تأملات في نشيد الأناشيد – أين ترعي 2

الروحيون يقرأون هذا السفر، فيزدادون في محبة الله. أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية …
بدأنا تأملنا في الأسبوع الماضي في قول العروس لربها: “أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة”(نش1: 7). ونكمل تأملات في الآية وما يتبعها…
أين ترعي…؟ -2-1
جميل جدًا أن نتأمل كراع. الله الذي يرعانا، فلا يعوزنا شيء، الراعي بين السوسن. الذي يهتم بأولاده فيقودهم إلى المراعي الخضراء وموارد الماء. وإن تاهت يسعى وراءها، ويحملها على منكبيه فرحًا.
أين ترعى أين تربض وقت الظهيرة؟
وقت القيالة وقت الظهر، الوقت الذي يستريح فيه الكل، أين تكون مستريحًا لكي آتي إليك في راحتك فأستريح معك، وأستريح بك…
إنها نفس مشتاقة إلى الله تبحث عنه، ويبحث معها أحباؤها الذين يعدون لها هذا اللقاء الإلهي المحبب إلى النفس قائلين لها: “أَيْنَ ذَهَبَ حَبِيبُكِ أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ؟ أَيْنَ تَوَجَّهَ حَبِيبُكِ فَنَطْلُبَهُ مَعَكِ”؟ (نش6: 1)
فتجيبهم العروس:
” حَبِيبِي نَزَلَ إِلَى جَنَّتِهِ، إِلَى خَمَائِلِ الطِّيبِ، لِيَرْعَى فِي الْجَنَّاتِ، وَيَجْمَعَ السَّوْسَنَ” (نش6: 2)
الجنة هي مكان الأشجار المثمرة، والمزهرة. والمؤمن الصالح يشبه شجرة تعطي ثمرها في حينه وورقها لا ينتثر، شجرة تعطي ثمرًا فينقيها الرب لتعطي ثمرًا أكثر. أما الزهور فترمز الي الرائحة الطيبة التي للأبرار القديسين، تفوح رائحتهم في المسكونة كلها ويتنسم الله منها رائحة الرضا.
شجرة الثمر ترمز الى حياة العمل، وشجرة الزهر ترمز إلى حياة التأمل. ومن كليهما تتكون الجنات حيث يستريح الرب وقت الظهيرة.
يستريح في أولاده القديسين. إليهم يأتي، وعندهم يصنع منزلًا. يربض عندهم، ويجد مكانًا يسند فيه رأسه. وهكذا تعرف العروس أين يربض حبيبها وأين تجده، “حبيبي نزل إلى جنته”. من علياء سمائه نزل ليجلس مع أولاده، يرعاهم “يرعي في الجنات”.
هنا نجد الله، ليس مع أهل الدنيا، وليس في مشاغل العالم، لكن في الجنات في فردوس الآباء، عند خمائل الطيب.
عند القديسين الذين كانت رائحتهم مسكًا. وبخورًا كأنهم خمائل طيب… وفيهم رائحة المسيح الذكية. وخمائل الطيب قد ترمز أيضًا إلى أعمال القديسين، إلى سيرتهم وحياتهم.
وهكذا عند خمائل الطيب، تجد الرب تحت صورة الصليب، في مذبح الله المقدس، إلى جوار الإنجيل، في جلسة تأمل، في جلسة هادئة مع الله… عند خمائل الطيب، تجده هناك، يجمع السوسن… يجمع عرق القديسين، وتعبهم، ودموعهم، وصومهم، وصلواتهم، ونسكهم، ومحبتهم… يجمع السوسن… هناك تجده.
فماذا تفعل النفس إن لم تكن لها الخبرة الروحية، فلا تعرف الطريق الى الله؟ يقول لها الوحي الالهي:
“إِنْ لَمْ تَعْرِفِي أَيَّتُهَا الْجَمِيلَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَاخْرُجِي عَلَى آثَارِ الْغَنَمِ، وَارْعَيْ جِدَاءَكِ عِنْدَ مَسَاكِنِ الرُّعَاةِ” (نش1: 8)
انظري، أين كانت الغنم تمشي، غنمي التي تتبعني، التي تسمع لصوتي، ولا تسمع لصوت الغريب. تتبعي آثارها لكي تتمثلي بإيمانها.
تأملي حياه القديسين الذين طبعوا آثار أقدامهم على الأرض. نستطيع ان نتبعهم، ونصل الى الله، في نفس طريقهم…
آباء البرية الذين ما تزال آثارهم مطبوعة على الجبال، تشعرنا بجمال الطريق، ونستنشق عبير حياتهم… آثار الشهداء، آثار الآباء، آثار القديسين…
ولعل النفس تسأل: وأين أرى آثار الغنم؟ نجيبها: في كتب القديسين، في سيرهم الجميلة، في أقوالهم، في قصصهم، في كنائسهم وأديرتهم…
أخرجي على آثار الغنم:
وليس على آثار الجداء، ليس في طريق العالم، في فسادهم، في أزيائهم، في لهوهم، في أفكارهم وفلسفاتهم. هؤلاء الذين حذرنا الرسول منهم بقوله: “لا تشاكلوا هذا الدهر”، أي لا تكونوا مثله أو شكله….
- مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة السنة الخامسة – العدد الثامن 23-11-1974م




