يلاحظوا التغيير الذي حدث في حياة أولئك الذين ناموا. أما أنت فاتصل بمن يوقظك، ومن يبكتك على خطاياك، واتخذه صديقًا. إن الذي يكشف لك ضعفاتك أعطه محبة قلبك، ولا تغضب منه.
وكل مرة، صلِّ إلى الله، وقل له: أيقظني يا رب.
وإذا سرت في غفلة، في خطية، فلا تتركها تستفحل، واستيقظ بسرعة... لا تيأس ولا تعط الخطية مجالاً طويلاً لكي تعبث بك.
وإذا سقطت، فقم بسرعة ولا تترك الشيطان يحطم كل ما لك.
وإذا سقطت، فلا تيأس ولا تترك الشيطان يتمم تحطيمك..
كثيرون عندما يقعون مرة، يستسلمون للسقوط عن طريق اليأس.. فلا تقعوا في اليأس وقوموا - سريعًا - لإكمال الطريق فإن من حيل العدو أن يلقيك في اليأس، فاستيقظ لهذه الحيل والخطط!
[1] محاضرة لقداسة البابا شنوده الثالث بتاريخ 7 يوليو 1972م




